الأزمات الاجتماعية تراكم غضب الشارع العراقي ضد حكم الأحزاب الشيعية

الأزمات الاجتماعية وتردي الأوضاع المعيشية والخدمية التي سبق أن فجّرت غضب الشارع العراقي بوجه حكومة بغداد، لا تزال على حالها رغم وعود الإصلاح، بل منها ما تفاقم واستفحل ممهّدا الأرضية لثورة محتملة بوجه تجربة الحكم الفاشلة بكل المقاييس.
الاثنين 2017/02/06
مطلب صعب التحقيق

بغداد - تخشى حكومة رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي، تفجّر موجة احتجاجات عارمة تتحوّل إلى ثورة شعبية بوجهها، على خلفية سوء الأوضاع الاجتماعية وتردّي الحالة الأمنية والتراجع المتواصل في مستوى الخدمات المقدّمة للمواطنين وانعدامها في الكثير من الأحيان.

وكما مثّلت أزمة الكهرباء في وقت سابق قادحا مباشرا لموجة احتجاجات شعبية طالت أغلب محافظات البلاد بما فيها العاصمة بغداد ومحافظات الجنوب مركز ثقل القاعدة الشعبية للأحزاب الشيعية الحاكمة، فإنّ ذات الأزمة لا تزال قائمة، بل ازدادت تفاقما ما يرشّح الشارع العراقي لموجة احتجاجات جديدة.

وكان حيدر العبادي استغلّ تلك الاحتجاجات التي اجتاحت الشارع صيف سنة 2015 ليأخذ مسافة عن حزبه وعائلته السياسية المتهمة بالفساد وبالمسؤولية عما آلت إليه أوضاع البلد، ويقدّم نفسه كرمز للإصلاح معلنا حزمة إصلاحات على رأسها الإطاحة برموز الفساد وتشكيل حكومة تكنوقراط يتم اختيار أعضائها وفق معيار الكفاءة بدلا من المحاصصة الحزبية والطائفية.

إلاّ أنّ فشل رئيس الوزراء في تمرير أي من إصلاحاته وتواصل الأزمات الاجتماعية على ما هي عليه، باتا ورقة مضادة بأيدي خصوم العبادي، بما في ذلك من يشاركونه الانتماء لحزب الدعوة.

ولا يستبعد متابعون للشأن العراقي أن يجد رئيس الوزراء السابق نوري المالكي في أزمة الكهرباء المتفاقمة فرصة للانقضاض على حكومة العبادي، من خلال توظيف غضب الشارع ضدّها.

وعلى الرغم من أن درجات الحرارة في العراق تسجل خلال الفترة الحالية أدنى معدلاتها، إلاّ أن حكومة بغداد تستعد منذ الآن لمواجهة صيف صعب على مستوى الطاقة الكهربائية.

وأنفقت بغداد منذ سنة 2005 نحو 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء الذي تضرر بفعل حربي 1991 و2003 لتحسين أدائه، دون طائل.

وشهد صيفا العامين الماضيين حركة احتجاجية واسعة في البلاد كادت تطيح بحكومة العبادي، على خلفية سوء تجهيز الدولة للمواطنين بالطاقة الكهربائية، بعدما سجلت درجات الحرارة في معظم مناطق البلاد أرقاما قياسية فاقت الخمسين درجة مئوية.

وتخشى الحكومة العراقية، أن يشهد الصيف القادم اندلاع احتجاجات جديدة، إذا لم يتحسن أداء شبكة التزويد بالطاقة الكهربائية.

وكشف وزير الكهرباء قاسم الفهداوي، عن إصداره أوامر لكوادر وزارته، بإخضاع الجزء الأكبر من محطات الكهرباء لأعمال صيانة شاملة منذ الآن استعدادا للصيف.

40 مليار دولار أنفقها العراق على قطاع الكهرباء دون تسجيل

وقال الفهداوي، خلال جلسة خاصة جمعته بعدد من الصحافيين في بغداد، إن إخضاع هذا العدد من محطات الكهرباء للصيانة في التوقيت نفسه، تسبب في انخفاض ساعات إمداد المواطنين بالطاقة. وأضاف “نستغل انخفاض درجات الحرارة لتجهير المحطات من أجل الصيف.. سيشتمنا الناس الآن بسبب انخفاض ساعات التجهيز، لكنهم في الصيف سيثورون ضدنا إذا حدث الأمر نفسه”.

