الأرض لا تدور

الأربعاء 2015/02/25

مفارقة غريبة أن يخرج علينا داعية ديني من بني جلدتنا ليؤكّد أن الأرض لا تدور، فيتزامن تصريحه المنشور في 15 فبراير مع الذكرى رقم 451 لميلاد غاليليو غاليلي، الذي اكتشف في العام 1605 أي قبل 410 أعوام بالتمام والكمال أن الأرض ليست مركز الكون كما كانت البشرية تعتقد عبر آلاف الأعوام، وإنما هي كوكب صغير يدور حول الشمس.

وقد كانت النتيجة أن ذهب بعض خصوم غاليلي إلى الكنيسة الكاثوليكية ليشتكوه إليها بتهمة الإتيان بما يتنافى مع ما جاء في الكتاب المقدس، فدعي إلى روما وحذرته الكنيسة من العودة إلى تلك الأفكار وإلا ناله عقاب شديد، فاختار الصمت لمدة 16 عاما، قبل أن ينشر معلومات اكتشافه في كتاب، مؤكدا أن ذلك لا يتعارض مع الكنيسة، وكانت النتيجة هذه المرة أن دعته الكنيسة إلى التصريح علانية بأن الأرض ثابتة لا تدور، وأنها لا تتحرك أبدا، وفي العام 1632 خضع لمحكمة التفتيش بتهمة الهرطقة، فحكم عليه بالسجن ثم بالإقامة الجبرية في بيته حيث توفي يناير 1642.

رحل غاليلي وبقيت الأرض تدور وتأكد العالم من أنها تدور، وجاءت الأقمار الاصطناعية وصورتها وهي كرة تدور، ومع ذلك مازال فينا وبيننا من يكذّب كل النظريات العلمية، ويعود ليعلن أمام طلبة جامعيين أن الأرض لا تدور وكل ما قيل بهذا الشأن مجرد قصص تم نسجها في هوليوود، وفق تعبيره.

قدمت الكنيسة اعتذارا لغاليليو عام 1983، وفي 31 أكتوبر 1992 قدمت الهيئة العلمية تقريرها إلى البابا يوحنا بولس الثاني، الذي قام على أساسه بإلقاء خطبة، وفيها قدم اعتذارا من الفاتيكان على ما جري لغاليليو غاليلي أثناء محاكمته أمام الفاتيكان عام 1623، وحاول البابا إزالة سوء التفاهم المتبادل بين العلم والكنيسة وأعاد الفاتيكان في 2 نوفمبر 1992 لغاليليو الاعتبار رسميا، وتقرر عمل تمثال له فيها.

أما داعيتنا المحترم فيرى أن كل ما قيل عن دوران الأرض مجرد خرافة، وما قيل عن نزول الإنسان فوق سطح القمر ليس أكثر من فيلم من أفلام هوليوود، ومثله ظهر داعية معروف ليقول إن القمر ليس في السماء لذلك ربما وصل إليه الإنسان لأن السماء محرمة على الإنسان، وهو كلام لا يبتعد كثيرا عما يدرسه الطلبة في جامعة إسلامية عربية معروفة من أن الرعد ملك والبرق أجنحة له.

وبمثل هذه الأفكار لا يمكن للتطرف إلا أن يكون ردة فعل متشنجة على تصادم مع تطورات العلم من قبل الراسخين في تراث تجاوزه العقل والمنطق وبات من الضروري إعادة النظر فيه حتى لا يبقى الفارق في الزمن بيننا وبين العالم المتقدم هو ذاته الفرق بين اكتشاف غاليلي وتصريح داعيتنا المحترم.

24