الأردنية غادة دحدلة تشكّل من عمارة مخيمات اللجوء وطنها المفقود

تشكيلية تستلهم أطر لوحاتها من شكل النوافذ والأبواب المنتشرة في العمارة بمخيّمات اللجوء.
الأربعاء 2021/09/29
أيقونات حضارية ترمز للسلام والسكينة

عبر ثلاثين عاما من عملها كفنانة ظلت أبواب مخيمات اللاجئين الفلسطينيين ونوافذها تشكّل مصدر الإلهام والعاطفة لدى التشكيلية الأردنية غادة دحدلة، مُستندة في ذلك على تشكيلة من الرموز والأنماط الشرقية المستخدمة في التطريز والسجاد والحرف الأخرى المعروفة في المنطقة.

عمان - تستوحي التشكيلية الأردنية غادة دحدلة الأطر التي ترسمها في لوحاتها من شكل النوافذ والأبواب المنتشرة في العمارة في مخيّمات اللجوء، وتسكب داخل هذه الأطر ألوانها التي تتّسم بالقوة والحدة واعتماد الأنماط الزخرفية الشرقية والرموز ذات الدلالات، إلى جانب استلهامها خطوط الكوفية الفلسطينية المتعرّجة وذات الحياكة التربيعيّة والتي أصبحت رمزا أيقونيا لحضارة فلسطين وتأكيدا للنضال والهوية والمقاومة. وقد جاءت لوحاتها تلك ذات ألوان مبهجة من الأخضر والأزرق والأبيض، الأمر الذي يمنح المُشاهد إحساسا بالسكينة والسلام. وعن هذا النمط، تقول دحدلة "يستحق أن يبقى مرفوعا ومطبوعا في عقولنا وقلوبنا إلى الأبد".

ومن خلال تقاطع نمط الكوفية مع التشكيلات التربيعيّة ضمن طيف واسع من الألوان، وإدخال خطوط خلفية غامضة تذكّرنا بقصص قراءة فناجين القهوة في الذاكرة الشعبية، لتخلق الفنانة عبرها عوالم صغيرة ثقافية واجتماعية، تستثير فيها عناصر جمالية وإيجابية في فن العمارة العفوية وطبقات الألوان الزاهية والمواد المتقاطعة في مشهد المخيّم. كما أن استخدامها للألوان الزيتية يفتح المجال أمام انتقال سلس لهذه التشكيلات المتقاطعة كي تعطي تأثيرا شفّافا ومشرقا.

وتنفّذ دحدلة تكويناتها التشكيلية ضمن بنائية قابلة لاستقبال المساحات المربّعة والمستطيلة، بما يستعيد شكل النافذة ويفيض عليه، مقدّمة صياغتها باقتدار العارفة لطبيعة العلاقات بين وحدات العمل الفني والمساحات اللونية ودرجات الهارموني. ويتّضح من خلال هذه المربعات قوة الأداء والتعبير وحسّ عميق بالتوازن.

أيقونات حضارية ترمز للسلام والسكينة
أيقونات حضارية ترمز للسلام والسكينة

وترتبط أشكال الفنانة بحوار وتفاعل مستمرين مع السطح التصويري، وقد ساعدها في ذلك ما تملكه من تقنيات ومهارات عالية في أكثر من خامة وأسلوب مثل الدمج بين الرسم والغرافيك والطباعة وتصنيع الورق يدويّا.

كما تعتمد أعمال الفنانة الأردنية على الطبقات اللونية مع استخدام مواد تذكّر بطبيعة الحياة والعيش في المخيّمات، فهناك قد تُعَلّق على الجدران ستائر متعدّدة الألوان أو قطع ملابس أو أقمشة، ومن خلال تلك التدرجات اللونية والتوازن البصري تحقّق دحدلة قوة في التأثير في وجدان المشاهد واستثارة مشاعره.

