الأردن يحصن نفسه عسكريا وثقافيا لمجابهة داعش

الاثنين 2015/01/19
الملك عبدالله الثاني يراهن على ممثلي المكونات المجتمعية لمجابهة الخطر الإرهابي المحتمل

القاهرة - ليست المملكة الأردنية الهاشمية ببعيدة عن المخاطر التي يُثيرها تنظيم الدولة “الإسلامية”، والذي يفرض سيطرته على أراضٍ شاسعة من دولتي العراق وسوريا، وذلك بعد تصاعد التهديدات الموجّهة لعمان مع كشف التنظيم عن خارطة لدولته الموعودة تضم إلى جانب العراق وسوريا، الكويت والأردن وفلسطين ولبنان. وهو الأمر الذي بات يفرض على الأردن مزيدا من الحيطة والحذر، ويدفعها لصياغة استراتيجية أكثر فاعلية لمواجهة هذا الخطر المحتمل، وفق دراسة للباحث إبراهيم منشاوي صادرة عن المركز الإقليمي للدراسات الاستراتيجية بالقاهرة.

تزايد، في الآونة الأخيرة، الخطر الذي يشكّله تنظيم “الدولة الإسلامية” على الداخل الأردني مع إعلان التنظيم عن إنشاء فرع له في عمان لإمداده بالمهمات اللوجستية، وهو الأمر الذي دفع المملكة الهاشمية إلى اتخاذ إجراءات احترازية لمواجهة تهديدات التنظيم من نشر للقوات العسكرية على امتداد حدودها مع الدول التي تشهد صراعات داخلية، بالإضافة إلى عملها على ضبط الأمور داخليّا من خلال اقتفاء أثر الفئات المناصرة لهذا التنظيم.


لماذا يهتم داعش بالأردن؟


ترجع دراسة إبراهيم منشاوي، الأسباب التي دفعت تنظيم “داعش” إلى الاهتمام بالأردن، والسعي إلى إيجاد مؤيدين له داخل المملكة الهاشمية إلى ثلاثة أسباب رئيسية، هي على النحو التالي:


● أولا،

مشاركة الأردن في التحالف الدولي ضد “داعش”: حيث تُعد الأردن حليفًا استراتيجيًّا للولايات المتحدة الأميركية في حربها ضد الإرهاب، وفي مواجهة التهديدات الإقليمية، وقد برز ذلك من خلال قيام المملكة بتقديم الخدمات اللوجستية والاستخباراتية للتحالف الدولي ضد تنظيم “داعش”، فضلا عن فتح المجال الجوي الأردني، وجعله منطلقا لتنفيذ الضربات الجوية ضد التنظيم المتطرف.

التنظيم الإرهابي يتمدد في دول الجوار ليس من خلال الانتقال المادي أو السيطرة الفعلية، ولكن من خلال التمدد الفكري

وفي هذا السياق، تلقى تلك الجهود الأردنية ضد تنظيم “الدولة الإسلامية” معارضة من قبل الجماعات السلفية المتشددة التي تنشط داخل المملكة؛ حيث اعتبر القيادي البارز في التيار السلفي الجهادي في الأردن محمد الشلبي، الملقب بـ”أبو سياف”، أنّ مشاركة الأردن في التحالف الدولي هي “بداية النهاية بالنسبة إلى النظام الأردني”.

بالإضافة إلى أنّ مثل هذه المشاركة قد أجّجت غضب الجماعات الجهادية في المنطقة، خاصّة تلك التي أعلنت تأييدها لـ”داعش” مثل جبهة النصرة في سوريا، ضدّ النظام الحاكم في الأردن.


● ثانيًا

، التمدد الجغرافي للتنظيم: يُقاتل تنظيم “داعش” على امتداد قوس كبير يبدأ من الحدود العراقية السورية، ويمر بدير الزور والرقة التي بات يسيطر عليها بشكل كامل، وصولا إلى جرابلس ومنبج وإعزاز شمال حلب، بالإضافة إلى شمال إدلب قرب الحدود التركية، وتوسعه الواضح في العراق، وسيطرته على مناطق حيوية حدودية يستطيع من خلالها تلقي التمويل والأسلحة والتدريب الكافيين، الأمر الذي ساهم بدرجة كبيرة في توجيه أنظاره نحو عمان.

حيث أضحى التنظيم على مقربة من الحدود الأردنية، في ظل سيطرته الأخيرة على بلدة الرطبة في محافظة الأنبار العراقية، والتي تبعد 60 كم عن الحدود مع المملكة، فضلا عن سيطرته على معبر حدودي رئيسي (معبر طريبيل)، والذي يقع بين العراق والأردن، ما دفع الجيش الأردني إلى إعلان التعبئة العامة، ونشر القوات على الحدود مع العراق استعدادا للدخول في أي اشتباكات مع مقاتلي التنظيم؛ حيث يشير مراقبون إلى أنّ زعيم التنظيم “أبو بكر البغدادي” يضع عينه على المملكة للسيطرة من خلالها على قطاع غزة، وفتح المجال لدخول سيناء المصرية.


● ثالثًا

، التمدد الفكري ووجود عدد من الفئات المناصرة للتنظيم في الأردن: يشير عدد من المحللين إلى أنّ التنظيم الإرهابي يتمدد في دول الجوار ليس من خلال الانتقال المادي أو السيطرة الفعلية، ولكن من خلال التمدد الفكري القائم على أساس ديني، وعلى الغاية الكبرى التي تجمع الجماعات الجهادية جميعها، وهي غاية الوصول إلى “دولة الخلافة”.

