الأردن يسير على حبال مشدودة بين متطلبات الداخل وضغوط الخارج

لا تقتصر التحديات التي تواجه الأردن على الوضع الأمني وصراعات الجوار، بل تتعداها إلى الواقع الاقتصادي والاجتماعي الداخلي المتردي، والذي هو نتاج سياسات حكومية خاطئة، ومعارضة تكاد تكون غير موجودة على الساحة.
الأربعاء 2016/01/06
هاجس الزعامة

عمان - يواجه الأردن مع انطلاقة العام الجديد جملة من التحديات الصعبة على الصعيدين الداخلي والخارجي، يبدو مضطرا إلى خوض غمارها.

ويعتبر الوضع الأمني والتهديدات الإرهابية الهاجس الأكبر لدى النظام على ضوء استمرار العواصف الإقليمية انطلاقا من سوريا مرورا بالعراق وصولا إلى اليمن، والتي لا يبدو أن هناك أفقا لنهاية قريبة لها خاصة بعد التصعيد الخطير بين المملكة العربية السعودية وإيران.

وإزاء هذا الوضع من المرجح أن يبقى الأردن محاصرا بنيران الجيران لفترة طويلة، وهو ما سيزيد من حجم أعبائه في ظل وجود أكثر من مليون نازح سوري لديه، فضلا عما يشكله الأمر من تحد أمني كبير، بالنظر للمحاولات المستمرة لعناصر “جهادية” التسلل إلى أراضيه.

والأردن رغم أنه إلى حد الآن نجح في تلافي التهديدات الإرهابية خاصة تلك القادمة من سوريا والعراق إلا أنه ووفق متابعين يبقى الوضع فيه غير مضمون، خاصة وأنه يمتلك خزانا جهاديا يتألف من أكثر من سبعة ألاف عنصر سلفي جهادي، معظمهم يدين بالولاء لتنظيم الدولة الإسلامية.

ويلاحظ خبراء ومحللون أردنيون أن هناك تزايدا في أعداد الشباب المتبنين للفكر المتطرف في الأردن، ويفسر هؤلاء الأمر بالوضع الإقليمي العام، ولكن هناك جانبا كبيرا من المسؤولية يقع على عاتق النظام الأردني.

فانتهاج السلطات الأردنية سياسة أمنية حديدية، ترجمت في تواتر الاعتقالات في صفوف الناشطين والشباب لأسباب في معظمها تتعلق بكتابات في وسائل التواصل الاجتماعي، وعدم توفير متنفس لهذه الشريحة، كلها عوامل تستغلها الجماعات المتطرفة للتجنيد والاستقطاب.

ولا تقتصر تحديات النظام الأردني على الوضع الأمني بل تتجاوزه إلى الواقع الاجتماعي والاقتصادي المتردي، حيث تشهد نسبة البطالة ارتفاعا ملحوظا، وتراجعا في القدرة الشرائية للمواطن، وسط انتقادات كبيرة للمقاربات الحكومية التي وصفت بـ“الفاشلة”. حيث ظلت هذه المقاربات حبيسة أفكار تقليدية قائمة على اعتماد إجراءات تقشفية زادت من أعباء المواطن، دون أن يكون هناك أي معالجة حقيقية للوضع الاقتصادي.

ويقول المحلل السياسي الأردني مالك العثامنة في تصريحات لـ“العرب” “هناك اليوم حالة احتقان غير مسبوقة في الأردن”.

مالك العثامنة: هناك شعور عام في الأردن بوجود ثأر من نوع خاص مع تيار الإسلام السياسي

ويضيف المحلل أن “الأردن شهد احتقانات كثيرة ولكن ما يميز الاحتقان الأخير كونه خارج الطاقة الاستيعابية للدولة ككيان، فيما لو انفجر أو تجاوز مداه”.

فوصول المديونية إلى حاجز يتجاوز الـ31 مليارا مع زيادة نسبة البطالة إلى 13.8 بالمئة بعد سنوات تقشف اقتصادي طويلة، وحزم إجراءات اقتصادية ضيقت على معيشة الناس، كلها عوامل تمهد لانفجار هذا الاحتقان.

ويعتبر مالك العثامنة أن هذه الوضعية تعكس في جوهرها إخفاقا في مؤسسات الدولة ووجود خلل كبير يعرفه الناس جميعا يتعلق بعدة محاور أولها الفساد المستشري وهدر المال العام، والاختلالات الاقتصادية الناجمة عن سوء إدارة الموارد.