وتعتمد الفنانة في الغالب على الأسلوب الفني التجريدي، وهي تحاول في ذلك تقديم قراءة بصرية لما يختفي خلف تلك النوافذ والأبواب وكأنها بوتقات خارجية يمكن من خلالها التكهّن بما تحتويه من إشارات وقراءات وتأويلات للحكايات المتعدّدة، فتلك الحكايات ذات طابع إنساني عميق لأنها ترتبط بذاكرة دحدلة نفسها عن وطنها المفقود وبحثها عمّا يصِلها به حتى لو اندمج الواقعي بالمتخيّل خلال ذلك.

غادة دحدلة: الرسم مناسبة للانفتاح على الآخر المختلف دون السعي لاستدرار شفقته
غادة دحدلة: الرسم مناسبة للانفتاح على الآخر المختلف دون السعي لاستدرار شفقته

وتستخدم الفنانة في إحدى لوحاتها الألوان القوية وخاصة اللون الأحمر، لتقدّم لوحة فيها قطع لونية متنوّعة وموصولة بعضها ببعض كما لو أنها طُرّزت يدويّا، حيث تُبرز باللون الأبيض مواقع الغُرَز أو القُطب، وهي تظهر غير منتظمة أو مرتّبة بالصورة المُثلى، مع توشيحات بالأزرق الذي يبدو كماء أو كسائل سُكب فوق تلك الأقمشة.

وفي لوحات أخرى جاءت الألوان قاتمة ومعتمة، ولم تحافظ القطع على شكلها الذي يُقارب المربّع، وهي تمنح إحساسا قويا عبر تلك التشكيلات الهندسية من المثلث والمستطيل والطبقات التي تتراكم فوق بعضها بعضا مذكّرة بآلية عمل الذاكرة.

وفي لوحة أخرى، عمدت دحدلة إلى الخلفية الزرقاء الباردة المستوحاة من طلاء أبواب البيوت القديمة، وفي منتصف اللوحة فضاءات لونية تُقارب شكل قفل المفتاح القديم، وقد اعتمدت فيها على البنّي وتدرجاته لتُظهر مواضع من الصدأ أو القدم، وأحيانا لتُظهر مادة الباب الأساسية المكوّنة من الخشب.

وتبدو الفنانة في لوحاتها كأنها تتتبّع تفاصيل الأبواب والشبابيك، وهي تلتقط تلك التفاصيل الصغيرة على القماشة، كما لو أنها تضعها تحت مجهر عدسة مكبّرة لتجعل الرؤية أوضح ويُمكن القول إنّ الشبابيك والنوافذ وما يتّصل بها، موضوعات محوريّة في لوحات دحدلة التي تبرز فيها الرموز والإشارات اللونية محيلة إلى مفهوم المربّع والمستطيل والتحوّلات البصرية المرتبطة بهما.

وولدت غادة دحدلة في عمّان عام 1963 ودرست الفن في تورنتو بكندا. بدءا من عام 1984 وهو تاريخ أول معرض شخصي أقامته في عمّان دأبت على إقامة معارض شخصية ما بين عمّان وتورنتو إضافة إلى مشاركتها في معارض جماعية في مدن عالمية مختلفة خاصة بأوروبا والشرق الأقصى.

ودحدلة التي فازت بالعديد من الجوائز داخل كندا حرصت منذ البدء على أن تهب موضوعها المحلي طابعا إنسانيا تتخطّى من خلاله الحكاية الشخصية، وهي في ذلك تقول “رأيت في الرسم مناسبة للانفتاح على الآخر المختلف من غير أن أسعى لاستدرار شفقته، لذلك استبعدتُ كل ما يحيط بالوحدات الجمالية التي استعرتها من ماضيّ الشخصي كل ما يمتّ للعاطفة بصلة”، فصارت ترسم بقوة المخيلة التي تعلو بتلك الوحدات على مرجعيتها المباشرة.

دمج بين الرسم والغرافيك والطباعة
دمج بين الرسم والغرافيك والطباعة

16