الأردن في اختبار صعب: إرضاء المطالب الاحتجاجية أم الجهات الدولية

تحوّل الشعارات المطلبية إلى شعارات سياسية بهدف المزيد من الضغط على السلطات لتغيير سياسات عمان قد يؤدي إلى خلافات مع الجهات المانحة التي تقدّم مساعدات خارجية للأردن.
الاثنين 2018/12/10
إرضاء الداخل والخارج معادلة صعبة

تزامنا مع ارتفاع وتيرة الاحتجاجات الاجتماعية في الأردن والمطالبة بوجوب إقرار إصلاحات اقتصادية واجتماعية رافقت موجة احتجاجات عمّت البلاد في الصيف الماضي رفضا لإقرار قانون ضريبة على الدخل، تجد المملكة الأردنية نفسها في معادلة صعبة خاصّة مع تنامي معارضة القوميين المدججين بشعارات مفادها أن سياسة البلاد تصب في مصلحة الجهات المانحة الرئيسية لا في مصلحة الأردن. كل هذه الضغوط قد تزيد وفق العديد من المراقبين في تعقيد  وضع الأردن المعتمد منذ عقود على مساعدات خارجية مأتاها الأساسي الولايات المتحدة وأوروبا ودول الخليج العربي.

عمان- رجع المئات من المتظاهرين في الأردن مؤخرا للاحتجاج على إقرار تعديلات على قانون ضريبة الدخل، وطالبوا بإصلاحات اقتصادية وسياسية. وعاد الغليان الشعبي في المملكة الأردنية، لكن يبدو أن الاحتجاجات أصبحت حاملة لتوجهين أساسيين، أولهما اقتصادي واجتماعي بحت هدفه تغيير السياسات الاقتصادية، أما التوجّه الثاني فهو سياسي بامتياز خاصة مع تصاعد ضغوط القوميين الداعين إلى تعديل سياسات المملكة خارجيا.

ويحذر خبراء من عودة الاحتجاجات بأكثر حدة خاصة عقب إقرار مجلس النواب الأردني في شهر نوفمبر الماضي زيادة في المساهمات الضريبية على الأفراد والشركات، وذلك بعد إدخال تعديلات على قانون الضريبة على الدخل.

ويرى مراقبون أن تحوّل الشعارات المطلبية إلى شعارات سياسية بهدف المزيد من الضغط على السلطات الأردنية  لتغيير سياسات عمان قد يؤدي إلى خلافات مع الجهات المانحة التي تقدّم مساعدات خارجية للأردن.

معادلة صعبة يعيش على وقعها الأردن الذي وجد نفسه بين مطبي المطالب المحلية من جهة والمطالب الخارجية من جهة أخرى، علّق عليها تقرير أعده مركز “ستراتفور” الأميركي للدراسات الاستخباراتية والجيوسياسية بتأكيده أن الاحتجاجات في الأردن بدأت تكتسب زخما كبيرا، وهي تطالب بتغييرات في سياسات عمان، قد تؤدي إلى خلافات مع كبار المانحين الدوليين.

وتواجه البلاد معارضة من القوميين الذين يعارضون سياسات الحكومة التي تتبنى من وجهة نظرهم خططا يعتقدون أنها تأتي في مصلحة المانحين الرئيسيين وليس في مصلحة الأردن نفسه.

ونجح القوميون في دفع الاردن إلى الإعلان أنه سينسحب من جزء من معاهدة السلام التي أبرمها عام 1994 مع إسرائيل والتي من المقرر إعادة التفاوض فيها عام 2019. ويتعلق هذا الجزء من المعاهدة بموافقة الأردن على السماح لإسرائيل بالانتفاع خارج الحدود الإقليمية بالمزارع الصغيرة في وادي نهر الأردن في باقورا وغمر.

ولا يزال التزام العاهل الأردني الملك عبد الله الثاني  بمعاهدة السلام ثابتاً، لذا لم يؤد قراره إلى حدوث أزمة دبلوماسية مع إسرائيل وفي نفس الوقت لم يظهر وكأنه يدفع الأمور من أجل إنقاذ المعاهدة.