ولا يبدي المحلل السياسي الأردني أي تفاؤل بوجود تغيير في الأفق في المقاربات الحكومية قائلا “السياسة الحكومية الراهنة مشوبة بعدم الثقة في جديتها أولا وفي شفافيتها ثانيا، خصوصا في ظل وجود مجلس نواب تخلى عن مسؤوليته الرقابية بعد أن رهن مسؤوليته التشريعية لحسابات ومصالح القوى السياسية في الأردن”.

ويتولى عبدالله النسور رئاسة الحكومة الأردنية منذ أكتوبر 2012، وقد شهد الأردن خلال سنتي 2011 و2012 أكثر من 3 حكومات، على خلفية الاحتجاجات التي شهدتها المملكة في تلك الفترة والتي كادت أن تسقطها في عهد من عدم الاستقرار والفوضى. ويخشى اليوم فعليا من تكرار هذا السيناريو، في ظل توفر عناصر “الانفجار الشعبي” والذي لن يكون هذه المرة كسابقاته بالنظر للوضع الإقليمي المتفجر بطبعه.

ويقول الناطق باسم المعطلين عن العمل في محافظة معان جنوب عمان، خالد أبودية، إن العام الجديد سيشهد بدون شك اعتصامات متواصلة إلى أن يحصل المعطلون على حقهم في الوظيفة، موضحا أن محافظة معان، شهدت عدة اعتصامات واحتجاجات منذ 4 سنوات، وسيواصل المعطلون الاعتصام إذا لم تستجب حكومة عبدالله النسور لمطالبهم.

ويرى متابعون أن تحميل مسؤولية ما يعانيه المواطن الأردني فقط إلى الحكومة يبقى أمرا مبالغا فيه، فهناك العديد من الأطراف التي تخلت عن مسؤوليتها، على غرار المعارضة الوطنية التي ركنت إلى الراحة والخمول دون أن تخلق أدوات ضغط لتحسين أوضاع الناس.

أما جماعة الإخوان فوضعها لا يقل سوءا، حيث أنه ورغم عملية “استعراض العضلات” التي قام بها الرجل الثاني في الجماعة زكي بني ارشيد عقب خروجه من السجن، وحديثه عن مبادرة لتشكيل “جبهة وطنية تحررية” ضد ما اسماها “سياسات النظام”، إلا أن محللين يرون أن هذا أمر مبالغ فيه.

فجماعة الإخوان اليوم في الأردن في وضعية جد متأزمة في ظل الانقسامات التي تعصف بها، هذا فضلا عن نفور الشارع الأردني من خطابها، نتيجة متابعته لتجارب باقي فروع الإخوان بالمنطقة.

ويقول المحلل السياسي الأردني مالك العثامنة لـ“العرب” “لا أعتقد أن الحركة الإسلامية قادرة على قيادة الشارع كما كانت إلا بعد أن تقدم إجابات كثيرة للشارع نفسه، وهو شارع بأغلبه محتقن ضد الإسلام السياسي، وهناك شعور جمعي عام في الأردن بوجود ثأر من نوع خاص ووجداني مع التيار عموما بعد عملية إعدام الطيار معاذ الكساسبة”.

وفي ما يتعلق بتصريحات بني ارشيد يعتبرها العثامنة “غير بعيدة عن شخصيته الصدامية كسياسي يريد العودة لقواعد اللعبة، وهي تصريحات مبالغ فيها، خصوصا دعوته لتشكيل مبادرة وطنية جامعة في الأردن، فحين يقول قيادي إخواني إن المبادرة سترفع من شأن الوطن وتعلي من قيمته وسيادته، فهو أشبه بتعريض في تلك السيادة، متناسيا تبعية الإسلام السياسي والإخوان أنفسهم لقوى إقليمية خارج الإطار الوطني الأردني”.

ولم يخف العثامنة تفاؤله بولادة معارضة قادرة على فرض نفسها، قائلا “أتلمس وجود معارضة أردنية ناشئة، أقرأها وهي تتصاعد في وسائل التواصل الاجتماعي، وتتحدث بمفهوم يتجاوز ثنائيات السياسة التقليدية من صراعات بين ليبراليين وحرس قديم”.

2