الأرجنتين تحطم أحلام هولندا وتسجل اسمها في نهائي ماراكانا الحلم

الجمعة 2014/07/11
الأرجنتين تكسب الرهان وتنتظر النهائي الحلم

ساو باولو - شهدت مباراة نصف النهائي الثاني بين منتخب التانغو والطواحين الهولندية، إصرارا كبيرا ورغبة من كلا الفريقين في المرور إلى الدور النهائي، فخيم على اللقاء كثرة الحسابات التكتيكية حتى الوصول إلى ضربات الحظ التي أنصفت الأرجنتين لتقابل منتخب ألمانيا في النهائي يوم 13 يوليو الجاري على ملعب ماراكانا.

تحكمت “التفاصيل المملة” في مباراة هولندا والأرجنتين في نصف نهائي مونديال البرازيل 2014 لكرة القدم قبل أن يحسمها ليونيل ميسي ورفاقه بواسطة ركلات الترجيح (4-2) بعد تعادلهما (0-0) في الوقتين الأصلي والإضافي.


حسابات تكتيكية


وكان المدربان الهولندي لويس فان غال والأرجنتيني أليخاندرو سابيلا نجمي المباراة، فقد غاب إشعاع ميسي والهولندي أريين روبن عن النجاعة الهجومية للطرفين.

أقصى درجات الالتزام التكتيكي والدفاعي بشكل خاص شهدتها المباراة لكنها أفقدت متابعيها المتعة الفنية والاستعراضية لحساب الوصول إلى النهائي الألماني، الأحد المقبل، في ريو دي جانيرو، إلى درجة أوحيا أحيانا بتخوف من مواجهة “ناسيونال مانشافت” على ملعب “ماراكانا” الشهير.

وتابع فان غال مفاجآته داخل وخارج أرض الملعب، فبعد تغيير خططه أمام أسبانيا والمكسيك في الدورين الأول والثاني على التوالي، والدفع بحارس بديل (تيم كرول) لركلات الترجيح في ربع النهائي أمام كوستاريكا، زج بلاعب الوسط نايجل دي يونغ أساسيا بعدما أعلن الاتحاد المحلي أنه سيغيب عن النهائيات لإصابته في مباراة المكسيك في الدور ثمن النهائي.

بعد اكتساح ألمانيا للبرازيل 7-1 قبل 24 ساعة وتأهلها إلى النهائي في صدمة تاريخية جديدة للدولة المضيفة، عاش جمهور المستديرة شعورا بالأهداف الغزيرة والمواقف الدراماتيكية.

لكن مواجهة ملعب “كورنثيانز″ جاءت مختلفة للغاية وتحكم الحذر والترقب على امتداد دقائقها التسعين قبل الوقت الإضافي دون أي فرصة حقيقة على مرمى الأرجنتيني سيرخيو روميرو أو الهولندي ياسبر سيليسن. وانتظر ميسي الفرج الهجومي من جهة وروبن من جهة أخرى، لكن فان غال وسابيلا تحكما بخيوط اللعبة التي لولا نصف فرصة روبن في اللحظات الأخيرة من الشوط الثاني لخلت من أي “أدرينالين كروي”.

واستهل فان غال المباراة بخماسي دفاعي تألف من القلعة الحديدية رون فلار والشاب ستيفان دو فري وبرونو مارتينس ايندي وإلى اليمين ديرك كاوت واليسار دالي بليند، فقطع الهواء عن ميسي وغونزالو هيغواين وإيزيكييل لافيتزي.

كان لخطي الوسط دورا أساسيا في ظل العودة المفاجئة لدي يونغ بعد إعلان غيابه عن النهائيات لإصابته في الدور الثاني أمام المكسيك

المشهد كان مماثلا في الطرف الأزرق والأبيض، مع إيزيكييل غاراي والمخضرم مارتن ديميكليس في قلب الدفاع وإلى جانبهما بابلو زاباليتا وماركوس روخو، فلم يسدد روبن فان بيرسي أي مرة على المرمى في الشوطين الأول والثاني.

