الأذرع الخيرية الإسلامية بالجزائر تتبخر في ذروة أزمة كورونا

الخطوة الاستباقية للحكومة تحيّد المساجد والعبادات عن النشاط الخيري الإخواني.
الجمعة 2020/04/10
الاختباء خلف ستار العمل الخيري

قرار الحكومة الجزائرية باحتكار العمل التضامني والتبرعات في سياق مكافحة الأضرار المترتبة عن تفشي فايروس كورونا، سحب البساط من تحت التيارات الإسلامية في البلاد، وهي التي دأبت على توظيف العمل الاجتماعي والخيري من أجل التسرب داخل المجتمع وتمرير مخططاتها الأيديولوجية.

الجزائر - خلط قرار الحكومة الجزائرية حظر صلاة الجمعة والجماعة وغلق المساجد والمصليات، أوراق الأذرع الخيرية لتيارات إسلامية كانت تترصد المناسبات والأوضاع الاستثنائية لتوظيفها في مخططاتها الأيديولوجية والمرجعية، عبر استغلال العمل الخيري لتمرير أفكارها لاسيما تلك المتزامنة مع الاستحقاقات السياسية.

تغيب المنظمات والجمعيات الأهلية والخيرية الموالية لتيارات الإسلام السياسي في الجزائر، رغم الهبة التضامنية الرسمية والشعبية المسجلة في البلاد خلال الأسابيع الأخيرة، من أجل التكفل بتداعيات تفشي وباء كورونا، وهي سابقة أولى من نوعها في تاريخ الفعاليات المذكورة، الأمر الذي يثير عددا من الاستفهامات حول خلفية ودلالات هذا التحول.

وأفاد مصدر من جمعية الإرشاد والإصلاح، رفض الكشف عن هويته لـ”العرب”، بأن تجاذبات قوية تخيم على المؤسسات والتنظيمات الداخلية لتيار الإخوان، حول مهام وصلاحيات الأحزاب ووصايتها على بعض الجمعيات الفاعلة، أفضى إلى قطعية غير معلنة بين الطرفين، وحتى إلى أزمة صامتة داخل البيت الإخواني.

إلا أن مراقبين يروْن بأن صداما مؤجلا وقع بين الرؤوس السياسية والأهلية داخل التيار، بسبب الطموحات السياسية لمختلف الأطراف، إلى جانب رغبة القيادات السياسية في الإبقاء على الأذرع المدنية في الصفوف الخلفية وإملاء التوجيهات عليها، ولّد حالة من التململ الداخلي وظهور بوادر أزمة داخلية.

وطفت في وقت سابق، خلافات عميقة بين قيادة حركة مجتمع السلم “حمس”، وبين جمعية الإرشاد والإصلاح، لأسباب لم يعلن عنها، لكن المطلعين على شؤون أكبر الأحزاب الإخوانية في الجزائر، يرجعونها إلى رغبة الرأس السياسية في الهيمنة على نشاط الجمعية، فضلا عن غياب إجماع كلي داخل الحركة حول القيادة الحالية برئاسة عبدالرزاق مقري.

ويبدو أن تعاطي السلطات الجزائرية مع تفشي وباء كورونا في الجزائر فرض نمطا معينا في حملة التضامن والتبرع الرسمي والشعبي، بشكل فوت الفرصة على الأذرع الخيرية الإخوانية لتصدر المشهد التضامني، رغم أن منطقة البليدة الواقعة تحت الحجر الصحي الشامل، تعتبر إحدى القلاع الخلفية لتيار الإخوان.

تعاطي السلطات الجزائرية مع تفشي وباء كورونا في الجزائر فوت الفرصة على الأذرع الخيرية الإخوانية لتصدر المشهد التضامني

وكشفت مسارعة الحكومة لحظر نشاط المساجد والعبادات الجماعية، اختلاط أوراق تلك الفاعليات، ومحدودية هامش تحركها، حيث ارتبطت في الغالب بالمساجد ودور العبادة ولم تتمرس في نشاطها الخيري على الفضاءات الأخرى، ومع ذلك لا يستبعد عودتها خلال شهر رمضان الداخل لتدارك تأخرها.

