الأراضي النادرة.. محور الرهانات الاستراتيجية الكبرى في الألفية الثالثة

ليس هناك اختلاف في أروقة صناعة المستقبل الإنساني بأنّ الأراضي النادرة ستحدد آفاق التطور البشري في الألفية الثالثة، وأن ملامح ونماذج إعادة تشكيل مستقبل الأفراد والأمم والاقتصاد العالمي في العصر الرقمي، تمرّ عبر الجمع بين مستويات ثلاثة تخص الجيولوجيا والاقتصاد والسياسة. رهان بدأ ينبئ بتنافس بين الدول الكبرى يبلغ درجة الصراع الخفي حول الأجدر بقيادة العالم في المستقبل.
السبت 2015/08/08
السيطرة على الخامات الثمينة بوابة التحكم في المستقبل

تفتح الأراضي النادرة، بالإضافة إلى الرهانات المنوطة بها، تحديات وإمكانيات جديدة في مجالات التصنيع الحديثة. وبقدر ما يعترض هذا التحدي طريق البلدان التي تنعدم فيها هذه الموارد من جهة، فهو يفتح إمكانيات جديدة في وجه البلدان التي تتوفر عليها من جهة أخرى.

ويفرض هذا التحدي على بلدان العالم العربي الغنية المبادرة بشراء الامتيازات التجارية والاستثمار في البلدان التي تتوفر على الأراضي النادرة، خاصّة أنّها محور الرهانات الإستراتيجية الكبرى في العالم خلال الـ25 سنة القادمة. هذا فضلا عن أنّ كل التوقعات المستقبلية تشير إلى أن 25 بالمئة من التقنيات الجديدة الّتي ستظهر في السنوات المقبلة تتوقّف على استعمالات الأراضي النادرة، وأنّ تطبيقات هذه الأخيرة في جميع الصناعات الإستراتيجية ستزداد بمعدل 10 بالمئة سنويا خلال العشرين سنة المقبلة، مما يطرح رهانات اقتصادية وبيئية وجيوسياسية في جميع فروع القطاع الصناعي الهامة: صناعة الطيران، الاتصالات، صناعة السيارات والسلع الاستهلاكية ذات الزخم الواسع جماهيريا (شاشات، هواتف محمولة وحواسيب)، وكذلك الصناعات البيئية والعسكرية والنووية.

ومن هنا تتّضح أهمية الأراضي النادرة في قطاعات حساسة يرتبط بها التقدم التكنولوجي المعاصر الذي يمس المعدات المدنية والعسكرية المتطورة، حيث لا توجد بدائل في الوقت الحالي لتلك الأراضي في تطبيقاتها المختلفة والمتعلقة بالمجال النووي والكيميائي والكهربائي والمغناطيسي والبصري. وليس أدل على أهمية استخدام الأراضي النادرة، ما نجم عنهُ من صنع مغناطيسات قوية صغيرة وخفيفة أتاحت تصغير الكثير من القطع الكهربائية والإلكترونية واستهلاك منخفض الطاقة، خاصة استعمال معدن النيوديم في صناعة مغناطيس للمحركات الكهربائية المدمجة والمستعملة في توربينات الرياح.

رهانات كبرى

تتشكل الأراضي النادرة في أساسها العلمي من أسرة تحتوي على 17 معدنا، نجدها مصنفة في “جدول مندليف” الخاص بالعناصر الكيميائية المعروفة، والمرتبة طبقا للعدد الذري أو الإلكترونات الموجودة في كل عنصر مكون لها، لكن سمة هذه المعادن البارزة أنها غير مركزة في الطبقات الجيولوجية الأرضية، وهي بذلك تكتسب ندرتها.

وفي السياق الحالي للاحتياط العالمي من الأراضي النادرة، نجد صعوبة كبيرة في رسم خارطة بالغة الدقة، لكن الصين تستحوذ على 45 بالمئة من الاحتياطي العالمي وفق تقرير صدر سنة 2010، وهي تتحكم في 60 بالمئة منه، وتمثل 97 بالمئة من الإنتاج العالمي الحالي، كما أنّها تنتج 80 بالمئة من المغناطيس الدائم في العالم، ثم تسيطر على 95 بالمئة من إنتاج المعادن المستخرجة من الأراضي النادرة ( توقعات وكالة المسح الجيوليوجي الأميركية لسنة 2014)، أي حوالي 102 ألف طن سنويا، وهي بذلك أول مستهلك لهذه المعادن، أي بحوالي 60 بالمئة من الطلب العالمي.