الاستراتيجية الأردنية لمكافحة الإرهاب:
◄ المواجهة الثقافية

◄ العمل على حل الأزمة السورية

◄ حل المشاكل الاقتصادية

◄ التعاون الإقليمي لمواجهة الإرهاب

وهو ما أدى إلى مبايعة العديد من التنظيمات الجهادية له مثل جبهة النصرة في سوريا، وأنصار بيت المقدس في سيناء المصرية، وجماعة أنصار الشريعة في ليبيا.

ولم يكن الأردن بمعزل عن هذا التيار، حيث خرجت تظاهرات لمتطرفين تؤيد التنظيم في مدينة معان، بالإضافة إلى مبايعة تنظيمِ “التوحيد والجهاد” في الأردن زعيمَ تنظيم “داعش”؛ حيث قال بيانٌ للجماعة يحمل توقيع “أبناء دعوة التوحيد والجهاد في الأردن”، ونُشر على مواقع تابعة لها، إنّ تنظيم “الدولة الإسلامية” داعش هو “قلعة الإسلام، وحصن التوحيد، وجندها هم رأس حربة المسلمين”.

بالإضافة إلى تكوين فرع للتنظيم في الأردن مكوّن من 200 عنصر، بحسب تصريحات أحد أعضاء الفرع ويدعى أبو محمد البكر، فضلا عن البيئة الحاضنة للأفكار المتطرفة في الأردن، ووجود أقطاب للفكر السلفي الجهادي أمثال محمد المقدسي، وعمر محمود المعروف بـ”أبو قتادة”.

كما أن ظاهرة اللاجئين العراقيين والسوريين في الأراضي الأردنية تثير صعوبات حقيقية للمملكة، خاصّة إذا ما تم استغلال أوضاعهم المتردية في سبيل شن هجمات إرهابية داخل المملكة الهاشمية.


أي استراتيجية ستتبعها المملكة؟


على الرغم من نجاح الأردن حتى الآن في مواجهة التنظيمات الجهادية داخل ترابه، من خلال كشف الخلايا التي تتبع تنظيم “داعش”، وقيام القوات الأردنية بحملة اعتقالات واسعة، إلاّ أنّ التركيز على المواجهة الأمنية وحدها لا يكفي، وإنّما يجب أن تمتد المواجهة على كافّة الأصعدة، وأن تشمل في البداية الجانب الثقافي من خلال العمل على مقاومة الفكر الجهادي بالفكر المعتدل الوسطي، وإجراء تحليل ثقافي معمّق لظاهرة الإرهاب، لاقتراح سياسات فعالة لمواجهتها.

ومن المهم هنا الإشارة إلى سعي وزارات الأوقاف في مصر والكويت والأردن إلى تكوين جبهة عربية فكرية قوية صلبة عمادها وزارات الأوقاف والشؤون الإسلامية العربية لمواجهة الإرهاب، وكل ألوان التطرف والتشدد والغلو.

التركيز على المواجهة الأمنية وحدها لا يكفي لمجابهة الخطر الإرهابي، بل يجب أن تمتد المواجهة لتشمل كافة الأصعدة

وأن يكون تبادلُ الخبرات والعلماء والدعاة عبر المؤسسات الدينية الرسمية. وفي هذا تأكيدٌ على فكرة المواجهة الثقافية وأهميتها في الوقت الحالي، خاصةً في ظل التمدد الفكري الكبير للجماعات الجهادية في مختلف الدول العربية.

من ثمة تفيد الدراسة بأنّ الأردن مطالب بدعم محاولات إيجاد حل الأزمة السورية، لأنّ التوصل إلى حلٍّ عادلٍ وسريع للأزمة السورية سوف يُسهم كثيرًا في كبح جماح تنظيم “داعش”، وتضييق الخناق عليه. فقد تدفق العديدُ من الأردنيين للمشاركة في القتال في سوريا، وقد عادوا مرةً أخرى إلى الأراضي الأردنية، مما شكل تهديدًا كبيرًا لعملية الاستقرار هناك، بالإضافة إلى تدفق العديد من اللاجئين السوريين للأردن، وهذا عبء إضافي بدوره على المملكة، خاصة مع تردي أوضاعها الاقتصادية.

جانب آخر مهم يجب أن توليه المملكة اهتماما مضاعفا، هو كل ما يتعلق بالتنمية الاقتصادية، حيث أنّ المناطق المحرومة اقتصاديًّا في الأردن، مثل الرصيفة والزرقا ومعان، تقوم بتوفير الحصة الأكبر من الجهاديين الذين يُقاتلون في سوريا، وبالتالي فالأردن في حاجةٍ إلى تنمية اقتصادية حقيقية تمكنه من مواجهة التشدد والتطرف، حيث تعتمد المملكة في الفترة الحالية على مجموعةٍ من البرامج الإصلاحية بالإضافة إلى الدعم الأميركي، لتحقيق التنمية المنشودة.

وختاما تخلص دراسة إبراهيم منشاوي، إلى أن استراتيجية مكافحة الإرهاب يجب أن تشمل كذلك التعاون الإقليمي، حيث أنّ الانفلات الأمني في المنطقة العربية ساهم بشكل كبير في انتشار الجماعات الجهادية على نطاق واسع، والخطورة هنا تتضح في ترابط تلك الجماعات الجهادية وتأثيرها على استقرار الدول من خلال عمليات تهريب السلاح وتدفق الجهاديين، ومن هنا وجب وضع استراتيجية جديدة تجعل من مواجهة التنظيمات الجهادية جميعها في المنطقة غايتها الأساسية، للقضاء على تهديداتها للدول العربية، وقد يكون الإطار الأبرز في هذا الصدد هو تشكيل لجنة عليا تجمع الدول العربية جميعها للاتفاق على صيغة مشتركة لمواجهة الإرهاب.

6