يذكر أن احتجاجات الصيف في الأردن دفعت إلى حدوث تحولات جدية تشير إلى رغبة السلطة في إرضاء مواطنيها. لكن هذا الموقف يخاطر -وفق موقع “ستراتفور”- بالتسبب في مواجهة بين النظام الملكي الأردني والحلفاء الدوليين.

بعدما اتحد القوميون المعارضون الأردنيون والمتظاهرون ضد السياسات الاقتصادية خلال ثورات الربيع العربي، في جبهة واحدة، ركز الجانبان مؤخرا على بعض القضايا المحددة؛ حيث أجبرت الاحتجاجات القومية عمان على طرد السفير الإسرائيلي بعد أن قتل حارس من السفارة الإسرائيلية رجلين أردنيين في يوليو 2017. من ناحية أخرى دفعت الاحتجاجات التي نظمها الأردنيون بالاقتصاد إلى حافة الانهيار لفترة وجيزة في يونيو، مما أجبر الحكومة على إلغاء مشروع قانون ضريبة الدخل.

وتفتقر التيارات الاحتجاجية إلى التنظيم، لكن شوكتها تزداد بزيادة عدد القضايا التي تظهر باستمرار في ظل تدهور الاقتصاد الأردني، حيث تشرع الحكومة في بذل جهود جادة للحفاظ على الاستقرار، بما في ذلك التواصل مع صندوق النقد الدولي.

وفي المستقبل القريب، سيوفر قانون ضريبي جديد معتمد جزئياً والخطة الأميركية لعقد السلام الفلسطيني المزيد من الفرص أمام المتظاهرين للمزيد من الاحتجاج  ضد الحكومة.

ويؤكد تقرير “ستراتفور” أنّ من سوء حظ الأردن أنْ تثير المطالب الحالية للقوميين والأردنيين المتضررين اقتصادياً فزعَ رعاةِ البلاد من الأجانب، الذين يعتبر وجودهم ضرورياً للحفاظ على استقرار البلاد. نظراً إلى التحديات الديموغرافية التي تواجه الأردن وقلة موارده، فإن استقراره يبقى مهددا، وهذا الاستقرار راجع أساسا إلى أن القوى الرئيسية -بما في ذلك إسرائيل والسعودية والولايات المتحدة وأوروبا- ترى فائدة في الحفاظ على اقتصاد المملكة.

وقد ظهرت هذه الديناميكية في يونيو 2018، عندما عرضت السعودية والإمارات وقطر مجتمعة 1.25 مليار دولار في شكل قروض ومساعدات لمساعدة الحكومة الأردنية المتوترة. وأظهر عدم رد الفعل الإسرائيلي على قرار الملك عبدالله الثاني المتعلق بمعاهدة السلام عام 1994 اهتمام إسرائيل المستمر بالحفاظ على الاستقرار هناك.

وبينما يستمر المتظاهرون في الاحتجاج على سياسات بلدهم، فإن السؤال الآن هو عما إذا كان لهم تأثير على تصرفات المجتمع الدولي، لا سيما أن السياسة القومية، في الماضي، دفعت الأردن إلى تبني سياسات أضرت بأمنه. وقد اغتيل الملك عبدالله الأول على يد قومي فلسطيني في عام 1951 لمجرد تفكيره في إبرام معاهدة سلام مع إسرائيل.

الضغط القومي سيشجع الأردن على معارضة خطة الولايات المتحدة، لكن المانحين الرئيسيين للأردن أظهروا رغبتهم في حجب المعونة لأسباب سياسية، مثلما حدث عندما أخرت كل من السعودية والإمارات تجديد حزمة مساعدات انتهت في عام 2017