عربيا تعدّ موريتانيا البلد الواعد في مجال الأراضي النادرة، حيث تمّ اكتشاف العديد من هذه الأراضي قرب موقع بوناقة الغني بالأوربيوم ومنطقة غيلب زلاجة في وسط غرب البلاد

كما تتوفر روسيا وكازاخستان على نسبة 22 بالمئة، وتمتلك الولايات المتحدة الأميركية نسبة 13 بالمئة، وأستراليا 5 بالمئة، فيما تتوفر مناطق القطب الشمالي على مخزون واعد يمكن أن يستجيب لحوالي 25 بالمئة من الطلب العالمي، وهو ما يمكن أن يقلب الغلبة الصينية الحالية رأسا على عقب في مجال الإنتاج، مما يفسر الاهتمام الصيني البالغ بالاستثمار في تلك المنطقة الجغرافية، فضلا عن اهتمام فرنسا البالغ بمناطقها في ما وراء البحار وكذلك الاستثمار في الغابون ومدغشقر.

وتحتوي الأراضي النادرة على عناصر كيماوية وفيزيائية أساسية في تطبيقات التكنولوجيا المتطورة، وتتطلب تقنيات الصناعة العسكرية المتطورة إدماج تلك العناصر، خاصة في مجال المحركات النفاثة وأجهزة توجيه الصواريخ وأنظمة الكشف عن الغواصات وأنظمة الكشف عن الدفاع الصاروخي، ممّا يجعل كل نظم الملاحة والرادارات في البحرية الأميركية مصنوعة من الأراضي النادرة الصينية، فيما يخلط السكانديوم مع الألمنيوم في الصناعة الجوية الروسية، ويتيح الإيتيريوم المزجبين المعادن وانصهارها، فيما يستعمل اللنثان في الزجاج البصري الخاص والسيريوم في المقاومة الحرارية ويخلط البراسديميوم مع المنغنزيوم في صناعة محركات الطائرة بالغة الصلابة، فيما يستخدم النيوديم في إنتاج مغناطيس عالي القوة يجمع سائر المواد المصنعة، ونجد استعمالاته أيضا في أقراص الحواسيب الصلبة، كما يختص السماريوم في صناعة مغناطيس السماريوم (الكوبالت المستمر)، والذي لا يتفوق عليه إلا مغناطيس النيوديم.

وعندما يتمّ المزج بين الغادولينيوم والحديد والكروم تتحسن كثيرا صناعة التجميع وتتقوى مقاومتها ضد الأكسدة عالية الحرارة، كما أن التربيوم، والديسبروسيوم، والإيربيوم، والإيتربيوم يستخدمون في الليزر، بينما يستعمل الهلميوم في صفائح المراقبة النووية، واللوتثيوم في ذاكرة الحواسيب، كما يقلص التربيوم 80 بالمئة من استهلاك المصابيح الكهربائية، ويستعمل أيضا في أنابيب التلفيزيون الملون.

وهذا غيض من فيض في استعمالاتها الهامة والمتعددة، لكن أبرز تحدي يلوح في الأفق يكمن في تجاوز الطلب للعرض، حيث أصبح استهلاك الصين من هذه المعادن يعادل ما تنتجه منها تقريبا في 2014، وهو ما يفسر فرضها قيود جديدة على التصدير، حيث قلصت بنسبة 40 بالمئة من الإنتاج في 2010، وحوالي 35 بالمئة سنة 2011 عمّا كانت عليه في العام 2010، ممّا أدى إلى ارتفاع صاروخي في الأسعار، وتسبب في رفع دعوى ضد الصين في منظمة التجارة الدولية على إثر خطاب الرئيس الأميركي أوباما في 13 مارس 2012، وإسراع المفوضية الأوروبية بإصدار إعلان حول “رفع تحديات السوق في إنتاج الموارد الأولية” في 2 فبراير 2011، مما يوحي بصراع خفي بين الدول الكبرى بدأت ملامحه تتجسد في العلن.

