الأردن وجهة سياحية لذوي الاحتياجات الخاصة

يعد الأردن من البلدان ذات التاريخ السياحي العريق التي جذبت السياح والزائرين حتى يومنا الحاضر، وبما أن سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة في العالم العربي تعتبر منتجا حديثا متناميا عالميا ويزيد من التشكيلة المتكاملة للسياحة لم ينل حظه بعد، فإن ذلك يستدعي من القائمين على النشاط السياحي في الأردن الاهتمام بسياحة ذوي الاحتياجات الخاصة وتطوير الخدمات والتسهيلات اللازمة لهم لجذب المزيد من أفراد هذه الشريحة من جميع أنحاء العالم، بما يتطلبه ذلك من تنوع في المنتوج السياحي من شأنه أن يضيف للأردن نمطا سياحيا جديدا ينافس به عالميا.
الأربعاء 2016/09/28
مرافق بسيطة لإسعاد الجميع

عمان - أعلنت منظمة السياحة العالمية عن اختيارها لمدينة العقبة الأردنية كأفضل الوجهات السياحة العالمية وأحد أهم المواقع العالمية في توفير سياحة نموذجية للجميع بما في ذلك الأشخاص من ذوي الاحتياجات الخاصة، وذلك ضمن احتفالات المنظمة بيوم السياحة العالمي تحت شعار “السياحة للجميع.. تعزيز سبل استفادة الجميع”، بحيث لم يقع حرمان أي فئة من نيل حظها في مجال السياحة.

وفي إطار هذا الإعلان، يقول عميد كلية السياحة والفندقة في الجامعة الأردنية إبراهيم بظاظو، إن مدينة العقبة مدرجة كأحد أهم المدن في استقطاب ذوي الاحتياجات الخاصة.

ولم يتوقع كل من سيف إبراهيم وإسلام اليماني أن تكون رحلة كل منهما السياحية محفوفة بالعراقيل والمعوقات في المناطق الأثرية والسياحية التي زاراها وجابت كلا من البتراء والبحر الميت، نظرا إلى كونهما يعانيان من إعاقة حركية ولم يجدا التسهيلات اللازمة لضمان التمتع برحلة سياحية تساعدهما في التعرف على مناطق المملكة السياحية.

إبراهيم واليماني هما نموذجان لهذه الفئة التي تحلم مثل غيرها بأن تتمتع بالخدمات السياحية والتسهيلات للتعرف على الأماكن التاريخية والتراثية في مختلف مناطق الأردن، بحيث تكون هناك خدمات على مستوى البنى التحتية مثل الممرات والمعابر التي تمكّن هذه الفئة من التجول في الأماكن السياحية بسهولة.

ويدعو خبراء وأكاديميون إلى توفير التسهيلات البيئية لذوي الاحتياجات الخاصة خاصة وأنهم يمثلون أكثر من ثلث عدد سكان العالم، ومع ذلك لا يلقون الاهتمام المناسب بهم خاصة في مجال السياحة، بدءا بتوفير الخدمات الفندقية والسياحية، مطالبين بأن تخصص الفنادق نسبة من غرفها وبناياتها لتكون مؤهلة لاستقبال نزلاء من ذوي الاحتياجات الخاصة نظرا لما يتوافر فيها من تسهيلات تتيح لهم الحركة بسهولة وتمكنهم من الاعتماد على أنفسهم.

ويقول إبراهيم بظاظو “إن الأردن ريادي في إدخال نمط جديد من السياحة على خارطة السياحة العالمية، من خلال إطلاقه لمفهوم السياحة للجميع في العام 2011، والذي يهتم في جوانبه بسياحة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة وتمكينهم من زيارة المواقع السياحية”.

وأشار إلى أنه كانت هناك مبادرة عنوانها “السياحة للجميع” انطلقت في العام 2011 من جامعة الشرق الأوسط وتستند إلى ثلاث مراحل، الأولى تمكين سياح فئة ذوي الاحتياجات الخاصة في الأردن من زيارة المواقع السياحية، أما الثانية فتهدف إلى تمكين ذوي الاحتياجات الخاصة من صناعة الحرف اليدوية كونها العمود الفقري لصناعة السياحة، أما المرحلة الثالثة فهي المسرح الصامت والذي من خلاله تمكن الاستفادة منه عبر حضور عروض مسرحية في المناطق السياحية، وتمكين الشرطة السياحية من التعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة وتوفير أدلاء سياحة يكونون مؤهلين للتعامل مع هذه الفئة.

"العقبة" سياحة نموذجية لذوي الإحتياجات الخاصة

ويقول بظاظو “لم نصل بعد إلى مرحلة النضج في تطوير المواقع الأثرية مثل البتراء وأم قيس لاستقطاب ذوي الاحتياجات الخاصة، مع أنه لدينا فنادق مؤهلة لاستقطابهم”.