وكانت قيادات حزبية في تيار الإخوان ونواب برلمانيون في كتل إسلامية، قد سعت إلى استباق الهبة التضامنية، بالإعلان عن تبرعات كل من رئيس حركة البناء الوطني وحركة مجتمع السلم، وهما على التوالي عبدالقادر بن قرينة وعبدالرزاق مقري، فضلا عن نواب في البرلمان.

وفي خطوة لاستمالة الشارع الجزائري واستغلال حملة التبرعات في التجاذبات السياسية القائمة في البلاد، كان النائب البرلماني عن تحالف النهضة والعدالة والبناء لخضر بن خلاف، سباقا لكشف رفض عدد من النواب في المجلس الشعبي الوطني (الغرفة الثانية للبرلمان)، التنازل عن جزء من راتبهم الشهري لإيداعها في حسابات التبرع المفتوحة.

وأعطت صفحات افتراضية محسوبة على التيار الإسلامي، الانطباع بأن الرافضين للتنازل عن جزء من راتبهم هم التيار الديمقراطي العلماني، وأن النواب الآخرين لم يتأخروا عن التبرع للصندوق المختص، ما يوحي بالنَّفَس السياسي والحزبي في حملة التضامن المفتوحة، وتوظيفها في تصفية الحسابات الأيديولوجية والمرجعية. ويعتبر العمل الخيري أحد الآليات التي تعتمد عليها أحزاب التيار الإسلامي في الجزائر، حيث تظهر بشكل كبير في المناسبات والمواسم الدينية، على غرار شهر رمضان وعيد الأضحى والعودة المدرسية، فضلا عن الأزمات الاستثنائية كما كان خلال الزلزال الذي ضرب منطقة بومرادس والعاصمة في العام 2003.

وسبق لجبهة الإنقاذ المحظورة، أن استغلت الأوضاع الاجتماعية والاقتصادية الهشة التي عرفتها البلاد في مطلع تسعينات القرن الماضي، في ابتكار “أسواق الرحمة”، التي تحولت إلى بديل قوي للمؤسسات الاقتصادية والتجارية الرسمية، واستطاعت من خلالها استمالة الشارع الجزائري للالتفاف حولها في الانتخابات المنتظمة العام 1991.

وكثيرا ما عهد الإسلاميون بالجزائر إلى النسوة المنتسبات إليها وإلى الجمعيات الأهلية، مهمة التواصل المباشر مع العائلات والأفراد، وممارسة مختلف أشكال الاستمالة والإغراء، لاسيما من الفئات الاجتماعية الهشة وخاضوا لأجل ذلك معارك سياسية قوية من أجل الهيمنة على الاتحاد الوطني الطلابي الحر (تنظيم طلابي ينشط في الجامعات)، و”الكشافة الإسلامية الجزائرية”، فرغم افتكاك قيادتها من طرف حزب التجمع الوطني الديمقراطي الموالي للسلطة، إلا أن خلايا وفروع التنظيم تبقى تحت سيطرة حمس، من أجل توظيفها في المواعيد السياسية. وهي التنظيمات التي تضطلع بمهام النشاط الاجتماعي والخيري، الذي تعتبره أحزاب الإسلام السياسي أحد الأذرع القاعدية لاستمالة الشارع تحسبا لمختلف الاستحقاقات، لكن وباء كورونا يكون قد فاجأهم هذه المرة، أو أن الخطوة الاستباقية للحكومة فوتت عليهم الفرصة لتصدر النشاط الخيري.

وعمدت الحكومة الجزائرية إلى احتكار العمل التضامني والتبرعات، لتلافي الاستغلال السياسي والحزبي، حيث قامت بفتح حسابات مصرفية لاستقبال التبرعات، كما جندت مؤسساتها الرسمية (الأمن والدرك)، للسهر على توجيه وتوزيع التبرعات على سكان المناطق المتضررة والفئات الاجتماعية الهشة.

13