الأردن وسيط ناعم في محيط إقليمي متلاطم

يواجه الأردن تحديات أمنية كبيرة بسبب ارتدادات الأزمات المشتعلة في الشرق الأوسط، وتؤكد أوساط سياسية أردنية على ضرورة أن تتحرك عمان وباقي العواصم العربية لإنهاء حالة الصراع القائمة وإلا فإن القادم سيكون أسوأ.
السبت 2016/12/24
الأردنيون: لا مكان للإرهاب بيننا

عمان – تبدي أوساط سياسية في الأردن تخوفها من استمرار حالة الصراع في الشرق الأوسط ما يهدد بتقويض استقرار المنطقة بشكل عام والمملكة خصوصا التي استفاقت الأحد على هجوم إرهابي جديد راح ضحيته عشرة أشخاص في محافظة الكرك، تبناه تنظيم الدولة الإسلامية.

وهذا رابع هجوم إرهابي تتعرض له المملكة خلال سنة 2016 الأمر الذي يعزز مخاوفها من التحول إلى ساحة قتال جديدة.

وتقول الأوساط السياسية بضرورة التحرك جديا لإيجاد حلول للأزمات في المنطقة، وعدم الاكتفاء بالدعوات والمناشدات، خاصة وأن الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها داعش تستغل هذه الأزمات لتعزيز حضورها وانتشارها في الإقليم.

ويرى وصفي عقيل الشرعة رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة اليرموك (حكومية) “أن ما شهده الأردن هو ارتداد لمشاكل جيرانه، وإن لم تكن هناك حلول جذرية فإننا سوف نشهد إشكاليات أمنية واجتماعية وربما صدامات”.

وأظهر الأردن في الفترة الأخيرة اهتماما أكبر بالتدخل على خطي الأزمتين العراقية واليمنية خصوصا لوضع حد لهما، مع الإصرار على ضرورة إيجاد الفاعلين الرئيسيين في الملف السوري مخرجا للصراع الذي جاوز عمره الست سنوات وأثقل كاهل المحيطين بهذا البلد.

وتدرس وزارة الخارجية وشؤون المغتربين الأردنية حاليا طلبا تقدمت به اللجنة الرباعية العربية لاستضافة ورشة عمل للجنة التهدئة والتنسيق لوقف إطلاق النار في اليمن.

وأبدى رئيس الوزراء اليمني، عبدالملك المخلافي، استعداد الحكومة الشرعية في بلاده للمشاركة في اجتماع اللجنة بالأردن.

ويخوض التحالف العربي بقيادة السعودية حربا ضد المتمردين الحوثيين المدعومين من إيران في اليمن منذ مارس 2015، وخلال هذه الفترة حصلت مبادرات عديدة لوضع حد للقتال ولكنها فشلت.

ويرى مراقبون أن هناك وعيا متزايدا من أطراف الصراع بضرورة إنهائه، ولكن كل طرف يريد استثمار رغبة الآخر لتحقيق مكاسب سياسية، والعكس صحيح.

ويأتي اقتراح الأردن ليكون المضيف لاجتماع اللجنة المعنية بوقف إطلاق النار في اليمن، إقرارا بأن السياسة المتوازنة للمملكة تجعلها قادرة على لعب دور الوسيط في حل المعضلة اليمنية.

ويشارك الأردن في التحالف العربي في اليمن بيد أن العاهل الأردني الملك عبدالله الثاني لا ينفك يؤكد على ضرورة إيجاد تسوية سياسية للأزمة.

ويقول المحلل السياسي عامر السبايلة لـ“العرب” “الأردن بحكم موقعه الجغرافي ودوره المتوازن في عدد من الملفات له أهمية في معادلات الشرق الأوسط”.

وشهدت العاصمة الأردنية في الفترة الأخيرة حراكا عراقيا، حيث زارت قيادات سياسية عراقية عمان وأجرت لقاءات مع الملك عبدالله الثاني للتباحث حول مبادرة طرحها رئيس المجلس الأعلى الإسلامي العراقي، عمار الحكيم، لتحقيق المصالحة السياسية في العراق.

ومن بين القيادات التي زارت المملكة والتقت الملك عبدالله نائبا الرئيس العراقي، أسامة النجيفي، وإياد علاوي ونائب رئيس الوزراء، صالح المطلك، ورئيس مجلس النواب سليم الجبوري.

وسبق أن التقى العاهل الأردني الحكيم الذي عرض عليه بنود مبادرته لتحقيق مصالحة شاملة في العراق، وقد أكد له الملك عبدالله الاستعداد الكامل للمملكة لتقديم الدعم والمساعدة للشعب العراقي.

