الأزمات المتتالية تلقي بظلالها على المثليين في لبنان

أفراد "مجتمع الميم" يواجهون تمييزا ضدهم ورفضا اجتماعيا ما يجعل حصولهم على حقوقهم الأساسية أمرا صعبا في بلد يعاقَب فيه كل من يقيم علاقات مثلية بالسجن.
الجمعة 2021/06/25
قسوة المجتمع والظروف

بيروت- صار مجتمع المثليين في لبنان يواجه تحديات هائلة بعدما حرم انفجار المرفأ المروّع ووباء كورونا أفراده من مساحاتهم “الآمنة” ومن مصادر دخلهم، وفق ما نبّهت إليه منظمة أوكسفام في تقرير نشرته الخميس.

وقالت المنظمة إنّه لم يبق لمجتمع المثليين “إلا القليل من المساحات الآمنة، بعد أن أصبحوا من بين الفئات الأكثر تضررا من تداعيات انفجار بيروت ووباء كورونا والأزمة الاقتصادية المستمرة”. وأوضحت أن “مزيج الأزمات دمّر أحياء بأكملها وجد فيها أفراده ملجأ لهم خلال العقد الأخير”.

منذ 2020 أطلقت ساندرا مبادرة صندوق إغاثة المثليين لدعم هذا المجتمع وتمكنت من جمع تبرعات من مختلف أنحاء العالم وصلت قيمتها إلى 65 ألف دولار

روبن (24 عاما) ترك منزل عائلته في طرابلس طيلة ثلاث سنوات عاش خلالها في بيروت، لكن إثر انتشار الوباء خلال ربيع العام الماضي صارت النوادي الليلية -التي كان يعمل في أحدها- من بين أكثر القطاعات تضررا في بيروت، فخسر مصدر رزقه وأصبح يجد عنتا في دفع ثمن الطعام وأجرة السكن.

وبعد أن فقد أصدقاؤه ومن يشاركونه تسوّغ الشقة أعمالهم في منطقة الجميزة بسبب الضرر الذي لحق بالكثير من المباني جراء انفجار المرفأ، ولهول صدمة ما مروا به، لم يعرف ماذا يفعل واضطر للعودة إلى بيت عائلته في الشمال.

لكن روبن عاد مجددا إلى بيروت لأن أهله في طرابلس قالوا له إن نمط حياته لا يناسبهم في مجتمع محافظ. وقال روبن لـ”بي. بي. سي” “فعلا لا أعرف كيف نجوت ومنذ ذلك الحين أعيش فترة متعبة وصعبة نفسيا”.

ورغم كل ما مرّ به يعتبر روبن نفسه من المحظوظين لعدم تضرره جسديا مثل غيره، ولكونه كان محاطا بمجموعة أصدقاء من دائرته يعرف أنه قادر على الاعتماد عليهم إذا دعت الضرورة.

دعوة إلى إعادة بناء المساحات الآمنة لمجتمع الميم وتقديم المساعدات النقدية والمأوى والوصول إلى الخدمات

ويواجه أفراد “مجتمع الميم” تمييزا ضدهم ورفضا اجتماعيا، خصوصا المتحولين جنسيا، ما يجعل ظروف معيشتهم وحصولهم على حقوقهم الأساسية -كالرعاية الصحية والوظائف- أمرا صعبا في بلد يعاقَب فيه كل من يقيم علاقات مثلية بالسجن ويضطر الكثيرون إلى إخفاء هويتهم الجنسية خوفًا من الوصمة الاجتماعية.

يقول نزار عوّاد، مستشار النوع الاجتماعي لدى أوكسفام وأحد المشاركين في إعداد التقرير، “قد يكون هناك انطباع عن لبنان بأن فيه مساحة آمنة لمجتمع الميم يقل فيها مستوى الرهاب من المثلية، مقارنة ببلدان عربية أخرى، لكن هذه الفكرة ليست دقيقة تماما”.