واستغل رئيس الوزراء حيدر العبادي موجات الاحتجاجات الماضية لإطلاق ما سماه “برنامجا إصلاحيا” قلّص بموجبه حقائب حكومته وأطاح بنواب رئيس الجمهورية الثلاثة، نوري المالكي وأسامة النجيفي وإياد علاوي، من مناصبهم لكنهم عادوا لاحقا بقرار قضائي، في دليل على الفشل في تمرير حتى أكثر “الإصلاحات” بساطة.

ويدرك العبادي، المتهم بالتباطؤ في تنفيذ ما وعد به من إصلاحات، أن أي حركة احتجاجية شعبية ستحرج حكومته الضعيفة كثيرا.

ويقر وزير الكهرباء بأن نحو ستين بالمئة من إجمالي إنتاج البلاد من الطاقة الكهربائية يضيع بسبب الفساد والتجاوز على الشبكة الوطنية وتواطؤ بعض موظفي وزارته.

ويقول “ليس هناك من حل لفساد بعض موظفي الوزارة، فهم من يسهّل للمتجاوزين الحصول على التيار الكهربائي بطريقة غير شرعية مقابل رشى”.

ولا يجد السؤال المتعلق بأوجه صرف 40 مليار دولار على قطاع الكهرباء من دون تحسين أدائه، أي أجابة.

وبرغم تعاقب خمسة وزراء منذ 2005 على حقيبة الكهرباء، إلاّ أن أحدا منهم لم يكشف كيف صرفت الأموال الطائلة التي خصصت لهذا القطاع، ما يسلط الضوء على تواطؤ المسؤولين المتتابعين وخضوعهم لنظام فساد لا يتغير بتغير الحكومات.

وتجنّب الفهداوي الإجابة عن أسئلة متعددة بشأن تأثير الفساد على أداء قطاع الطاقة، فضلا عن سوء الإدارة والاستخدام السياسي لهذا الملف. لكنه يقول إن جميع الأموال التي خصصت لهذا القطاع صرفت عليه فعليا، وسبب عدم تحسنه هو تهالك الشبكة الوطنية بفعل التقادم والحرب.

ويضيف الوزير أنّ سوء توزيع الطاقة، بسبب القدرة المتدنية للشبكة الناقلة، فاقم من مشكلة الكهرباء في العراق، مبينا أنّ دوائر الدولة بمفردها تستهلك نحو ثمانية وعشرين بالمئة من مجمل إنتاج العراق من الكهرباء، فيما يستهلك الأثرياء والمسؤولون، وهم نحو أربعة عشر بالمئة من العدد الجملي للسكان، نحو ستين بالمئة من الطاقة المنتجة سنويا، أما المتبقي وهو نحو اثنتي عشر بالمئة فيذهب إلى عامة الشعب، ما يعكس سوء التوزيع الذي يدفع ثمنه الفقراء.

ويقول الفهداوي إن وزارته تحاول تدارك هذا الأمر قبل الصيف القادم، من خلال تعاقدات لإنشاء محطات جديدة والاعتماد على الطاقة الشمسية.

ووقّع العراق عقدا مع شركة جنرال إلكتريك لإنشاء محطة توليد بطاقة 1500 ميغاواط، وفقا للفهداوي. وقال “وقّعنا العقد بضمانة الحكومة الأميركية لأننا لا نملك الأموال اللازمة لتغطية هذا العقد”.

وينتج العراق نحو أربعة عشر ألف ميغاواط سنويا من الكهرباء في مقابل حاجة تقديرية تصل إلى عشرين ألفا.

ويقول الفهداوي إن الفرق بين الإنتاج والحاجة سيستمر في العراق، بالنظر للتوسع المستمر في المشاريع العمرانية والتجارية والزيادة السكانية وارتفاع معدل استهلاك المواطنين، موضّحا أن الفرد في إيران المجاورة يستهلك أقل من الفرد العراقي بمعدل الثلث، دون أن يقدّم السبب وراء ذلك الفارق في الاستهلاك.

ولدى سؤاله عن سبب توقف استيراد العراق للكهرباء من إيران، قال الفهداوي “تراكمت علينا الديون، ولم يعد لدينا ما ندفعه لهم (الإيرانيين)، فأوقفوا التصدير”، مضيفا “نفاوضهم الآن لتجهيزنا بألف ميغاواط الصيف القادم، ولم نصل إلى حد الآن لأي نتيجة”.

3