ولفتت مصادر سياسية إلى أن “الملك عبدالله الثاني يلعب دور الوسيط لتقريب وجهات النظر بين القوى السياسية الشيعية والسُنية بشأن التفاهم على ورقة التسوية السياسية”.

ويولي الأردن تحقيق المصالحة بين مختلف مكونات العملية السياسية في العراق اهتماما كبيرا، لعدة اعتبارات أهمها أن المملكة أكثر الدول تأثرا بما يجري في العراق بحكم الحدود الممتدة بينهما، وأي انزلاقة أمنية أكيد ستنعكس سلبا على الأردن.

وللتذكير فإن سيطرة تنظيم داعش على عدة مناطق في العراق في العام 2014، أثرت بشكل كبير على الأردن سواء اقتصاديا من خلال غلق معبر طريبيل الحدودي بين الدولتين، أو أمنيا عبر تولي عمان منفردة حماية الحدود على هذا الشطر في ظل انغماس القوات العراقية في مقارعة داعش في الداخل.

ومن هنا فإن الأردن يبدو متحمسا لمبادرة الحكيم ولكن مع إضافة بعض التعديلات على بنودها لضمان نجاحها، وأهمها تمتيع المسؤولين السنة في العراق بحق الحصانة ونهاية العمل بقانون اجتثاث البعث.

ويتوقع محللون أن يلعب الأردن دورا بارزا في الدفع باتجاه تحقيق مصالحة في العراق، بحكم تجربته الطويلة “كوسيط ناعم في المنطقة”.

ويقول في هذا الإطار الأكاديمي الأردني سعود الشرفات لـ“العرب” “لقد استطاع الأردن بناء وترسيخ استراتيجية عميقة جدا عبر تاريخه الحديث، يمكن إطلاق تسمية ‘الوسيط الناعم’ عليها”.

ويضيف الشرفات “ميزة هذا الوسيط الناعم أنه برع في استخدام واستغلال القوة الناعمة المتمثلة باستغلال واستخدام الموروث الديني ووصايته الهاشمية على المسجد الأقصى ثم الاستثمار بالأيدي العاملة الماهرة، ومستوى التعليم المحترم، بعدها الانغماس الكبير في سيرورة العولمة الاقتصادية والسياسية عبر مشاركته الواسعة في قوات حفظ السلام وتوقيعه على معظم الاتفاقيات الدولية، وأخيرا بناء شبكة علاقات واسعة مع معظم قيادات العالم، الأمر الذي ساهم بأن يتجاوز ويتخطى حضوره المحلي إلى الإقليمي”.

ويرى الأكاديمي الأردني أن توافد القيادات العراقية، على عمان وطلب وساطتها في حل الأزمة السياسية بالعراق، فضلا عن الحديث الذي يدور حول وساطة مماثلة لحل النزاع في اليمن، يترجم التقدير الذي تكنه الدول العربية لسياسة الأردن المتوازنة في المنطقة.

وبحسب الشرفات فإن نجاح الأردن في فرض نفسه كوسيط فتح عليه أبوابا واسعة من المنافسة من محاور تعتقد أن لها مشاريع سياسية كبيرة على غرار قطر.

وتعرضت عمان خلال الأشهر الأخيرة إلى هجمة إعلامية من قبل مؤسسات إعلامية محسوبة على الدوحة، الأمر الذي استفز الأردنيين. ويربط الشرفات السلوك العدواني تجاه الأردن بإحساس بالفشل في المنافسة مع الأردن الذي يتقن فن استخدام “القوة الناعمة” التي مكنته منذ بداية تشكيل تاريخه الحديث من أن “يطفو على سطح بحر الأحداث المتلاطم في الشرق الأوسط”.

ورغم حالة التوتر المسجلة بين الأردن وقطر يقول الباحث الأردني سامح المحاريق لـ“العرب” إن شعرة معاوية لم تنقطع بين البلدين، والقطريون يمتلكون مساحة معينة من المرونة في التعامل مع الأدوات الإعلامية التي تشكل جزءاً من مشروعهم السياسي، فهي في النهاية لا تشكل إلزاماً للدولة القطرية، ويمكن للقيادة القطرية أن تتنصل منها بصورة أو بأخرى، والأردن يمتلك نفس الاستراتيجية حيث يقع جزء كبير من ضبط توجهات السياسة الخارجية ضمن منطقة مؤسسة العرش.

2