الأرمن في مصر ساسة وفنانون وملوك للتبغ

الاثنين 2015/04/27
يعرض الأرمن في مصر ذاكرة أجدادهم وما ورثوه من فنون

القاهرة- الجدل المتجدد حول توصيف مأساة الأرمن التي وقعت في عهد الإمبراطورية العثمانية في الحرب العالمية الأولى بين الجريمة الوحشية والإبادة الجماعية لفت أنظار العالم اليوم نحو تاريخ الأرمن المرتبط بالمآسي وصرفها عن ثقافة الأرمن وإبداعاتهم في الفنون وتراثهم الإبداعي الثري.

قبل أيام احتفلت الجالية الأرمينية في مصر بالذكرى المئة للمذابح التي تعرض لها أسلافهم على أيدي الأتراك، حيث تجمّع المئات منهم في نادي الجالية الأرمينية بحي مصر الجديدة (شمال القاهرة)، ودشّنوا معرضا جمعوا فيه بقايا تراث ومقتنيات أثرية لأجدادهم الذين جاءوا إلى مصر بعد مجازر العثمانيين ضدهم.

لورا، المنسقة العامة للاحتفالية، قالت لـ”العرب” إن هدف المعرض تذكير العالم بما تعرض له الأرمن عبر التاريخ.

وأرمن اليوم في مصر عاشوا واندمجوا مع المجتمع المصري وأثروا فيه كما تأثروا به وتعود بداية ظهورهم إلى الفتح الإسلامي، الذي شارك فيه بعضهم ممن أسلم تحت قيادة عمرو بن العاص، مثل القائد فارتان ردان الرومي آل أرماني.

ثم أصبح الأمير علي بن يحيى أبو الحسن أرماني أول حاكم أرمني لمصر خلال الخلافة العباسية (بين 226 هـ و234 هـ)، غير أن العصر الذهبي للأرمن كان في عهد الخلافة الفاطمية، بفضل بدر الجمالي، وهو مملوك أرمني استعان به الخليفة المنتصر عام 1073 لمساعدته في استتباب حكمه وكوفئ بتعيينه وزيرا.

الفاكهة المعروفة في مصر باسم "يوسف أفندي" أو الماندرين جاء بها إلى مصر يوسف أفندي الأرمني

وشهد تاريخ الأرمن في مصر منعطفا هاما خلال فترة حكم محمد علي باشا لمصر بين عامي 1805 و1848، بتولي بوغوص بك يوسفيان وظيفة ترجمان الوالي، ثم أصبح مستشاره الأول. وبلغ نجاحهم ذروته مع اختيار الخديوي إسماعيل لنوبار باشا نوباريان ليكون أول رئيس للوزراء في تاريخ مصر عام 1878.

وأوضح يوسف إدوارد (باحث قبطي) لـ“العرب” أن الأرمن في مصر يحاولون المحافظة على تراث أجدادهم، ورغم بعدهم عن السياسة واهتمامهم بالاقتصاد، إلا أنه برز من بينهم عدد من كبار الساسة في مصر.

أما في النواحي الفنية والاجتماعية فقد قدم الأرمن لمصر عددا من نجمات الفن بداية من الطفلة فيروز التي أسندت إليها أدوار البطولة المطلقة في العديد من الأفلام، قبل أن تبلغ العاشرة من عمرها، وامتد مشوارها الفني لمدة عشر سنوات مثلت في عشرة أفلام. وهي من أسرة أرمنية من حلب سوريا، ومولودة في القاهرة. وقد اشتهرت بقدرتها الفائقة على الاستعراض والغناء والتمثيل، وكذلك شقيقتها الفنانة الاستعراضية نيللي التي تعد رائدة في برامج الفوازير في شهر رمضان.

نيللي الفنانة المسيحية ذات الأصول الأرمنية قادت التغيير في برنامج الفوازير الرمضاني وجعلته استعراضا لافتا يجتذب آلاف المتابعين من مصر ومن العالم العربي وقد بثته العديد من القنوات التلفزيونية العربية على امتداد سنوات.

كما برزت الفنانة لبلبة والممثلة إيمان والمطربة أنوشكا واشتهرت في السنوات الأخيرة الراقصة صافيناز، جميعهن أبدعن في مجال الفنون والاستعراض والسينما وتركن بصماتهن الخاصة في عالم الفنون بمصر. كما تفوق أبناء الجالية الأرمينية أيضا في الحرف والصناعة والتجارة وخاصة تجارة التبغ، حيث أسس الإخوة ماتوسيان أكبر مصنع للتبغ في مصر، قبل نهاية القرن التاسع عشر، وقد احتكر إنتاج قرابة 90 بالمئة من السجائر في مصر والسودان.