وكان لخطي الوسط دورا أساسيا في ظل العودة المفاجئة لدي يونغ بعد إعلان غيابه عن النهائيات لإصابته في الدور الثاني أمام المكسيك، فشكل ثنائيا مع جورجينيو فينالدوم بمساعدة دفاعية من ويسلي سنايدر وحتى فان بيرسي.

أما سابيلا، فاعتمد في ظل إصابة إنخل دي ماريا على انزو بيريز أساسيا إلى جانب الجندي المجهول خافيير ماسشيرانو ولوكاس بيليا في وقف المحاولات الهولندية، فكان لافيتزي الأكثر حركة على مدى الشوطين الأولين.

بعد أن خيم التعادل على الشوط الأول، اتخذ فان غال المبادرة، بتبديل جريء إذ أخرج برونو مارتنس ايندي الذي نال بطاقة صفراء في الشوط الأول ودفع بداريل يانمات المبعد في آخر مباراتين، فتمركز الأخير في موقعه الاعتيادي على الجهة اليمنى وانتقل كاوت المتعدد الأدوار إلى الميسرة وغطى بليند موقع مارتنس في قلب الدفاع.


غياب النجاعة


ودفع مدرب مانشستر يونايتد الإنكليزي المقبل بجوردي كلاسي لاعب وسط فينورد الشاب بدلا من دي يونغ العائد من إصابة قوية، فكان دخوله لافتا لأنها المرة الأولى التي منحه فيها المدرب الخبير الفرصة في المونديال الحالي وكان اللاعب الثاني والعشرين من التشكيلة الهولندية الذي يشارك (وحده الحارس الثالث ميشال فورم لم يدفع به فان غال). وحاول سابيلا امتصاص الصدمة الـ”فان غالية” لكنه لم يرضخ وتشتت رغم أنه قفز مرارا على خط الملعب ليعيد تمركز تشكيلته في وجه التبديلين المباغتين.

وانتظر مساعد دانيال باساريلا السابق حتى الدقيقة 80 فرد بتبديلين مزدوجين على فان غال مع دخول سيرجيو أغويرو العائد بدوره من إصابة ورودريغيو بالاسيو بدلا من هيغواين وبيريز، فأصبح لديه عمليا أربعة مهاجمين على أرض الملعب.

روبن ونظرة بطعم خيبة المرور لنهائي ماراكانا

وبقيت المباراة متقاربة المستوى دون فرص حتى اللحظات الأخيرة، حيث كادت هولندا وبـ”تفصيل” صغير من كرة بالكعب لسنايدر انفرد روبن على إثرها وكاد يسجل الهدف القاتل لولا العودة الرائعة لماسشيرانو وإنقاذ الموقف على بعد أمتار قليلة من مرمى روميرو.

وخلال الوقت الإضافي، بقيت علمية شد الحبال مستمرة بين فان غال وسابيلا، فأراح الأول فان بيرسي غير الموفق لمباراة جديدة لمصلحة كلاس يان هونتيلار، وأفسد توقعات إدخال الحارس البديل تيم كرول مرة جديدة للوقوف بين الخشبات الثلاث في ركلات ترجيحية محتملة، فرد عليه سابيلا بتنشيط الوسط مع المخضرم ماكسي رودريغز بدلا من لافيتزي الذي قدم مباراة جيدة.

وارتفعت حدة الإثارة المفقودة في الدقائق التسعين في الشوط الإضافي الأول، فسدد روبن على المرمى لأول مرة في الدقيقة 99، رد عليها “البي سيليستي” في نهاية الفترة الأولى من التمديد، لكن التكافؤ واللعب على التفاصيل بقي سيد الموقف. وقال روبن بعد اللقاء عن الفرصة التي سنحت له في الدقائق الأخيرة، “إنها مؤلمة لكننا فرطنا في المباراة والخروج بهذه الطريقة أمر كئيب”. وأضاف،”لا أصدق ما جرى. إنه أمر صعب لكن هذا هو الحال في الرياضة”. ولم يرغب الطرفان في الوصول إلى ركلات الحظ فازدادت خطورة المحاولات خصوصا لدى الأرجنتين بمحاولتين لبالاسيو ورودريغز، لكن ركلات الحظ أنهت مباراة “التفاصيل المملة” وأوصلت الأرجنتين إلى نهائي “ماراكانا” الحلم.

