الأرستقراطيون في العالم العربي.. جماعة واهمون أم فرسان يترجلون

الأرستقراطيون العرب موجودون رغم كثرة الحديث عن انقراضهم أمام عواصف وتغييرات سياسية واجتماعية وثقافية عديدة، فالحقيقيون منهم لهم بصمتهم الخاصة وحضورهم المبهج في محافل كثيرة، حتى في الفنون السينمائية كيوسف وهبي وعمر شريف، أمّا “المزيفون” والمدعون فهم كثيرون مثلما تدل عليهم الطرفة التالية: التقى شابان من عائلتين إقطاعيتين تتوارثان المنافسة. قال الأول للثاني “هل تعلم أننا حفرنا في أرض جدي عمق مترين، فوجدنا بقايا عواميد خشب، وهذا يدل على أن عائلتي عرفت الهاتف منذ مئة عام؟”. رد الثاني “هل تعلم أننا حفرنا في أرض جدي عمق عشرين مترا ولم نجد شيئا.. وهذا دليل على أن أسرتي قد عرفت اللاسلكي والموبايل منذ مئتي عام؟”. هذه الحادثة على بساطتها_تذكرنا بقول الشاعر “قبلهم لم يكن هناك قبل ابتداء التاريخ من يوم جاؤوا”. وإنها عقدة الريادة لدى الكثير من العرب، وكأن الأشياء لا تكتسب مشروعيتها، إلا إذا كنا السباقين إليها وقس على ذلك من فنون وآداب وغيرها. لماذا، وعلى من هذه المزايدة؟ أليست الحضارة الإنسانية ملكا للجميع وقد ساهمنا فيها بقسط مشرف ووفير؟ فلماذا نفسد بهذا الاستعلاء ما قدمناه للبشرية فينقلب علينا الأمر ويصبح الآخرون مشككين في كل ما أعطيناه وقدمناه للحضارة البشرية؟
الثلاثاء 2016/09/27
زمن الباشوات

الأرستقراطية، في عمومها، تسمية لطبقة اجتماعية تتمتع وتمتاز بالبعض من الصفات الخاصة، وهي تمثل الأقلية، وهي كلمة يونانية الأصل وتعني حكم الأفضل، وهذه الصفة متوارثة حتى هاجمتها الثورة الفرنسية. صارت لفظة الأرستقراطية تشير إلى جميع العائلات الإقطاعية في إنكلترا، فرنسا، وروسيا، وتشير إلى القوة والسلطة وصارت نمطا من أنماط الحياة في العالم.

تعني أن الحكم يكون بواسطة خير المواطنين (الطبقة الذهبية) لصالح الدولة أي سُلطة خواص الناس، وسياسيا تعني طبقة اجتماعية ذات منزلة عليا تتميز بكونها موضع اعتبار المجتمع، وتتكون من الأعيان الذين وصلوا إلى مراتبهم وأدوارهم في المجتمع عن طريق الوراثة، واستقرت هذه المراتب على أدوار الطبقات الاجتماعية الأخرى، وكانت طبقة الارستقراطية تتمثل في الأشراف الذين كانوا ضد الملكية في القرون الوسطى، وعندما ثبتت سلطة الملوك بإقامة الدولة الحديثة، تقلصت صلاحية هذه الطبقة السياسية واحتفظت بالامتيازات النفعية.

ونتيجة لعدم تأصّل مفهومي الأرستقراطية والبرجوازية في العالم العربي، فإنّ الكثيرين يخلطون بينهما، أي بين الأرستقراطية والبرجوازية التي هي طبقة أصحاب رؤوس الأموال والحرف، والتي تمتلك القدرة على الإنتاج والسيطرة على المجتمع ومؤسسات الدولة للمحافظة على امتيازاتها ومكانتها بحسب نظرية كارل ماركس، وهي الطبقة المسيطرة والحاكمة في المجتمع الرأسمالي، كما أنها طبقة غير منتجة لكنها تعيش من فائض قيمة عمل العمال.

يقول برنارد لويس، البريطاني المتخصص في تاريخ الإسلام “ربما يكون أعمق وأصح وصف للإسلام أنه دين المساواة، فلقد كان العالم وقت ظهور الإسلام يضج بالطبقية، فإيران المجوسية يحكمها نظام طبقي صارم ودقيق، والهند يحكمها نظام طبقي قاس ومغلق، والغرب تحكمه أنظمة الطبقات الأرستقراطية الموروثة من الإغريق والجرمان”.

