الأزبكية

الخميس 2017/01/05

ناصر عراق كاتب صحافي مصري قبل أن يكون روائيا مع أنه أصدر بعض الروايات “أزمنة من غبار” 2006، “من فرط الغرام” 2008، “تاج الهدهد” 2012، “نساء القاهرة” 2014، “العاطل” التي وصلت إلى القائمة القصيرة لجائزة البوكر، وما بين الصحافة والسرد الروائي توجد مشتركات لغوية على الأقل، وهناك من لا يرى وجودها أصلا بتقدير أن لغة الصحافة مباشِرة وتقريرية لا تصلح أن تكون لغة سرد، وبالتالي فمهمّة ناصر عراق مهمة متداخلة في هذا السياق لم تلفت الأنظار إلى تجربته الروائية كثيرا، غير أنه استقطب القراءة بنجاح بعد فوز روايته “الأزبكية” بجائزة كتارا لا لأن الرواية حازت على مرتبة متقدمة فيها، بل لأن ناصر عراق صدّر نفسه كروائي لا علاقة له بلغة الصحافة التي تثير الجدل في مهمة سردية متداخلة، فكان عراق روائيا من طراز جيد أفصحت عنه “الأزبكية” بطريقة بارعة تقنياً وموضوعياً بالرجوع إلى التاريخ المصري الحديث في حملة نابليون المعروفة على أرض النيل وما تركته من تداعيات اجتماعية وسياسية في عصر مصري مدوّن بشكل وثائقي وأدبي لا يمكن أن يكون غيره في الأحوال كلها.

“الأزبكية” رواية شخصيات مرسومة بدقة وعناية حينما تنفتح على عصرها الاستعماري بوجود شخصيات حقيقية أملتْ على التاريخ حضورها ووجودها بشتى أنواعه كنابليون بونابرت وعبدالرحمن الجبرتي والباشا محمد علي مثلما هناك شخصيات محايثة إلى هذه الشخصيات الحقيقية استدرجها المؤلف من الخيال بواقعيته المحلية، واستنبطها من الروح المصرية الشعبية كأيوب وشلظم ومسعدة وغيرها من الشخصيات التي انتمت إلى واقعيتها المصرية وشكلت نسيجا اجتماعيا لا يمكن أن يمر من دون أن تستوقف المتلقي لمهارة رسمها ودقة فاعليتها في مجريات الأحداث الواسعة التي بدأت بحملة الفرنسي نابليون بونابرت وتشظت إلى مساحات أوسع لتشمل كل مصر وهي تقاوم الاستعمار الفرنسي من خلال هذه الشخصيات الفريدة في نزوعها الوطني.

على نحو ما تذكرنا الأزبكية بروايات نجيب محفوظ في حاراته الشعبية وبشكل آخر نستقدم روح السودان الشعبية في رواية “أرض السودان بحلوها ومرها” للسوداني أمير تاج السر وهذه من روايات الشخصيات التي تكاد تكون نادرة في السرد العربي الحديث من حيث رصد الشخصية ورسمها رسماً كلياً لا يفترق عن روح مكانها وزمانها، إذ تلتصق بمحيطها وأجوائها فتعبّر عن روحه واختلاجاته المحلية لتكون قادرة على الاستمرار في البث السردي من دون أن تكون طارئة عليه.

الأزبكية رواية شخصيات من هذه الزاوية، فكل شخصية لا تغادر سردها حتى النهاية، بمعنى أن المؤلف وزع أدوار سرده على سرديات صغرى تتنامى حدثياً بمعالجات فنية ضامنة لتشكيل بؤرة سردية جوهرية وصولا إلى سرديات أكبر في معاينة الواقع المصري خلال تلك الحقبة المضنية من التاريخ المصري. خطان متوازيان في الأزبكية يعالجان الواقع والخيال في رمزياته المتعددة، فالواقع نابليوني محض والخيال الروائي في سرده المتعاقب خلق آخر لجيل مصري امتلك الكثير من وسائل الدفاع عن وجوده وكيانه الشخصي لكنه ليس خيالا معزولا عن الواقع بكل تجلياته إنما هو خلق روائي نظن أن ناصر عراق وفق كثيراً في تقريبه إلى صورته الأصلية مستعيناً بخبرات الكتابة الصحافية وسرديات الوثيقة التاريخية التي أمدّته بالكثير من المعلومات الدقيقة والتواريخ الصحيحة وحركة الشخصيات المنفردة والجماعية وهي ترسم الشكل المحلي في أعلى مراحله توهجاً في رومانسيات المقاومة والعلاقات الاجتماعية المتداخلة.

ستخرج الأزبكية من سردياتها الكتابية إلى سرديات الإخراج السينمائي فهو سيناريو محكم الضبط في تنقلات الشخصيات ومكونات الحدث وحركة الزمن في مكان معروف له خصوصية وطنية واضحة.

كاتب من العراق

14