ويشرح  نزار أن بيروت وجبل لبنان أكثر انفتاحا من باقي أماكن لبنان في ما يتعلق بالترحيب بأفراد مجتمع الميم. ولكنّه يوضّح أنه ليست كل أحياء بيروت آمنة بالنسبة إليهم، وحتى في الحي الواحد هناك اختلاف في معاملات الناس.

ولطالما شكلت أحياء مار مخايل والجميزة والجعيتاوي، التي كانت من الأكثر تضرراً جراء الانفجار، بيئة مرحّبة وحاضنة لأفراد مجتمع الميم، مع جذبها المقاهي والمطاعم والمراكز الثقافية والفنية والأجانب.

أندريه درس فن الماكياج والأزياء، وبعد تخرجه واجه صعوبات أثناء بحثه عن فرص عمل “لأن البلد صغير وهناك أسماء بارزة في هذا المجال” مما يجعل المنافسة أصعب. لكن الوضع بالنسبة إليه ازداد سوءًا عام 2020، فقد تضرر نفسيا وجسديا بسبب الانفجار، خاصة أن بيته كان قريبا من المرفأ. ونقل يومها إلى المستشفى حيث أجريت له عملية تركت أثرها على جسمه.

يقول روبن “لا أحد يستطيع أن يعيش مع أزمة الدولار ووباء كورونا، لم نعد قادرين على تحمل ثمن أي شيء. أفكر في السفر ولا أستطيع أن أدفن نفسي هنا”.

ومنذ 2020 أطلقت ساندرا (34 عاما) مبادرة صندوق إغاثة المثليين “كيير رولباف فاوند” لدعم هذا المجتمع، وتمكنت من جمع تبرعات من مختلف أنحاء العالم وصلت قيمتها إلى 65 ألف دولار.

وقالت لـ”بي. بي. سي” “كانت هذه أول مرة أجمع فيها تبرعات. لديّ معارف من فنانين في مختلف أنحاء العالم وأنا قريبة من مجتمع الميم في لبنان منذ عشر سنوات. قلت لنفسي: نحن كحراك مجتمعي ما معنى عملنا طوال كل هذه السنين إن لم نتحرك في مثل هذه الظروف؟”.

لطالما شكلت أحياء مار مخايل والجميزة والجعيتاوي، التي كانت من الأكثر تضرراً جراء الانفجار، بيئة مرحّبة وحاضنة لأفراد مجتمع الميم

واستندت المنظمة في تقريرها بعنوان “مجتمع الميم في أزمة: صدمة وعدم مساواة وضعف” إلى 110 مقابلات أجرتها في أحياء تضررت بفعل انفجار المرفأ في الرابع من أغسطس 2020 والذي أودى بحياة أكثر من مئتي شخص وتسبب بإصابة أكثر من ستة آلاف شخص بجروح.

وصنّف جميع المستجوبين القضايا المتعلّقة بالسكن على رأس قائمة أبرز الصعوبات التي يواجهونها، تليها قدرتهم على الوصول إلى المساحات المجتمعية وأنظمة الرعاية، ثمّ توفير معاليم تسوغ المنازل، ويلي ذلك امتلاك مساحة آمنة للعيش.

وأكد أربعون في المئة من المستجوبين أن أوضاعهم المعيشية تأثّرت سلباً جراء الانفجار. وقال نصفهم تقريباً إنهم يعتمدون على دعم عائلاتهم والمساعدات الإنسانية من أجل توفير حاجياتهم. وفقد سبعون في المئة من المستجوبين وظائفهم في العام الماضي على وقع الأزمات المتلاحقة.

ودعت أوكسفام الحكومة إلى منح الأولوية “لإعادة بناء المساحات الآمنة لمجتمع الميم وتقديم المساعدات الأساسية، بما في ذلك المساعدات النقدية والمأوى والوصول إلى الخدمات، لمن لم تشملهم مشاريع المساعدات الحالية”.

20