تغييرات بسيطة في المرافق

يرى الخبراء أنه بالنسبة إلى المرافق السياحية الموجودة في الأردن والذي يسعى جاهدا إلى الالتحاق بركب السياحة واستقطاب ذوي الاحتياجات الخاصة، فإن الأمر متاح ولا يحتاج إلى الكثير من النفقات مثلما قد يتصور البعض.

ويؤكد هؤلاء على أن تهيئة مرفق سياحي مثلا وجعله مؤهلا وقادرا على استقبال ذوي الاحتياجات الخاصة لا يقتضي بالضرورة الكثير من التغيرات الإنشائية المكلفة، حيث أن نسبة ذوي الاحتياجات الخاصة الحركية التي تقتضي الكرسي المتحرك تقارب 5 بالمئة من ذوي الاحتياجات الخاصة فقط، ذلك أنه باللجوء إلى استعمال وسائل وأدوات بسيطة وتدريب كوادر فنية، يمكن تقديم الخدمة لما نسبته 95 بالمئة من ذوي الاحتياجات الخاصة.

يذكر أن الأردني فيصل منصور نجح خلال السنة الماضية في تصميم وسائل لتسهيل سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة، مثل الفنادق الصغيرة المتكاملة التي من شأنها تقديم خدمات لهذه الفئة.

وأوضح منصور أن الحاجة إلى تسهيل الخدمات الخاصة والسياحية لذوي الاحتياجات الخاصة باتت مطلبا ملحا، وذلك لمساعدتهم في التنقل وزيارة المناطق السياحية التي يخيّرون الذهاب إليها.

وقال منصور إن المردود الاقتصادي لهذا النوع من السياحة كبير، وهو ما أدركته الشركات والمؤسسات التي دخلت هذا المضمار، لكن تنقصها الأدوات والتسهيلات الخاصة بهذا النوع من السياحة.

وأشار إلى أن سياحة ذوي الاحتياجات الخاصة، محليا وعربيا، تعتبر منتجا حديثا يستدعي الاهتمام به وتطوير الخدمات والتسهيلات اللازمة لهذه الفئة، وذلك بغاية جذب المزيد من الأفراد من جميع أنحاء العالم.

وأوضح منصور أنه أجرى دراسة أظهرت أن الخدمات والتسهيلات أمام ذوي الاحتياجات الخاصة معدومة، مقابل استخدام التسهيلات العادية الخاصة بالسياح العاديين، في حين أن الوضع الحالي لسياحة ذوي الاحتياجات الخاصة ليست بالدرجة المطلوبة، فالفنادق تعتني بنسبة ضئيلة جدا هذه الفئة من السياح، إضافة إلى أن عدد الغرف الفندقية المعدة والمجهزة لذلك قليل جدا.

وأضاف أن الاهتمام بالمعوقين يكون بتوفير أجهزة تساعدهم على الإقامة في غرف الفنادق فقط، إضافة إلى بناء منتجعات سياحية خاصة بذوي الاحتياجات الخاصة وتعيين كوادر متخصصة لخدمتهم. ولفت منصور إلى أن النقص في المرافق السياحية لذوي الاحتياجات الخاصة يحرم صناعة السياحة من مداخيل إضافية، فخسائر السياحة العربية بسبب نقص التسهيلات لذوي الاحتياجات الخاصة كبيرة جدا.

خبراء يدعون إلى توفير التسهيلات البيئية لذوي الاحتياجات الخاصة لاسيما وأنهم لا يجدون الاهتمام المناسب بهم في مجال السياحة

وقالت مديرة الاتصال والإعلام في هيئة تنشيط السياحة تهامة النابلسي، إن الهيئة تعمل على تدريب أدلاء السياحة على لغة الإشارة، وبالفعل فقد تم تدريب عدد كبير منهم، مبيّنة أن الهيئة تقوم بالترويج والتسويق للمناطق السياحية بمختلف الوسائل الإعلامية وكذلك على مواقع التواصل الاجتماعي.

وبدوره أشار أستاذ التسويق السياحي في الجامعة الأردنية مأمون علان إلى أن نسبة السياحة لذوي الاحتياجات الخاصة في المملكة تشكل 2 بالمئة وفق دراسات متخصصة، وأن معظم العاملين في القطاع السياحي بمن فيهم الأدلاء السياحيون غير مؤهلين للتعامل مع ذوي الاحتياجات الخاصة، كاستخدام لغة الإشارة والمهارات الأخرى للتواصل مع هذه الفئة.