وقد تصدى الإسلام للطبقية نظريا وعمليا، وظلت الأرستقراطية الإسلامية في وضع لا تستطيع معه الظهور، وتبدلت الطبقات الحاكمة كثيرا، ولم تكن في البلاد العربية وفي الدول الإسلامية ألقاب وراثية باستثناء الألقاب الملكية، وألقاب الحكام.

يهبون البقشيش ويبخلون بثمن الوجبة

ظل دونكيشوت النموذج الساخر لعصر الفرسان في أوروبا

كان الصديق الدمشقي عزمي موره لي، ذو الأصول التركية أحد أهم من يكتب بالفرنسية وأرستقراطيّا في كّل شيء –حتّى في ابتسامته ـ إذ لم نشاهده يوما يضحك.. حفاظا على هيبته، فهو كثير الجدية ودائم التجهم والعبوس إلى حد التكشيرة، وكأنما اشتم لتوه رائحة كريهة. قلت له يوما مستغربا من تجهّمه الدائم “أغلب الظنّ أنّك تعود إلى مزرعتك مساء، تغلق الباب على نفسك كمن يغيّر ملابسه وتضحك”، فابتسم ربع ابتسامة، أظنه ندم عليها في ما بعد. وبمناسبة الحديث عن مزرعة عزمي باشا، فإنه كلما كان يدعونا إليها، يجعلنا نتضور جوعا في انتظار الأطباق، وهو يحدثنا عن مآثر العائلة في إسطنبول ويستعرض ألبومات صوره في فيينا وباريس، ثم يأتي الطعام القليل في الصحن الكبير على يد خادمه ذي القفازات البيضاء والبدلة السموكن في طقوس خاصة.

همس لي عزمي باشا مرّة بـ”أنه سيموت احتجاجا على غياب الأناقة”. العرب البدو لهم طقوسهم أيضا، والتي يحملونها معهم في المدن والحواضر، وأذكر أنّي ارتشفت فنجان القهوة المرّة في مجلس عزاء في الأردن، وورفعت صوتي متباهيا بإتقاني لهذا الطّقس قائلا “دايمة يا جماعة”، ومن حسن حظي أنهم فهموا “قلة حيلتي اللغوية” فاستقبلوا الأمر بابتسامة أعقبها درس مجاني في “أدب العزاء” وضرورة ألا تدعو بـ”دوام النعمة” في مأتم.

يحتار المرء في التصنيف الفئوي للمجتمع وفق الضوابط والمعايير الكلاسيكية المعتمدة في الغرب، فالمجتمعات العربية في أغلبها تنتمي إلى ما أطلق عليه مجازا “شبه الشبه”، والاستثناء فيها يكاد يغلب القاعدة، إذ هي مجتمعات شبه مدينية وشبه ريفية، وتحوي طبقات شبه برجوازية وشبه إقطاعية، كما أنّ اقتصادياتها شبه ريعيّة وشبه رأسمالية، وهلمّ جرّا من هذه القراءات المحيرة.

المكانة الاجتماعية المرموقة تفرض أو تدفع إلى سلوكيات المروءة، فهي جماع خصال الأرستقراطية القبلية كما عرفها المجتمع العربي

الأرستقراطيون، وفي أصلهم التاريخي، يمثلون طبقة امتلكت السلطة والنفوذ عبر وهم وأكذوبة “الدم” بالمعنى التوريثي البحت، وعبر حمل اسم العائلة التي تكون لها امتيازاتها على حساب غيرها من العائلات. أمّا البرجوازيون فهم الذين قادوا الثورة الفرنسية التي بدأت بصغار العمال والحرفيين ليتحولوا في ما بعد إلى طبقة تعيش على استغلال جهد الآخرين في الإنتاج لمصلحتها، وعملت على تكديس الثروات والتحكم بالأموال، وبالتالي التحكم في سلطة المجتمع الرأسمالي كحال الكثير من أثرياء هذا العصر.

