الأردن والخط الأحمر: من الوطن البديل إلى الوطن الكونفيدرالي

الموتورون في الإدارة الأميركية، يحاولون تزوير الحل وتزوير صيغة الكونفيدرالية نفسها، وتحميل الأردن مصائب الوضع الفلسطيني، وهذا الذي جعل العاهل الأردني يستخدم تعبير الخط الأحمر، الذي يُستخدم في حالات الخطر المحقق.
الجمعة 2018/09/07
خط أحمر يُستخدم في حالات الخطر المحقق

لم يتأخر العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني، في الرد على ما أدلى به مسؤولون أميركيون من إدارة الرئيس دونالد ترامب، حول كونفيدرالية أردنية فلسطينية تقوم عليها صيغة التسوية التي لطالما سعى إليها “الليكود” الإسرائيلي منذ عام 1977، في سياق حديثه عن “الوطن البديل”.

ومعلوم أن إدارة ترامب في كل مقارباتها لتسوية النزاع وسعيها إلى حل للقضية الفلسطينية، حاولت أن تبدأ من حيث بدأت الإدارات السابقة وليس من حيث انتهت إليه. أدارت ظهرها لإرث وزارة الخارجية الأميركية وللمعطيات المتوفرة لدى مؤسسات الدولة، واعتمدت الإملاء والاستعلاء مع تجاهل حساسيات قائمة ومسائل محسومة ومخاوف خلقتها التجارب والأوضاع الاجتماعية الاقتصادية لشعوب غربي آسيا والشرق الأوسط.

في رده السريع، اختار عاهل الأردن أن يخاطب شعبه من خلال المنظمة النقابية للمتقاعدين العسكريين، في لقاء مع عدد من منتسبيها. وهذه نفسها هي الإطار الذي سُمعت منه وفي إطاره، مشافهة وفي بيانات منشورة؛ أشد عبارات الرفض حدة في التبرم من نفوذ العنصر الفلسطيني في الأردن.

فقد أعلن الملك الأردني موقفه على قاعدة الحسم التام، لموقف “المتقاعدين العسكريين” الرافض للاستزادة من العنصر الفلسطيني، بأي صيغة يمكن طرحها في مقترحات حل القضية الفلسطينية.

وكان لموقف “المتقاعدين العسكريين” وبعض رؤساء العشائر، انعكاساته في السياسات والتدابير الحكومية، التي ضيّقت على الأردنيين من أصول فلسطينية مسارب الالتحاق بوظائف الدولة، وكان ذلك بمنطق السبب الرئيس، وهو حرص أبناء العشائر الأردنية من ذوي النزعة الجهوية، على أن يبقى عنصر الثروة والنفوذ لصالحهم. الأول بحكم شُحّ الموارد والفرص، والثاني بحكم حاجة العشائر الأردنية إلى الاطمئنان على أن خطط الدولة وسياقات التنمية سوف تظل في الوجهة التي تلبي حاجات “الشرق أردنيين” وأجيالهم حصراً. ومن نافل القول، أن النزعة على هذا الصعيد، غير ذات أسباب دينية أو مذهبية أو ذات علاقة بالانتماء.

فالأجيال الأردنية من الأصل الفلسطيني، عاشت عقودا ضمن منظومة الحقوق والواجبات، لكن المتشددين من المكون العشائري حرصوا على استحضار لحظات قصيرة من التاريخ، شهدت صدامات أثناء وجود الفصائل الفلسطينية، وكان من بين مفارقاتها وجود يساريين من المكون الشرق أردني نفسه في قيادات الفصائل.

وخلال ربع القرن الماضي، أو بعد إعلان الأردن من جانب واحد، قرار “فك ارتباط” الضفة الغربية، إداريا وقانونيا، مع المملكة الأردنية الهاشمية (31 يوليو 1988)، ومع بدء سنوات الألفية الثالثة، اقتسم المكونان الشرق أردني أصلا والأردني من أصل فلسطيني، المشهد الاقتصادي، حتى بات الثاني يسيطر على القطاع الخاص ولا نصيب له من وظائف الدولة، بينما الأول يتوسع في قطاع الدولة وفي الوظائف المدنية والعسكرية!

تجدر الإشارة هنا، قبل الانتقال إلى أسباب الرد الأردني العاجل لمقترح الكونفيدرالية، إلى أن السنوات الماضية، شهدت بعض التدابير المخففة لآليات التطبيق لقرار فك الارتباط، وانعكست هذه التدابير على الموقف الشرق أردني المتشدد، فزادته حدة، لا سيما في عهد الملك عبدالله الذي تصادف أن قرينته من أصل فلسطيني، فسُمعت في ثنايا الشرائح الشبابية، للمرة الأولى، عبارات المساس بخصوصية ملك البلاد وبتقاليد التعاطي في شأنه باحترام، وتناول سياساته بالنقد المشبع بألفاظ لم يعتدها الأردنيون، علما بأن مجتمع العشائر، لم يفعل ذلك عندما كانت قرينة الملك إنكليزية.

