الأرملة والشيطان

السينما ليست فيلما تراه بعينيك يجب أن تذهب إليها في بيتها المقدّس.
الجمعة 2021/04/16
الفراشة.. فيلم من زمن الذاكرة الجميلة

في التصفّحات الليلية وعزفها المنفرد، وقعتُ على كنز لا يُقدّم لك المعرفة وحدها، إنما يسرقك نحو عالم لن تنساه. يغذّي عينيك بصريا، ويقود ذاكرتك نحو أبطال فتوّتك. وستتذكّر تلك العتمة النبيلة، وخلائط من مواد عطرية كانت تتطاير في الهواء، وهمسات خافتة بين كل اثنين، ومن الخلف ستائر مخملية فيكتورية الطراز، ومعادن ثقيلة في قبضات الأبواب والكراسي ودرابزونات الألواج.

إنها صالات السينما. واللُقى التي فرحتُ بها كانت قد قامت إحدى الجامعات المهمة في العالم برعاية تصنيفها وحفظها، فهي آلاف أفيشات الأفلام القديمة، الملصقات، الإعلانات، والمزاج كلّه عبر الأزمنة، حيث أناقة الخطّاطين ورسامي الإعلانات والتزامهم بتقاليد لا يمكن للدنيا أن تقوم إلا عليها. والموقع غير مقتصر على الأفلام العربية وحدها، بل العالمية أيضا، فيمكنك أن ترى ستيف ماكوين وفراشة هنري شاريير وداستن هوفمان وغيرها من خيالات ذاكرتك.

وكلما بدأت البحث سيظهر أمام ناظريك ملصق فيلم ”الأرملة والشيطان“ لبركات ورفيق الصبّان. وإلى جواره ”بمبة كشّر“ لنادية الجندي وعماد حمدي وسعيد صالح، وموسيقى العملاق سيد درويش. وكنت أرى في حفلات الفيلم التي استمرت عامرة لسنوات بعد إنتاجه، كيف كان المتفرّجون يتسابقون ويتسلقون فوق أجساد بعضهم البعض أمام أبواب صالات السينما من أجل الحصول على تذاكر لحضوره، وكنت أخوض السباق معهم من أجل السينما، لا من أجل مشاهد الفيلم المهمة ثقافيا وحدها.

وحين تفتح الموقع في اليوم التالي سيقفز فيلم ”الأرملة والشيطان“ أمامك مجدّدا، قرب ”بنت الحارس“ لفيروز، و“حسناء البادية“ لسميرة توفيق، وستعثر على فيلم يجمع كلا من عبدالوهاب وفريد وشادية وصباح، عنوانه ”منتهى الفرح“. أما درّة تاج ”المنتجة“ نجوى فؤاد، فكانت فيلم ”ألف بوسة وبوسة“ الذي شاركت فيه نخب مصر كلّها، وستجد في ذيل عنوان الفيلم كلمة ”للأبطال“ كُتبت بخط صغير، كي لا يكتشف أحدٌ هل الفيلم من النوع الثقيل أم هو للفرفشة وحدها كما يوحي عنوانه.

السينما ليست فيلما تراه بعينيك وينتهي الأمر، يجب أن تذهب إليها، في بيتها المقدّس، وترى جلائلها المخملية وتصغي إلى الصمت الاختياري الذي يفرضه المتفرّجون على أنفسهم، وأن تشارك فيها حواسّك كلّها، بما فيها عضلات جسدك وفقرات رقبتك، وخدّك الذي يستند إلى راحة يدك، وقلبك الذي يشهق حين يظهر بطلك، أو حين يأكل الضربات ويكاد يُهزم، ولكنه لا يمكن أن يُهزم، مثل هذه الأفلام التي يخسر فيها البطل لا نحضرها ولا نشتري بطاقاتها.

ولهذا يجب أن نتحدى فايروس كورونا اللعين، والذوق الرخيص في السياسة والثقافة والحياة العامة والتكنولوجيا الحديثة وجميع مفاعلات اليأس وفقدان الذاكرة. فلا تتركوا السينما لتنتهي أرملة لشيطان.

 
24
مقالات ذات صلة