“نحن لم نخسر أمام الأرجنتين”، هذا ما قاله فان غال الذي يتنافس غدا السبت أمام البرازيل المضيفة على المركز الثالث، في مباراته الأخيرة مع هولندا قبل الانتقال إلى مانشستر يونايتد الإنكليزي، مضيفا “لكن ركلات الترجيح هي دائما مسألة حظ. بالطبع أنا علمت روميرو كيف يصد ركلات الترجيح!”.


ميسي ونادي الأساطير


يحتاج ليونيل ميسي إلى خطوة واحدة لتثبيت نفسه في نادي العظماء بعد قيادته الأرجنتين إلى فوز بشق الأنفس على هولندا 4-2 بركلات الترجيح بعد تعادلهما دون أهداف والتأهل إلى نهائي مونديال البرازيل 2014 لكرة القدم.

هطلت الألقاب على ابن السابعة والعشرين عاما، إشادات وجوائز فردية لا تعد ولا تحصى في السنوات الماضية إثر تألقه مع برشلونة الأسباني، لكن ميسي الملقب بـ”البرغوث” ينقصه ترك بصمة دامغة في كأس العالم لينضم إلى الأسطورة البرازيلية بيليه بطل 1958 و1962 و1970 ومواطنه المشاغب دييغو مارادونا بطل 1986.

استهل ميسي مشواره في المونديال الحالي بهدف الفوز على البوسنة والهرسك، وفي مواجهة إيران أطلق كرة رائعة في الوقت بدل الضائع (90+1) وضعت “البي سيليستي” في الدور الثاني، قبل أن يضرب نيجيريا بثنائية (3-2) رفعت رصيده إلى أربعة أهداف. وفي الدور الثاني أمام سويسرا رغم تقديم الأرجنتين لأداء مخيب للآمال، بالنسبة إلى فريق يعتبر من أقوى المرشحين لإحراز اللقب للمرة الثالثة في تاريخه، لعب ميسي دور المحرك مجددا فنال جائزة أفضل لاعب في المباراة (للمرة الرابعة على التوالي) بعد تمريره الكرة الحاسمة لأنخل دي ماريا في الدقيقة 118 إثر مجهود فردي رائع.

وفي دور الثمانية للمونديال، قدم المطلوب منه في مباراة سيطرت عليها الواقعية أمام بلجيكا وحسمها لاعبو المدرب أليخاندرو سابيلا بهدف جونزالو هيجواين.

وفي مباراة دور الأربعة التي لمس فيها الكرة 68 مرة لكن أيا منها لم تكن داخل منطقة الجزاء بسبب الطابع الدفاعي الذي طغى على المواجهة، لكن في الامتحان الوحيد الذي واجهه نجح بترجمة ركلة ترجيح في المرمى الهولندي كانت الأولى لبلاده في حصة ركلات “الحظ” فأراح أعصاب زملائه خصوصاً أن هولندا أضاعت ركلتها الأولى.

برغم مشاركته في تشكيلة الأرجنتين الذهبية في أولمبياد بكين 2008، إلا أن النجاح في كوبا أميركا وكأس العالم لم يحالف ابن روزاريو.

ميسي ينقصه ترك بصمة دامغة في كأس العالم لينضم إلى الأسطورة بيليه ومواطنه مارادونا

حيث لا يمكن لأي عاقل أن يشكك في نوعية، قدرة وبراعة ميسي، بعد تحليقه ببرشلونة إلى ألقاب الدوري المحلي، دوري أبطال أوروبا وتتويجه أفضل لاعب في العالم أربع مرات متتالية بين 2009 و2012، لكن نجمة المونديال تبقى الأغلى من بين نواقص خزانة ميسي المدججة.

