الأزمات المالية فرصة ذهبية لإصلاح الاقتصاد

الاثنين 2016/01/11

يعد تحرير أسعار الوقود والسلع الأساسية من أبرز وسائل معالجة ترهل الاقتصاد وزيادة القدرة التنافسية، ووضع الاقتصاد على أسس مستدامة على المدى البعيد، وهو يعد ضرورة ملحة، حتى في أوقات الانتعاش الاقتصادي.

لا يوجد أي اقتصاد متقدم في عالم اليوم، يقدم دعما حكوميا لأسعار السلع الأساسية، بل إن أي دعم حكومي اجتماعي يذهب مباشرة إلى مستحقيه من خلال إعانات العاطلين وغير القادرين على العمل.

إلغاء الدعم الحكومي أصبح شرطا أساسيا لوضع الاقتصاد على طريق الاستدامة، وتحسين مناخ الاستثمار وعمل الشركات والمستثمرين على أسس متكافئة.

ويمكن القول إن الأزمات الاقتصادية التي عصفت بمعظم الدول العربية، والتي امتدت إلى البلدان الغنية، بسبب تراجع إيراداتها النفطية، كانت فرصة ذهبية لمعالجة ذلك الخلل المزمن.

كما أن تراجع أسعار النفط جعل خطوة رفع الدعم عن أسعار الوقود، أسهل بكثير من إلغاء في ظل الأسعار المرتفعة، بسبب تقلص الفجوة بين الأسعار العالمية والأسعار المدعومة.

أبرز مثال على ذلك أن الإمارات، التي كانت أول دولة عربية تقوم بإلغاء دعم أسعار الوقود منذ مطلع أغسطس الماضي ، خفضت أسعار وقود السيارات على مدى 6 أشهر، بسبب تراجع أسعار النفط.

وسرعان ما أدى نجاح تجربة الإمارات في ربط أسعار الوقود بالأسعار العالمية، إلى فتح الطريق أمام معظم البلدان العربية، بل إن بعضها مثل سلطنة عمان قالت إنها ستسترشد بتجربة الإمارات في تحرير الأسعار اعتبارا من الأسبوع الحالي.

كما أقدم المغرب على خطوة مماثلة اعتبارا من بداية الشهر الماضي، ليركز جهوده على الإجراءات التنظيمية لمنع استغلال رفع الدعم.

وقد خطت الكويت والبحرين ومصر والأردن وتونس خطوات متفرقة في هذا الاتجاه، وأكدت أنها عازمة على المضي قدما نحو إلغاء الدعم بشكل كامل، بالتزامن مع تطبيق برامج لإيصال الدعم إلى مستحقيه بوسائل أخرى لا تتضمن دعم الأسعار في نقاط التوزيع.

ورغم الحساسية السياسية الكبيرة، أقدمت السعودية على خفض الدعم عن أسعار الوقود والمياه والكهرباء، وأكدت أن تلك الخطوة ستتبعها خطوات أخرى.

لا يمكن أن نتخيل حدوث تلك الخطوات المتزامنة في البلدان العربية لولا الأزمات الاقتصادية وتراجع أسعار النفط، التي منحتها فرصة إجراء تلك الإصلاحات دون أن تدفع ثمنها باهظا من أجل ذلك، بل ودون أن يكون وقعها كبيرا على المستهلكين.

ويجمع المحللون والمؤسسات المالية العالمية على أن رفع الدعم الحكومي عن المشتقات النفطية لدى الدول غير المنتجة للنفط، سيكون أحد الوسائل الضرورية لضبط واردات الطاقة وتخفيف أعباء الموازنة وكبح التهريب وترشيد الاستهلاك.

وقد تجد بعض الدول مثل العراق والجزائر صعوبة بالغة في تخفيف أو إلغاء الدعم الحكومي، بسبب انتشار الفقر وشلل النشاط الاقتصادي، وما يمكن أن يؤدي إليه رفع الدعم من احتجاجات شعبية في ظل الأوضاع السياسية والأمنية غير المستقرة.

لكن الثمن الباهظ لبرامج الدعم والأزمات الاقتصادية الخانقة، ستجبرها عاجلا أم آجلا لخفض الدعم الحكومي، إذا ما أصبح الاختيار بين استمرارها أو الانهيار الاقتصادي التام.

وتؤكد المؤسسات المالية العالمية أن سياسات تحرير أسعار المشتقات النفطية من قبل حكومات الدول المنتجة للنفط، سوف تساعد في خفض الأعباء المالية وتنويع الاقتصاد وتقليص اعتمادها على النفط كمصدر رئيسي للدخل.

لكن الدول النفطية تواجه بعض الأعباء الجانبية المرتبطة بنشاط بعض القطاعات، التي تعتمد على النفط مثل صناعة البتروكيماويات، التي ستتأثر قدرتها التنافسية في الأسواق العالمية، إذا ما رفعت الحكومات دعمها للمواد الخام في تلك الصناعة وأبرزها النفط الخام والغاز.

ومع ذلك فإن الخطوة ضرورية على المدى البعيد من أجل أن تنهض تلك الصناعات على أسس مستدامة.

كل ذلك يؤكد المقولة الشائعة "رب ضارة نافعة" حيث ستجد الدول العربية نفسها بعد سنوات في وضع أكثر استدامة وقدرة على تحقيق الانتعاش الاقتصادي. إذ من المؤكد أنه لولا الأزمات الاقتصادية وانهيار أسعار النفط، لما تمكنت من تنفيذ تلك الإصلاحات الضرورية لوضعها على طريق النمو المستدام.

11