وبعد ذلك خاض خليفته الملك حسين حرب 1967 مع إسرائيل التي كلفت الأردن بعض أراضيه في الضفة الغربية. علاوة على ذلك، فإن رغبة الملك حسين في استرضاء سكان بلاده من الفلسطينيين جعلته واحداً من القادة العرب الوحيدين الذين دعموا صدام حسين خلال حرب الخليج. ما أدى هذا إلى تقلص العلاقات الأردنية مع دول الخليج إلى أدنى مستوياتها، ما دفع الأردن إلى الاقتراب من الولايات المتحدة بتوقيع معاهدة 1994 مع إسرائيل، الحليف الرئيسي لأميركا. و يهدد القوميون بتحديالسلطات الاردنية  بسبب خطة السلام الأميركية الخاصة بفلسطين. وحتى الآن، لا تتوفر سوى تفاصيل قليلة حول الخطة، التي لا تحظى بشعبية كبيرة مع حركة “فتح” الفلسطينية، لكن أنباء تشير إلى أنها لن تُهدّئ من خوف الشعب الفلسطيني من التشريد، ولن تمنحه الحق المرغوب فيه بشدة والمتمثل في حق العودة.

وقد عزز قرار الولايات المتحدة نقل سفارتها إلى القدس مخاوف الفلسطينيين، وتشير التحركات الأخيرة بمعاملة غزة والضفة الغربية ككيانات منفصلة إلى أن واشنطن مستعدة لإقصاء حركة فتح من عملية السلام بالكامل.

وسيشجع الضغط القومي الأردن على معارضة خطة الولايات المتحدة، لكن المانحين الرئيسيين للأردن أظهروا رغبتهم في حجب المعونة لأسباب سياسية، مثلما حدث عندما أخرت كل من السعودية والإمارات تجديد حزمة مساعدات انتهت في عام 2017. ولم يبادروا بمساعدة الأردن إلا بعد وصول موجات الاحتجاجات الرئيسية في يونيو 2018 إلى نقطة الأزمة.

تعمل حركات الاحتجاج في الأردن وكذلك حاجة المملكة إلى المساعدات الخارجية على تشتيت قيادتها في اتجاهات مختلفة. وفي ظل وجود عدد قليل من الخيارات ، ستصبح الحكومة أكثر اعتمادًا على سياسات الدول الأجنبية، وهو ما سيسبب مشكلة حادة. ويمكن للولايات المتحدة أن تستغل وعد المعونة لدفع عمان نحو دعم خطة السلام الفلسطينية، التي من شبه المؤكد أنها لن تحظى بقبول في الأردن. وبالنظر إلى أن المساعدات الأمنية الأميركية حاسمة وهامة بالنسبة للقوات المسلحة الأردنية، فإن قطع العلاقات بشكل نهائي أمر غير محتمل إطلاقا.

لكن الولايات المتحدة يمكن أن تختار أن تعرب عن قلقها بشأن دعمها للملك الأردني من خلال إطلاق التصريحات والتهديدات، مما قد يعرض الملك عبدالله الثاني لمواجهة حركة احتجاج قومية أكثر شدة.

كما يمكن لإسرائيل أيضاً أن تلهب المشاعر القومية في الأردن، من خلال شن حرب أخرى في غزة، أو دعم خطة السلام الفلسطينية التي تقودها الولايات المتحدة، أو حتى تدبير حادثة أخرى مشابهة لحادثة إطلاق النار في السفارة مما سيؤدي إلى تدهور وضع الأردن.

ويخلص التقرير الأميركي إلى أنه لا أحد من حلفاء الأردن يريد أن يزعزع استقرار المملكة بشكل كبير أو يقوض حاكمها، لكنهم أظهروا أنهم يمكن أن يتصرفوا بطرق تفتح الباب أمام الاضطرابات إذا فكرت المملكة الأردنية في تجاهل مصالحهم من أجل تهدئة جماعات الاحتجاج.

وقد أصبح الأردنيون في الداخل غير راضين عن اقتصاد بلدهم وعلاقته مع إسرائيل، ودعّمت وقفاتهم الاحتجاجية نفوذهم على سياسة الحكومة. لكن هذا الحزم سيخلق مصادمات مع مصالح المانحين الخارجيين الذين يعتمد عليهم الأردن، لا سيما أنه لا يملك الموارد اللازمة للقيام والوقوف على قدميه بمفرده.

6