معادن الأرض النادرة

ثورة في صناعة الأسلحة

اعتبر الكونغرس الأميركي، مؤخرا، أن الأراضي النادرة رهان أساسي وإستراتيجي يضمن تفوق الصناعة العسكرية الأميركية في الألفية الثالثة. وقد صنف تقرير عسكري أميركي لائحة من أهم الأسلحة المتطورة تتوقف على الأراضي النادرة، حيث لفت الانتباه إلى أنّ مغناطيس معدني النيوديم والسمريوم يستعملان في صناعة الطائرات من دون طيار عالية الكفاءة، وأن جميع الأسلحة الموجهة مثل صواريخ باترويت وستينجر والصواريخ المضادة لأنظمة الرادار (AGM 88-HARM) مرتبطة بها تماما، بيد أن الولايات المتحدة الأميركية توجد في وضعية صعبة للغاية بعد أن استولت الصين على 75 بالمئة من المغناطيس الدائم المكون من النيوديم والحديد، حيث انتقل الإنتاج من 2600 طن إلى 39 ألف طن، وعمدت إلى تخفيض السعر في مغناطيس السمريوم كوبالت، حتى لم تعد تتوفر أميركا إلا على مقاولة واحدة، فيما أغرق المزودون الصينيون الأسواق بحوالي 60 بالمئة من العرض العالمي.

والواقع أن معدني الليتريوم والنيوديم يمكن المزج بينهما في صناعة الليزر طويل المدى والمستعمل من قبل القوات البرية في أجهزة الضبط، وفي تحديد الأهداف البعيدة بالنسبة للطائرات، ثم في دبابة أبرامس (M1-A1/2) كعناصر لأجهزة الضبط وتحديد الهدف بدقة كبيرة، فضلا عن جميع تقنيات الإرسال المتطورة، وتحديد المواقع عبر الأقمار الاصطناعية، ونظام تحديد المواقع العالمي عسكريا، فضلا عن كون معدن الليتريوم عنصرا قويا في الربط بين أجزاء المطاردات الجوية التي تحلق في فضاءات عالية، ويلعب كذلك دورا كبيرا في صناعة الأقمار الصناعية والرادارات.

كما أنّ معدن الإيربيوم يعزز الألياف البصرية، ويمكن من حمل كميات فائقة من المعطيات الرقمية ويقوم بتغطية مسافات واسعة بدون الحاجة إلى مضخم إشارات وتكرارها، كما يعمل على تحصين اختراق تبادل الأصوات بين القنوات، ويؤمن ضد أي تدخل خارجي كما يكشف أي عتراض إلكتروني، فيما يصلح معدن الغادولينيوم في تطبيقات التبطين والطلاء الذي يمتص النوترون وفي توجيه الصواريخ، بينما نجد معدن اللوتسيوم يستعمل في تقنيات التقاط الإشارات كالرادارات وأجهزة السونار، كما يصلح الأوروبيوم لمحركات الغواصات النووية المجهزة بالصواريخ الباليستية. وبالتالي نفهم أهمية مختلف الاستعمالات العسكرية للأراضي النادرة، بحيث أن القوات العسكرية التي لا تملك مثل هذه المعدات تصبح صماء وبكماء، إن لم تكن غائبة تماما عما يجري.

45 بالمئة النسبة التي تمتلكها الصين من الاحتياطي العالمي للأراضي النادرة

بوابة المستقبل

تحول موضوع الأراضي النادرة إلى رهان إستراتيجي في الصناعة العسكرية، حيث وضعت هذه المعادن في مصاف الأخطار الكبرى التي يمكن أن تضع قوة الدول الصناعية الكبرى على المحك، فيما بادرت الولايات المتحدة الأميركية في تقريرها الوطني الإستراتيجي حول إنتاج المعادن الحرجة في 2013، باقتراح قانون تطوير مواردها الوطنية، وتوسيع هامش تزويدها بالمواد الأولية في أربعة قطاعات أساسية (الدفاع، الطاقة، الكيمياء والإلكترونيك) بالتركيز على الأراضي النادرة. كما أنّ التقرير الأميركي حول سياسة الموارد المنشور في 6 يونيو 2012، والمعنون بالحالة “المعدنية الحرجة والأمن القومي”، تناول أهمية تأمين تزويد الولايات المتحدة الأميركية بالمواد الأولية الإستراتيجية لصناعتها المدنية والعسكرية، وذلك بالتنسيق بين مختلف المؤسسات والسياسات الحكومية نظرا لأهمية هذه المواد الإستراتيجية سواء من خلال تشكيل مخزون استراتيجي وطني، وتوسيع الاستغلال المنجمي في الأراضي الأميركية أو في البلدان الإستراتيجية القريبة منها، ممّا يعبر عن القلق البالغ المستبد بدوائر صنع القرار في واشنطن.

