الأراضي الزراعية المهملة تعيق حلّ أزمة البطالة في تونس

رغم مساهمته بنحو 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي فقد القطاع الزراعي في تونس بريقه خلال السنوات الأخيرة نتيجة العديد من العوامل المتداخلة.
الجمعة 2021/06/25
محصلة تعب وصعوبات كثيرة

تتعالى أصوات النخب الاقتصادية في تونس، مطالبة الحكومة باستراتيجية واضحة لمعالجة أسس القطاع الزراعي في ظل استمرار التراخي في إنهاء مشكلة الأراضي غير المستغلة التي يمكن أن تحل جزءا من أزمة البطالة، خاصة مع مواصلة الخبراء دق ناقوس الخطر من تعرض البلاد لفجوة في توفير الغذاء مستقبلا بسبب زحف الجفاف.

تونس- أكد خبراء في قطاع الزراعة أن تونس بحاجة ماسة لوضع استراتيجية شاملة لتطوير القطاع ومعالجة الاختلالات التي يعاني منها والتي تفاقمت بدرجة خطيرة خلال السنوات الماضية بسبب ارتباك السياسات الحكومية وتزايد وطأة التغير المناخي.

وتتواصل مشكلة الأراضي الزراعية غير المستغلة بسبب التعقيدات البيروقراطية، وهو ما يمثّل عائقا أمام حلّ أزمة البطالة التي سجلت مستويات قياسية عند نحو 17.8 في المئة بنهاية الثلث الأول من العام الجاري بعد أن كانت في حدود 17.4 في المئة خلال الثلاثي الرابع من العام الماضي.

محمد بن حسين: يجب وضع استراتيجية لاستغلال الأراضي الزراعية المهملة

ولا تقتصر التحديات على سوء إدارة الملف، بل يرتفع سقفها ليشمل مشاكل التمويل المالي للمشاريع، وتواصل معضلة الجفاف ونقص المياه، فضلا عن غياب الإرادة السياسية الحقيقية لمعالجة تلك الملفات.

ورغم أن رئيس الاتحاد التونسي للفلاحة والصيد البحري عبدالمجيد الزار، قد أشار إلى أن موسم حصاد الحبوب هذا الموسم أفضل من السابق، لكنه لا يزال بعيدا عن الطموحات.

واعتبر أن تحقيق هذه النتائج رغم ما عرفه الموسم من هزات في ظل أزمة توفير مدخلات الإنتاج، يؤكد أن المزارعين قادرون على الإنتاج وتحقيق المردودية العالية إذا ما اقتنع الجميع “بأن الأمن الغذائي مسؤولية وطنية”.

وانتقد مسألة غياب الخارطة الفلاحية وإهمال الأراضي الزراعية بينما يعاني الشباب من البطالة، مرجعا ذلك إلى “غياب الإرادة” وإلى عجز كل الفاعلين السياسيين عن الخروج بتصورات مشتركة.

وتقول وزارة الفلاحة والموارد المائية والصيد البحري إن مجموع الأراضي القابلة للزراعة في البلاد يبلغ نحو خمسة ملايين هكتار، لكن لا يستغلّ منها سوى نسبة 24 في المئة.

ويؤكد محمد بن حسين الخبير في المياه والبيئة، أن تونس بها قرابة 400 ألف هكتار من الأراضي السقوية، حيث تقوم الدولة بحفر الآبار لتسهيل إنتاج المزارعين، وكانت تضطلع بدور إيجابي جدا في تأمين الأمن الغذائي في البلاد. لكن الوضع اختلف الآن.

وقال لـ”العرب”، “توجد عدة إشكاليات إدارية وعقارية وهناك نوع من النفور لدى المزارعين، حيث ترك الناس أراضيهم، فضلا عن تشتت الملكية حيث يمكن أن تجد مزارعا يملك 100 متر مربع وغير قادر على الإنتاج”.

        القطاع الزراعي

5 ملايين هكتار صالحة للزراعة لا يستغل منها سوى 24 في المئة

13 في المئة مساهمة القطاع في الناتج المحلي الإجمالي

13.4 في المئة نسبة المشتغلين في القطاع من حجم القوة العاملة النشيطة في البلاد

وأضاف أن “هناك غيابا للإرادة السياسية لفتح الملف، ويجب أن تضع برامج لاستغلال تلك الأراضي خصوصا وأننا أصبحنا نستورد الخضر من مصر”، لافتا إلى أن “هناك 5 ملايين هكتار قابلة للزراعة، فضلا عن الأراضي الغابية والمراعي وغيرها”.