وتألق الأرمنيون في مجال صناعة الأحذية، مهنة أخرى احتكروها طوال عقود بداية من كريكور بابازيان الذي كان الإسكافي الخاص بالعائلة المالكة ونخبة المجتمع المصري.

ومن الطرائف أن الفاكهة المعروفة في مصر باسم “يوسف أفندي” أو الماندرين يعود الفضل في زراعتها في مصر إلى يوسف أفندي الأرمني، الذي جلب معه شجيرات الماندرين من مالطا، لتزرع في بستان محمد على، وتصبح فاكهة شعبية أطلق عليها “يوسف أفندي” على اسم الرجل الذي عرّف المصريين بها.

هكذا سجل أرمن مصر حضورهم وإسهامهم في بناء تاريخ مصر القديم والحديث وتعاطوا مع مختلف النشاطات وأثبتوا وجودهم في مجالات السينما والحرف والفنون، القطاعات التي تتطلب صبرا وتركيزا، فضاء يستقطب مواهبهم ويبرز إبداعاتهم، هذا ما حدث في مصر التي تنظر إلى الأقلية الأرمنية فيها بعين الاحترام والتقدير.

ووفقا لإحصائيات السفارة الأرمينية في القاهرة لا يزيد عدد الأرمن المقيمين في مصر حاليا على 8 آلاف شخص، وهو رقم ضئيل مقارنة مع أعدادهم في السابق؛ وكانت أعداد الأرمن في مصر تزداد أو تنقص حسب الأحوال السياسية، حيث تسببت المذابح التي تعرضوا لها على أيدي الأتراك بين عامي 1896 و1915 في هجرة أعداد كبيرة منهم إلى مصر.

نيللي الفنانة ذات الأصول الأرمنية قادت التغيير في فوازير رمضان وجعلتها استعراضا يجتذب الآلاف من المتابعين

زوهرابيان جربويان، قال لـ”العرب” إنه وأسرته مستمرون في المطالبة بالاعتراف بالإبادة التي تعرضوا لها على أيدي الأتراك، وعودة جميع الممتلكات التي سلبت منهم، سواء كانت كنائس أو أديرة وممتلكات.

وبعد أن وصل حجم الجالية الأرمينية إلى ما يزيد على 40 ألفا في الأربعينات تقلص عددهم مجددا خلال فترة حكم الرئيس جمال عبدالناصر، حيث تم تأميم العديد من الشركات المملوكة لهم، الأمر الذي دفع بكثيرين للهجرة مجددا إلى الولايات المتحدة الأميركية وكندا وأستراليا.

ويتركز أبناء الجالية الأرمينية في محافظتي القاهرة والإسكندرية، باعتبار أن الأولى هي العاصمة ومقر الحكم الذي عمل كثيرون منهم في بلاطه لسنوات طويلة، والثانية كانت مدينة “كوزموبوليتية” مكان ينصهر فيه الكثير من أبناء الجاليات الأجنبية في مصر حتى قيام ثورة 1952.

ويحرص الأرمن المصريون على الاحتفاظ بهويتهم من خلال مدارسهم وكنائسهم، فتوجد أربع مدارس أرمينية معترف بها من وزارة التربية والتعليم المصرية، وتلعب دورا أساسيا في الحفاظ على اللغة الأرمينية عبر تدريسها كمادة أساسية طوال فترة الدراسة التي تمتد من الحضانة حتى الثانوية العامة.

وهناك 6 كنائس خاصة بالأرمن موزعة بين القاهرة والإسكندرية تتفق مع الكنيسة القبطية في العقائد، حسب ما أوضحه لـ”العرب” يونان مرقص (كاتب قبطي)، مؤكدا أن تلك الاحتفاليات ومشاركة البابا تواضروس الثاني في إحياء هذه الذكرى، تمهد لتعاون مشترك بين الكنائس المسيحية.

ويملك الأرمن كذلك عددا من الأندية الثقافية والرياضية وعددا آخر من الجمعيات الخيرية ودار للمسنين. كما توجد صحيفتين يوميتين باللغة الأرمينية واحدة باسم “أريف” والثانية باسم “هوسابير” بالإضافة إلى إصدار ملحق شهري باللغة العربية لجريدة “أريف”. ويوجد قسم أرمني بالإذاعة المصرية يتم بثه على شبكة البرنامج الأوروبي يعمل على تعريف مصر وشعبها وحضارتها وثقافتها وإنجازاتها للأرمن.
12