اللافت أن ميسي شارك مرتين في المونديال حتى الآن رغم صغر سنه، في الأولى لم يحصل على فرصة حقيقية إذ كان بديلا في 2006 وسجل مرة في شباك صربيا ومونتينيغرو، وفي الثانية خرج مع زملائه بطريقة صادمة أمام ألمانيا تحت إشراف مارادونا بالذات دون أن يسجل أي هدف، لكن برباعيته حتى الآن في البرازيل ترك بصمة بين أفضل لاعبي البطولة الكولومبي جيمس رودريغز والألمانيين توني كروس وتوماس مولر والهولندي ارين روبن.


أرقام مارادونا


حطم نجم هجوم برشلونة ومنتخب الأرجنتين ليونيل ميسي رقم مواطنه أسطورة كرة القدم دييغو مارادونا، بعدما خاض مباراته الـ92 الدولية مع التانغو خلال مواجهة هولندا في إطار منافسات المربع الذهبي لمونديال البرازيل في ملعب كورينثيانز.

ورفع ميسي رصيد مبارياته الدولية مع منتخب الأرجنتين إلى 92 مباراة دولية متفوقا على دييغو مارادونا صاحب الـ91 مباراة مع كتيبة التانغو، ليواصل نجم برشلونة تحطيم الأرقام القياسية في عالم الساحرة المستديرة.

حصل ميسي على كل الأسلحة، وأهمها الدعم المطلق من المدرب سابيلا الذي صنع فريقا على مقاسه، وأبعد كارلوس تيفيز من أجل خلق فريق متوازن يعمل على دقات قلب ميسي. في قلوب الأرجنتينيين، لا يزال مارادونا الأعظم في التاريخ، خصوصا لأنهم لم ينجحوا برؤية ميسي في ملاعبهم، إذ رحل بعمر الثالثة عشرة إلى برشلونة، ولأنه لم يجلب لهم اللقب العالمي في ظل منافسة شرسة بينهم وبين الجار البرازيلي، بالإضافة إلى حرارة مارادونا صاحب الكاريزما والجانب الشرس من اللعبة.

لم يكرر ميسي مؤخرا المستوى الذي منحه الكرة الذهبية لأربع سنوات متتالية، فوقع فريسة الإصابات في الأشهر الـ12 الأخيرة، وسقط مع والده ووكيل أعماله في فخ التهرب من دفع ضرائب بالملايين للسلطات الأسبانية. بعمر التاسعة بدأت مواهبه تتفتح تزامنا مع ظهور نقص في هورمونات نموه، وهي مشكلة كادت تحرمه أن يصبح لاعبا كبيرا على حد قول طبيب الغدد دييغو شفارستاين، “الأطفال يريدون أن يصبحوا أكبر حجما من أجل المظهر والفتيات، لكنه أراد ذلك من أجل كرة القدم”.

وصف له علاج مرتفع الثمن بكلفة ألف يورو شهريا يعوض النقص ويعطي نتائج سريعة، لكن في ظل أزمة اقتصادية وفقدان والده العامل بالمعادن لوظيفته وبالتالي خسارة التأمين الذي يؤمن لطفله الأدوية، عولت عائلة ميسي على إنقاذ نادي برشلونة لها من ورطتها فنقلها إلى أسبانيا ورعى الطفل الموهوب تحت جناحيه ليصبح أفضل لاعب في العالم وربما في التاريخ.

وقال ميسي إن هدفه الأساسي هذا الموسم هو كأس العالم، ما أثار حفيظة مشجعي برشلونة الذين اعتبروا بعد موسمه السيئ إنه خبأ ما يملكه حتى مونديال البرازيل، لكن إذا وفى بوعده أمام ألمانيا سيدخل نادي العظماء ويعود بطلا متوجا يفتخر به برشلونة.
21