كل هذا جرى على صعيد الأردن. أما على صعيد الضفة الفلسطينية، وحيثما يلتهم الاحتلال الأرض ويتوسع في الاستيطان ويمضي في زرع المستجلبين من اليهود المتطرفين القادمين من خارج المنطقة والقارة؛ فإن السياسة التي اعتمدها تحالف حزب “الليكود” المتطرف، منذ أكثر من نصف قرن، ظلت تدعو لأن يكون شرقي الأردن، هو وطن الفلسطينيين البديل.

وكانت حكومة حزب العمل، التي تسلمت الحكم خلال الفترة القصيرة التي تراجع في فيها “الليكود” قد أبرمت اتفاق تسوية مع الأردن، عُرف باسم “معاهدة وادي عربة” (26 أكتوبر 1994). وكأن سياق حكم “الليكود” انقطع لكي تترسخ حقيقة هذه المعاهدة وتطبق ويحترمها طرفاها بضمانات أميركية، فيعجز “الليكود” عن تنفيذ خطته وطرد سكان الضفة الغربية إلى الضفة الشرقية، أو جعل الأولى منطقة طاردة لسكانها، لكي يستكمل المشروع الاستيطاني حلقاته.

اليوم تكمن معضلة الحل في الضفة، في مسألة ظفر الفلسطينيين بحقهم في بسط سيادة دولتهم على أراضيها، وفق قرارات الأمم المتحدة. فبموجب الوقائع الاستيطانية على أراضي الضفة، لم تعد هناك أرض تكفي لبسط سيادة الدولة الفلسطينية، إذ تنتشر البؤر الاستيطانية في كل مكان وتقوم المدن الجديدة في قلب خارطة المنطقة. بل إن راسمي الخرائط الإسرائيليين تعمدوا مد الكتل الاستيطانية من أقصى نقطة غربي الضفة، إلى أقصى نقطة شرقا، لتمتد كتلة “معاليه أدوميم” مثلا، عبر حواف الجبال، من القدس إلى أريحا. ويجري إسقاط بؤر أخرى لتحتل الغور على الحدود الأردنية.

أما في وسط الضفة، فتقوم الكتل الاستيطانية فوق الخزانات الكبرى للمياه الجوفية. ولم يتبق من الضفة إلا العنصر الديموغرافي الذي يحتاج إلى حل، أما عنصر الأرض، فإن دهاة الصهيونية وحلفائها الأميركيين، باتوا يفتشون عن حل يتجاوز وقائع استحواذ المستوطنين على الأرض ويحاولون التضليل لحل مشكلة تفتيش الفلسطينيين عن استقلال وعن دولة مع تمييع مسألة الجغرافيا، وجعل حقائق الاستيطان، معطوفة بعدئذ، على تفصيلات مشروع التسوية الإسرائيلية، الذي لا بد أن يركز على التنمية واستغلال المخزون البشري كيد عاملة رخيصة.

غير أن حسابات حقل الإدارة الأميركية، ومن ورائها تحالف “الليكود”، خالفت الحسابات الأردنية التي ترى أن الكونفيدرالية التي دعا إليها مسؤولون أميركيون، من شأنها قتل الدولة الأردنية وتهديد السلم فيها، لأن الذين ناموا على مخدة القلق من العنصر الفلسطيني المتواجد أصلا ويحمل الهوية الأردنية، لن يغمض لهم جفن، إذا ما وجدوا أنهم جزء من كونفيدرالية تشملهم وتشمل الفلسطينيين الذين ستنحرف بوصلتهم لتفتش عن الحقوق لدى الشقيق الكونفيدرالي.

ولا حاجة للقول، إن مقترح الكونفيدرالية يُستخدم بطريقة التحايل، ولا ينطبق على الوضع الفلسطيني، لأن الدول المستقلة هي التي تلتحق طوعا وبإرادة شعوبها ومؤسساتها، إلى مشروع كونفيدرالي طوعي.

والفلسطينيون أولا غير مستقلين وليست لهم دولة ذات سيادة، بل إن سلطتهم ناقصة التمثيل في أحسن حالاتها، وقد باتت بلا مؤسسات.

أما محمود عباس فإن اختلف مع الأميركيين لن يفقد استئناسه بالإسرائيليين، لذا كانت ردة فعله تعديل الاقتراح، وكأن الأمور ستجري على هواه حين قال إن الكونفيدرالية التي يرحب بها هي الثلاثية التي تضم إسرائيل، مطمئنا إلى أن الأميركيين والإسرائيليين لا يخوضون في هكذا مشروع، والأردنيون سيشترطون استقلال فلسطين استقلالا ناجزا،  قبل أن يفكروا في الأمر، لكن الموتورين في الإدارة الأميركية، يحاولون تزوير الحل وتزوير صيغة الكونفيدرالية نفسها، وتحميل الأردن مصائب الوضع الفلسطيني، وهذا الذي جعل العاهل الأردني، وهو يهدئ الجامحين المناطقيين ومن خلالهم المواطنين الأردنيين جميعا، يستخدم تعبير الخط الأحمر، الذي يُستخدم في حالات الخطر المحقق.