وبيّن علان أن عوامل العرض السياحي من بنى تحتية وخدمات وتسهيلات سياحية غير ملائمة تماما لحركة ذوي الاحتياجات الخاصة، إذ أن معظم المواقع السياحية في الأردن وبالأخص المواقع الأثرية والطبيعية غير صالحة لممارسة التجارب السياحية لزوار ذوي الاحتياجات الخاصة، كما أن الخطاب السياحي يهمل هذه الفئة ولا يدرجها ضمن أجندته وكذلك فئة كبار السن، حيث لا توجد خدمات أو أي عروض سياحية خاصة بهم.

تشريعات وتسهيلات

تقول عضو منظمة السياحة العالمية، وعضو الشبكة العربية لترويج السياحة البينية، ورئيس قسم السياحة والآثار في جامعة الشرق الأوسط سائدة عفانة، إنه “استنادا إلى توصيات مؤتمر السياحة للجميع، فقد تم التركيز على توظيف القوانين التشريعية لخدمة الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة والاستفادة من البعض من بنود تلك القوانين المطبقة في الدول العربية لتحقيق مبدأ التكافؤ، وذلك بإعفائهم من رسوم الدخول للمتاحف والمناطق الأثرية، وتقديم التسهيلات اللازمة لهم مثل الممرات والمسارات الميسرة، وتوفير العربات الصغيرة في المناطق التي بحاجة إلى السير على الأقدام، واختيار غرف لذوي الاحتياجات الخاصة ضمن مواقع سهلة الوصول وقريبة من الخدمات الفندقية، إلى جانب إيجاد الممرات والمصاعد لهم وأن تكون مدينة مادبا نموذجا لذلك، وتشريك المعوقين حركيا في عملية التوعية المجتمعية من خلال تقديم البرامج التوضيحية والإرشادية لفاقدي البصر باستخدام العصي، والنظر في حوكمة قطاع السياحة”.

"البتراء" وجهة غير مؤهلة لذوي الإحتياجات الخاصة

وأشارت إلى أن العديد من المواقع الأثرية والمناطق السياحية بحاجة إلى تهيئة وتقديم تسهيلات خاصة لذوي الاحتياجات الخاصة ولاسيما مدينة البتراء، إذ أن التسهيلات متوفرة في مدخل المدينة فقط، بينما تفتقر باقي مناطق المدينة إلى مؤهلات سياحية تستقطب هذه الفئة، حيث الأرض غير منبسطة وغير مهيأة لهذه الفئة من السياح.

جدير بالذكر أن الرسالة التي كان قد وجهها الأمين العام للأمم المتحدة بان كي مون بمناسبة الاحتفال باليوم العالمي للسياحة، تنص على أن لكل شخص الحق في الاستفادة من خدمات الترفيه والسياحة على قدم المساواة مع الآخرين، لكن الواقع يثبت عكس ذلك، حيث لا يزال هناك قرابة مئات الملايين في جميع أنحاء العالم يعيشون تحت وطأة الإعاقة، إلى جانب الأطفال والمسنين وغيرهم من الأشخاص المحتاجين إلى تسهيلات خاصة، ويواجهون جراء ذلك عقبات تحول دون حصولهم على خدمات السفر الأساسية، مثل المعلومات الواضحة والموثقة، وتسهيلات النقل والخدمات العامة الناجعة، والبيئة المادية التي يسهل التنقل فيها.

وللإشارة فإنه على الرغم من توافر التكنولوجيا الحديثة، فإن الأشخاص المصابين بإعاقات بصرية أو سمعية أو حركية أو معرفية لا يزالون غير قادرين على اللحاق بالركب في عدة وجهات سياحية.

وبيّن الأمين العام للأمم المتحدة أن تيسير سبل الاستفادة من هذه الفئة لا ينطوي فقط على فرص تجارية هامة فحسب، بل إنه يشكل حجر الزاوية في كل سياسة سياحية واستراتيجية لتنمية المشاريع التجارية إذا أريد لها أن تكون مسؤولة ومستدامة، مشجعا صانعي السياسات ومنظمي الرحلات السياحية والشركات التي تعمل مع الأشخاص ذوي الاحتياجات الخاصة على العمل معا من أجل إزالة جميع الحواجز الذهنية والمادية.

يذكر أن منظمة السياحة العالمية التابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة قررت إطلاق اليوم العالمي للسياحة في دورتها الثالثة المنعقدة في أسبانيا في سبتمبر من العام 1979، تخليدا للذكرى السنوية لاعتماد النظام الأساسي لمنظمة السياحة العالمية في 27 سبتمبر من العام 1970، وتعزيزا لوعي المجتمع الدولي بأهمية السياحة وضرورة معالجة التحديات التي تواجه هذا القطاع.

20