الأرقام تؤكد أن معركة أردوغان لكسب ثقة المستثمرين بلا جدوى

شبهات فساد في حصر التسهيلات والحوافز بشركات محددة، والحكومة تريد ترقيع الاقتصاد بأي ثمن إلى حين إجراء الانتخابات.
الثلاثاء 2018/04/17
هدف واحد للسياسات الاقتصادية.. تمديد ولاية أردوغان

أعلن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان الأسبوع الماضي عن حوافز اقتصادية جديدة بقيمة 34 مليار دولار، أي ما يعادل 3.8 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. والهدف المعلن هو عزيز النمو وزيادة معدلات التوظيف من أجل تشجيع الاستثمارات.

المثير للقلق في تلك الحوافز لا يكمن في سخائها وتعارضها مع الحقائق الاقتصادية، بل في أن الحكومة اختارت قائمة محددة تضم 23 شركة لتنفيذ 19 مشروعا. ولم تختر قطاعات محددة كما تقتضي معايير الشفافية، لتبقى مقاييس وآليات اختيار الشركات سرا.

ويتسع القلق حين تشمل تلك الحوافز خصومات في ضرائب الشركات تعادل ضعف قيمة الاستثمارات المنفذة، وإعفاءات من الرسوم الجمركية وأقساط التأمين، وهو ما يثير انتقاد الخبراء والشركات المحرومة من تلك الحوافز.

ويقول أردوغان إن الإجراءات وضعت لتقليص عجز ميزان المعاملات الجارية بنحو 19 مليار دولار من خلال تعزيز الصادرات بما يصل إلى نحو 6.3 مليار دولار وخفض الواردات بواقع 12.3 مليار دولار.

لكن أردوغان امتنع عن ذكر الموعد الذي ستظهر فيه آثار الإجراءات، في وقت يتجه فيه عجز ميزان المعاملات الجارية لبلوغ مستوى 7 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي هذا العام ارتفاعا من 5.5 بالمئة العام الماضي، والناتج أصلا عن الإفراط في الدعم الحكومي للطلب المحلي.

23 شركة اختارتها الحكومة دون غيرها للحصول على حوافز مالية سخية بقيمة 34 مليار دولار

وستتلقى الشركات ذلك الدعم، مثل السبعة مليارات دولار المخصصة لشركة ميتكاب للطاقة وشريكها القطري، دون الإعلان بشكل واضح عن معلومات تفصيلية بشأن خططها الاستثمارية، إضافة إلى أن الحكومة لم تكشف آثار تلك الحوافز على العجز المالي المتنامي.

ومما لا شك فيه أن مؤشرات الاقتصاد الكلي التركية خارج السيطرة كما هو واضح من معدل التضخم الذي يتجه صوب نطاق ما بين 12 و15 بالمئة، وهبوط الليرة الذي لا يتوقف، وتكلفة الاقتراض (العائد على السندات) الذي يقترب من مستويات غير مسبوقة عند 15 بالمئة.

في الأجل القصير، ستفاقم تلك الحوافز بالتأكيد العجز في ميزان المعاملات الجارية، حيث ستحتاج الشركات المختارة إلى شراء المزيد من الواردات الوسيطة من الخارج لاستكمال المشروعات.

هناك مغامرة غير محسوبة العواقب في زيادة الأعباء المالية الثقيلة على الموازنة الحكومية بهدف تقليص العجز في ميزان المعاملات الخارجية في الأجل المتوسط والطويل.

ويمكن استنتاج أن الإجراءات المعلنة قد تفقد فعاليتها بمرور الوقت ما لم تعد الإدارة الاقتصادية التركية من جديد إلى طريق أكثر معقولية في التعامل مع التحديات الاقتصادية في الأجل القصير.

ويبدو أن تركيز الحكومة سيكون على خفض أسعار الفائدة، الذي تعتقد مخطئة أنه سبب التضخم. ويقول يغيت بولوت، أحد مستشاري أردوغان الكثيرين، إن هناك خطوات تستهدف سوق الإسكان بعد تراجع الطلب على الرهن العقاري بعد أن تخطت أسعار الفائدة الشهرية حاجز الواحد بالمئة.

والخطاب الذي لا يتوقف عن خفض أسعار الفائدة من أجل تحفيز النمو وخفض التضخم بعيد المعاناة الحقيقية للاقتصاد التركي إلى درجة تجعل الاستماع إليه من الدوائر الحكوميـة مرارا وتكرارا أمرا مفجعا.

وكذلك الحال أيضا بالنسبة لحوافز الاستثمار المعلنة، التي كان يفترض طرحها ضمن إصلاحات ضرورية جدا بين عامي 2009 و2012. وكان يتعين طرحها على نحو أفضل من حيث التخطيط والشفافية حين كانت هناك وفرة مالية يمكنها تحمل هذه الأعباء.

تصريحات محافظ البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة والتضخم تفاقم قلق المستثمرين
تصريحات محافظ البنك المركزي بشأن أسعار الفائدة والتضخم تفاقم قلق المستثمرين

الآن، حين يأتي القليل جدا من الدعم للقطاع الحقيقي في وقت متأخر جدا، لا يمكن لأحد أن يحدد ما إذا ستكون هذه الشركات المختارة قادرة على إكمال مشاريعها بعد أن حصلت على هذه الموارد المالية في ظل العواصف التي تضرب الاقتصاد التركي بقوة متزايدة.

وفي وقت تتفاقم فيه أعباء الدين الخارجي والهبوط المستمر في قيمة الليرة. تواصل الحكومة تحييد دور البنك المركزي والضغط عليه كي لا يرفع أسعار الفائدة وهو إجراء ضروري لوقف نزيف الليرة.

وأصبح من المستحيل تقريبا توقع المسار المستقبلي للاقتصاد التركي ولا مجال أمام القطاع الحقيقي للمضي قدما في الاستثمار قبل أن تستقر الليرة. ويبدو مستقبل الأوضاع المالية للبنوك التركية قاتما في ظل الأخبار عن تقديم بعض من أكبر الشركات التركية بطلبات لإعادة هيكلة ديون بمليارات الدولارات راكمتها منذ عام 2010.

كما أن الكثير من الشركات الصغيرة والمتوسطة تتعرض لضغوط مماثلة جراء ديونها المرتفعة وتستعد لتقديم طلبات مماثلة للبنوك لإعادة هيكلة ديونها على نحو يمكنها من مواصلة نشاطها.

وسوف يعني تمديد آجال استحقاق القروض أن أسعار الفائدة المرتفعة الحالية ستتسلل إلى الديون المعادة هيكلتها، ما يزيد صعوبة سداد الأقساط مستقبلا في وقت يتجه فيه الاقتصاد إلى تحمل المزيد من المعاناة بسبب سوء الإدارة الحكومية للاقتصاد.

بالتأكيد ستعطي الحوافز الحكومية الكبيرة للشركات التسع عشرة المختارة، لكن من غير الواقعي توقع أثر فوري على الصورة القاتمة للاقتصاد التركي. وسيحظى الأنظار اجتماع لجنة السياسات المالية للبنك المركزي في 25 أبريل بأهمية كبيرة.

وتتزايد الحاجة إلى زيادة كبيرة في أسعار الفائدة في وقت تتجه فيه الحكومة للدعوة إلى انتخابات مبكرة، لكن تصريحات محافظ البنك مراد جتين قايا قبل أيام والتي رجح فيها تراجع التضخم تدريجيا صوب مستوى 5 بالمئة المستهدف من البنك، لا تبعث على الكثير من الثقة في الليرة التركية بين المستثمرين، بل إنها لا تبعث على الثقة نهائيا.

10