المشكلة أنّ هاتين الفئتين ( الأرستقراطية والبرجوازية) لهما إرث حضاري ومخزون ثقافي في العالم الأوروبي رغم السجلات السوداء، أمّا في البلاد العربية فلا يمثلان سوى حالات منبتّة وهجينة عن محيطها الاجتماعي والثقافي. الأرستقراطية عند العرب، ارتبطت في قسم كبير منها ببقايا الإقطاع والظلم والاستبداد، فأصحاب هذه الصفة، هم في أغلبهم من محتكري الأراضي الزراعية ومالكي العقارات، وأصحاب الامتيازات من أيام النفوذ العثماني، وقد حصل الكثير منهم على الألقاب والتسميات بـ”فرامانات” من السلطة والمقربين من “الباب العالي”، وذلك إما بواسطة المال والمحسوبيات وإما مقابل خدمات ذات طابع انكشاري، وهي في أغلبها مطعونة في أخلاقياتها.

يكاد يتفق الدارسون على أنّ غالبية الأسر التي باتت تصنّف كأرستقراطية في العالم العربي، ليست من أصول عربية، فهي من الأقاليم التي بسط العثمانيون سلطتهم عليها كبلاد القوقاز والألبان والأرناؤوط والبوشناق وغيرها. رافق أجداد هؤلاء (الذين دخلوا الإسلام متأخرين) الأتراك العثمانيين والتحقوا بخدمتهم مرغمين ومخيرين، سواء في المجال الحربي وحرس التشريفات أو في المهمات والخدمات الخاصة داخل قصور السلطنة، حتى أنّ أكثرية ألقابهم تحمل نوعية وظائف وأعمال يراها العرب ـ والبدو على وجه الخصوص ـ في مجملها “وضيعة ولا تليق بمقام الأعيان وأشراف القوم”.

ولعلّ أكثر من فضح الأرستقراطية هو واحد منها وهو تولستوي في رائعته “آنا كارنينا” التي تحمل سردا لأغوار القضايا الاجتماعية والفلسفية والأخلاقية لروسيا القيصرية وطبقتها الأرستقراطية، وذلك في سبعينات القرن التاسع عشر، والرواية رحلة في رحاب طبقة النبلاء الذين دعوا إلى نظام القن لينتقلوا من النظام الإقطاعي القديم إلى الأرستقراطي الجديد، هذه الفئة من الناس مريضة بمرض الطبقية، مرض النبل، مرض الدم المختلف، نماذج بشرية مهتزّة وغير سويّة فيأخدها في صراعات كثيرة بين القلب والعقل، بين الحب والواجب، بين القديم والجديد، بين العبودية والحرية، بين الظلم والعدالة والطبقية والمساواة. نشر مرشح الحزب الجمهوري للانتخابات الرئاسية الأميركية دونالد ترامب، صورة على صفحته الرسمية في تويتر وهو يتناول وجبة سريعة من الدجاج بالشوكة والسكين، مما أثار سخرية الكثير من المتابعين.

يتمثلون الفروسية دون حاجة إلى دماء زرقاء

الخيل عنوان أرستقراطية العرب حتى وإن ترجلوا

قال أرستقراطي لأحدهم “ما حاجتك إلى ‘الإيتيكيت’؟، إنّها لا تخصّ أمثالك من الفقراء، غريب أمرك، كيف تعرف كل تفاصيل الأرستقراطية وأنت لا تنتسب إليها ولا تمتلك مفرداتها؟”. أجاب “نعم سيّدي، أنا أعرف أكثر من طريقة، وفي أكثر من مناسبة، لعقد ربطة العنق ولا ألبسها، أتذوق أفخم أنواع السيجار وأتقن تقليمها بالمقصّ الدائري وإشعالها بورق الصنوبر وتدخينها مع المشروب المناسب مرتديا بدلة (السموكن) التي جعلت في الأصل لتمييز المدخّنين في الحفلات الأيرلنديّة..هل تعلم؟

أعرف أنّ المرأة يجب أن تسبقني في الدخول، وأتقن بعض اللغات ونزع قبّعتي تحت السقوف، والوقوف والانحناء لسيّدة وتقبيل ظاهر يدها. نعم سيّدي أميّز بين الكافيار الروسي والكافيار الإيراني وبين مشروبي “الأبيريتيف” و”الديجستيف”. نعم سيّدي، أعرف كيف أخفي حزني في الأفراح وأظهره في الأتراح، وأكتم ضحكتي في المآتم، ألاعب الأطفال ـ حتى الغلاظ منهم ـ أمام آبائهم وأنصت إليهم، ولكن من ينصت إلي؟ يبدو أنّ الأموال تصيب أهلها بالطرش أمّا الفقر فيصيب بالبحّة والسخرية من الذات”.