حيث اتضح جليا بعد الاحتكاك البحري الذي وقع في 7 سبتمبر 2010 بين قارب صيني وخفر السواحل الياباني في الجزر المتصارع عليها “دياويو” شمال تايوان، أنّ الصين هدّدت بعد اعتراض القارب بأنّها ستلجأ إلى التقليص من تصدير الأراضي النادرة الموجهة للصناعة الأميركية واليابانية، حيث منعت تصدير معدني التونغستين والموليبدين نحو اليابان.

وقد دفع ذلك الولايات المتحدة الأميركية واليابان والاتحاد الأوروبي إلى رفع دعوى قضائية ضدها في منظمة التجارة الدولية في 13 مارس 2013، وما لبثت أن أصدرت المحكمة في 7 أغسطس 2014 قرارا يعتبر تلك القيود الصينية منافية لقواعد تجارة المنظمة. وهو ما أجبر الصين على العدول على النسب المقررة في يناير 2015.

وبذلك تظل قضايا توفر موارد الأراضي النادرة والوصول إليها إشكالية عالمية نظرا للطلب المتزايد والمرتفع عليها، خاصة بالنسبة للصناعة العسكرية في مشروع الأمن القومي الأميركي الصادر في عام 2011، وهو ما دعا منظمة الحلف الأطلسي إلى تشكيل فريق عمل سنة 2014 ، أصدر بدوره تقريرا في يناير 2015 يتناول “تداعيات ندرة الأراضي النادرة على نشر الجيل القادم من أنظمة المحركات الكهربائية” في إطار برامج الناتو العلمية والتقنية التي يديرها عبر قيادة قاعدة نورفلوك في فرجينيا، فيما أطلقت الوكالة الأوروبية للدفاع في فبراير 2014 فريق عمل حول “المواد الخام اللازمة للدفاع”.

الأبحاث العلمية حول الأوربيوم ذي الحمولة الذرية رقم 152 تشير بأنه معدن يمكن استخراجه من الفوسفات (كسينوتيم ومونازيت) ومن الكربونات الفلورية في الأراضي النادرة

وقد تكفل هذا الفريق بمعالجة القضايا المتعلقة باستعمال الأراضي النادرة في المجالات العسكرية. وقدم طلب عرض مفتوح حول توضيح الرهانات الاستراتجية للأراضي النادرة للصناعة العسكرية الأوروبية، وهو مرتبط بالتقرير الجديد الذي أصدرته المفوضية الأوروبية في أثينا سنة 2014، والذي تضمن خلاصات أربعة خبراء أميركيين حول بدائل ممكنة للأراضي النادرة في الصناعة، وانتهى إلى أن استعمال الأراضي النادرة في صناعة دقيقة ورفيعة المستوى تؤدي إلى أفق مسدود صناعيا وجيولوجيا.

وعربيا تعدّ موريتانيا البلد الواعد في مجال الأراضي النادرة، حيث تمّ اكتشاف العديد من هذه الأراضي قرب موقع بوناقة الغني بالأوربيوم ومنطقة غيلب زلاجة في وسط غرب البلاد.

وقد قام فريق بحث من ألمانيا بتقدير توقعات الإنتاج في هذه المواقع ودراسة جدواها الاقتصادية، حيث اتضح من النتائج الأولية في أغسطس 2010، بأن موقع بوناقة يتضمن أغلب الأراضي النادرة في موريتانيا، لكن يبقى من المبكر تقديم أرقام نهائية على إجمالي الاحتياطي الذي تتوفر عليه، فيما يحول تهديد تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي على الحدود القيام بمسح جيولوجي واسع لهذه المواقع.

وتشير الأبحاث العلمية حول الأوربيوم ذي الحمولة الذرية رقم 152 بأنه معدن يمكن استخراجه من الفوسفات (كسينوتيم ومونازيت) ومن الكربونات الفلورية في الأراضي النادرة، حيث يباع الغرام بحوالي 50 يورو، وكان يستعمل في عدة فروع صناعية، خاصة في صناعة قوارير التلفزيون الملون، وهو ما يفسر الحرب الخفية التي اندلعت بين أوروبا وأميركا حول من يحتكر صناعة التلفزيون وأنظمته قبل ابتكار التلفزيون الرّقمي، ومن ورائه وقع اكتشاف المنافسة المعلنة سابقا حول موقع بوناقة في موريتانيا الغني بالثوريوم والليتريوم، وكذلك على فوسفاط المغرب، حيث أن السيطرة على هذه الموارد تعد بمثابة بوابة للمستقبل.

باحث جامعي، مركز أنظمة الفكر المعاصر، جامعة السوربون.

6