وطالب الخبير المائي السلطات بـ”تشريع قوانين بخصوص المسألة وتسهيل الإجراءات البيروقراطية لفتح مجال العمل أمام الشباب وحلّ جزء كبير من معضلة البطالة عبر تقديم القروض والهبات”.

وسبق أن كشفت دراسة حول الأمن الغذائي أنجزها المعهد التونسي للدراسات الاستراتيجية أن المنظومة الزراعية والغذائية في البلاد تواجه حزمة من الصعوبات تتعلق أساسا بضعف نسبة المكننة وتشتت الأراضي الفلاحية التي تعود ملكيتها للدولة.

وبحسب الدراسة “يوجد 350 ألف هكتار من الأراضي الزراعية غير مستغلة بسبب النزاعات القانونية و100 ألف هكتار وفق نظام الأوقاف (الأحباس) و65 ألف هكتار كأراض يستغلها أشخاص بطريقة غير شرعية، ما يعني أن 415 ألف هكتار خارج الاستغلال”.

وقال الخبير الإقتصادي حسن بن جنانة لـ”العرب”، إن “مشكلة الميراث هي السبب الأصلي لتواصل الأزمة، حيث ساهم توارث الأراضي في تقليص مساحتها ما عسّر إمكانية استغلالها من المزارعين، ما يعزز غياب الجدوى الاقتصادية”.

حسن بن جنانة: السلطات عاجزة عن فتح ملف تأميم الأراضي وإعادة تقسيمها

وأضاف “هناك بيروقراطية في تقسيم الأراضي عن طريق المحاكم، حيث تدوم القضايا المتعلقة بها ما بين 10 و15 سنة، بالإضافة إلى غياب الإرادة السياسية من خلال قصور التشريعات، إذ لا تملك الدولة قدرة على حلّها، وهي ضعيفة وعاجزة عن سنّ قوانين تمنع تجزئة تلك الأراضي”.

ويرى بن جنانة أن هناك مشكلة الأراضي المهملة التي تستغلها بعض الأطراف، ويجب أن تتوفر ضمانات معينة في علاقة بالقروض والبنوك.

واستدرك بالقول “ولكن لا توجد جدوى اقتصادية من هذه المشاريع، وعلى الدولة أن تؤمّم هذه المساحات وتعيد تقسيمها، رغم ما سيخلفه الإجراء من مشاكل انتمائية وقبلية”.

واعتبر الخبير أن الصعوبات المناخية وتغيراتها وقلّة الأمطار، فضلا عن تباينها بين أقاليم الشمال والوسط والجنوب، تهدد الزراعة ولا بد من التفكير في توسيع مشاريع تحلية مياه البحر، واعتماد مقاربة جديدة لتوفير المياه حتى العام 2030.

وتقدر الإمكانيات المائية المتاحة في تونس بحوالي 4.8 مليار متر مكعب سنويا وتتوزع بين المياه السطحية والجوفية وتلك المتأتية من الأمطار.

وتشير التقديرات الرسمية إلى أن الزراعة تساهم بنحو 13 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي، وهي من أبرز القطاعات الاستراتيجية، حيث تشغل قرابة 13.4 في المئة من القوة العاملة النشيطة بالبلاد، لكنها فقدت بريقها في السنوات الأخيرة نتيجة العديد من العوامل المتداخلة.

وأشارت دراسات دولية ومحلية إلى أن تونس مهددة بفقدان مواردها الطبيعية، إذ يتوقع أن تواجه نقصا حادا في محاصيل الحبوب بسبب الجفاف بمعدل الثلث من المساحة المزروعة لتبلغ مليون هكتار فقط بحلول 2030.

وتبعا لذلك سيشهد القطاع الزراعي تراجعا على مستوى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة تتراوح بين حوالي 5 و10 في المئة.

تونس بحاجة ماسة لوضع استراتيجية شاملة لتطوير القطاع ومعالجة الاختلالات التي يعاني منها والتي تفاقمت بدرجة خطيرة خلال السنوات الماضية بسبب ارتباك السياسات الحكومية وتزايد وطأة التغير المناخي

 

11