الأرستقراطية بمفهومها الغربي المتعارف عليه في العصور الحديثة، تعادل عند العرب قيمة “المروءة”، والمروءة هي القيمة المركزية في الموروث العربي الخالص، ويعدها ابن قتيبة، وهو المصدر الأول في الفكر الأخلاقي العربي، في المرتبة الثالثة في الهرم الاجتماعي بعد الحرب والسلطان. وكانت الأرستقراطية الأموية عربية متعصبة لعروبتها، وقد جعلت من المروءة بوصفها “أخلاق الدنيا” تراثا عربيا خالصا يعبر عن الأخلاق العربية قبل الإسلام وبعده..

يجمع مفهوم المروءة في الذهن العربي الخصال المحمودة كلها، ويمنع من جميع الصفات المذمومة، فالحديث عن المروءة هوعرض القيم التي تكثر بها الإشادة في الموروث الثقافي العربي ولدى مرجعياته. وكان من صيغ الفتوة وتجلياتها في الحياة العربية ظاهرة الصعلكة والتي كانت قائمة على الغزو والسلب من الأغنياء الأشحاء وتوزيع الغنائم على الفقراء والمحتاجين، واستمرت الظاهرة إياها في صيغ وحالات مختلفة في العصور المتوالية، وعنها انتقلت الفروسية إلى أوروبا. المكانة الاجتماعية تدفع إلى سلوكيات المروءة، فهي جماع خصال الأرستقراطية القبلية كما عرفها المجتمع العربي. أطلعنا حفيد أحد النبلاء على ما كتبه في جده طالبا عدم ذكر الاسم والعائلة:

هنا سرجك يا جدّي، يجترّ الصهيل ويمتطيه النسيان والغبار …هل أوشك أن يركبه النهيق؟

الأرستقراطية لها إرث ومخزون ثقافي في العالم الأوروبي، أما في البلاد العربية فلا تمثل سوى حالات منبتة وهجينة عن محيطها الاجتماعي والثقافي

هذا مقام عشقك ..قبل دولة الاستقلال وبعد فوات الأوان.. جدّي ..لك الخيول ولهم نقع الغبار، لك الشفاه ولهم الكلام، لهم فقاع الموج ولك عمق البحار.

أيّها الذي ألقى بنسله في وجه الريح كحفنة من بذار، كسهم من ذهب..لما الأقلام ساعة تخونك الأوراق، لما القبور ساعة تنام على غيظها ولا يعتبر منها أحد.

هذا سرجك يسقط نحو عليائه ويكبو الحصان، مثل كاف تشبيه أو همزة تهوي من فوق “ألف النداء”.

امتطت سرج جدّي أجمل الحبيبات، طاردته الدسائس ولاحقته عيون و طلقات …لكنّه لم يكن يوما إلاّ لجدّي.

السرج يقبع الآن صامتا في بيت الأحفاد الباحثين عن توازنهم في نشرات الأخبار، وبرادع الكلام المستعار.

أيّها الرجل الذي أوشك أن أكونه ويا شهيّ العناد، علّمني ثانية أنّ الرجولة طيران فوق أعشاش الجبناء وأنّ الحبيبة هي أمامك وإن كانت خلفك تمسك بالخاصرة والعهد.

جدّي أين اختفيت ..لا تلعب معي ثانية ..إني مللت!

أسمع صوتك يهمس من خلف برودة الرخام “سر، إنّي وراءك وأحرس ظهرك يا حبيبي”.

سألنا عم صاحب السطور السابقة، والذي يعرف في بلدته بـ”آخر النبلاء الأرستقراطيين” عن فهمه لهذه الأرستقراطية العربية، فأجاب “كان الأجداد يعرّضون خيولهم للعطش زهاء مئة يوم وأكثر، يحبسونها في الزرائب دون رحمة ثم يطلقونها للأنهار والينابيع، وبعد أن ترد الماء، تنتقم لحبسها، ولا تعود منها إلاّ الأصائل، فيطعمها أصحابها أفخم العلف ويسقونها أسلس المياه وأعذبها ثمّ يصنعون لها حدوات من الذهب الخالص، تلمع تحت شموس الظهيرة وأمام عيون الأعداء، وعند الأسر تركل الخيول مغتصبيها بحوافر من ذهب ثم تعود إلى البريّة غير آبهة ولا آسفة على عطشها”.

12