الأرانب من الحشرات والدجاج من الثدييات

الدجاج أكثر ما يستهلكه التونسيون من لحوم، ولكنه غير محبذ على نطاق واسع، لأسباب عديدة، لعل أهمها الارتباط الشرطي بالفقراء والمعتقدات الشعبية التي تصنّفه على أنه أسوأ أنواع اللحوم.
الأربعاء 2021/06/16
من الأطباق الشهية

لا يروق لأبي لحم الدجاج، ولو كان معدّا بأشهر الوصفات ومضافا إليه أجود النكهات والبهارات، ورغم أنه مصاب بضغط الدم، إلا أن في نفسه شيئا من حب لحم الضأن، ويستاء كثيرا عندما ينصحه طبيبه بعكس ما يعتقد، ويدعوه للعدول عن تناول اللحوم الحمراء نظرا إلى مضارها الصحية، وتعويضها بالسمك والدجاج.

يجد أبي نفسه أحيانا محاصرا بالطبيب الذي لا يكفّ عن إلقاء نصائحه مع كل كشف يظهر أن ضغطه غير مستقر، وأمي التي تريد أن تُلزمه بالإرشادات الطبيّة عنوة، فلا تطبخ له غير أطباق قوامها لحم الدجاج والأرانب، بعد أن تُلقي عليه يوميا وابلا من النصائح واللوم، إذا عبّر عن رغبته في طبق من الذي يشتهيه قلبه.

والدي واحد من الملايين من التونسيين الذين ينفرون في الغالب من الدجاج، وقد يقبلون عليه في بعض المناسبات التي ارتبطت في المخيال الشعبي بأكلات بعينها، لكن معظمهم يجمعون على أن “دجاج الماكينة أو دجاج الحاكم أو الدجاج الشايط (رائحته كريهة)..” كما يطلقون عليه من نعوت معيبة، مكروه، وسواء ارتفع سعره أو رخص فسمعته السيئة ستبقى ثابتة لا تتغير.

الدجاج أكثر ما يستهلكه التونسيون من لحوم، ولكنه غير محبذ على نطاق واسع، لأسباب عديدة، لعل أهمها الارتباط الشرطي بالفقراء والمعتقدات الشعبية التي تصنّفه على أنه أسوأ أنواع اللحوم.

قبل عدة أشهر وضعني مقطع فيديو لرجل دين عراقي تم تداوله على نطاق واسع في مواقع التواصل الاجتماعي على تماس مع ثقافتين غذائيتين، التونسية والعراقية.

الملفت في الأمر، أن رجل الدين صنّف الأرنب على أنها نوع من الحشرات، وأصر على أن أكلها حرام في حرام، رغم أن الأطباق الشهيرة المعدة من لحم الأرنب كانت وما زالت أكثر تفضيلا من أطباق الدجاج في المجتمع التونسي، بل من الولائم التي يعد إعدادها للضيف دليل محبة وكرم.

ذكّرني رجل الدين بالمقولة الشهيرة للإمام علي بن أبي طالب “ما جادلت جاهلا إلا وغلبني”، تماما مثلما يفعل الكثير من المدعين الذين يحاولون تضليل الناس وجعلهم يفكرون طوال الوقت بالحلال والحرام وينغصون عليهم عيشهم.

دفعني فضولي ذات يوم عندما كلّمت أمي في الهاتف، لسؤالها عما تطبخ لوجبة الغداء، فأخبرتني أنها تعد طبقا من الأرز بلحم الأرنب، ومن دون أن أدري قهقهت بصوت عالٍ مستحضرة في ذهني رجل الدين وهو ينهر الناس عن أكل لحم الأرنب بدعوى أنه من الحشرات.

سألتني أمي عن سبب ضحكي، فأعلمتها بقصة رجل الدين العراقي، فاستاءت كثيرا مردّدة كلماتها المعتادة عندما تستهجن أمر ما “يزي (كفي عن) من الكذب والبوليتيك (التلفيق)”.

وطلبت مني ألا أخبر أبي بهذا الأمر، حتى لا تصبح عنده الأرانب من الحشرات والدجاج من الثدييات، ويجد مبررا لتناول لحم الضأن المضرّ بصحته.

24