الأزمات النفسية تخلق موجات مرتفعة من الانفصال الأسري

لم يعد ارتفاع معدلات الطلاق في بعض الدول العربية ظاهرة تبحث عن تفسير، لكنها باتت أزمة نفسية مرتبطة بالتغيرات المعقدة التي يمر بها الأزواج في الحياة اليومية، والتي أفقدت عددا كبيرا العزيمة والإرادة للتضحية بهدف تكوين أسـر صحية.
الاثنين 2018/08/06
ضغوط لا حصر لها

 القاهرة - دون المفكر المصري جلال أمين في كتابه “ماذا حدث للمصريين؟” رؤيته عن تغير شكل الأسرة المصرية قائلا “لا أذكر أنني خلال سنوات الأربعينات أو الخمسينات من القرن الماضي، حضرت حفل زفاف واحد في فندق من الفنادق، كانت الأفراح تعقد في بيوت أصحابها.. لم تكن تحمل الصحف حكايات العنف الزوجي ولا رغبة الزوجة في الانتقام، لم تكن مصر مكانا لمناقشة الفضائح الأسرية”.

تبدل حال المجتمع المصري وغيره من المجتمعات العربية، في الشكل والمضمون. ارتفعت معدلات الطلاق ووصلت إلى أرقام غير مسبوقة، تكاد تعادل معدلات الزيجات السنوية. وأصبح الترهيب والتنكيل سمة الكثير من الأسر في الانتقام. ولم يعد الانفصال مسيئا للمرأة أو لعنة أخلاقية تطاردها، مثلما كانت نظرة المجتمع سابقا للمطلقة بأنها متبرجة وفاسدة ويجب نبذها عقابا لها.

تحولت المنظومة الزوجية في مصر مثلا، من أسرة يقودها الرجل وتلعب فيها المرأة دورا رئيسيا، إلى شركة قوامها طرفان متساويان في المهام. احتفل الكثيرون بالتكوين الجديد المتناسق مع المنظومة الغربية الداعية إلى المساواة بين المرأة والرجل، والتي جعلت للسيدات قوة لم تكن موجودة، ما يعتبر محللون ذلك من الأسباب التي سهلت الطلاق وجعلت الانفصال سهلا.

هناك ثلاث دول عربية ضمن أكثر 5 دول في العالم في ارتفاع معدلات الطلاق، بحسب البيانات الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء في القاهرة، وتحتل مصر المركز الثالث بعد الأردن والكويت.

كشفت تلك الإحصاءات عن تغيرات في هرم الأسرة، وأسفرت عن ظاهرة ارتفاع نسب الانفصال وسهولة اتخاذ القرار. وصاحبت تلك التغيرات تحولات كبيرة، ولم يستوعب المجتمع المصري تطوراتها التي تسير بوتيرة أسرع من تفاعل البشر مع حاجاتهم.

يقدم علماء الاجتماع تفسيرات علمية عدة لارتفاع معدلات الطلاق في مصر، تتراوح بين تطور نظريات تحرر المرأة، وانفراط عقد الأسرة، وتدني الأخلاق والتعليم، وتدهور معنى الشراكة وتغير دينامكية الطبقة الوسطى بسبب تدهور المستوى الاقتصادي.

ويبقى البعد النفسي، جوهر التحول في وجدان المصريين في التعامل مع الانفصال الزوجي من فضيحة اجتماعية عملاقة إلى احتمال التكيف مع التداعيات، وأحيانا سنة محمودة.

ويفسر علماء النفس تغير المجتمعات الغربية مع بداية الثمانينات من القرن الماضي وعزوفهم عن الزواج ورفض العديد منهم إنجاب الأطفال بنظرية نفسية شهيرة تدعى “استنجاد الذات” وتتناسق تفسيرات تلك النظرية الفريدة مع ما آلت إليه مجتمعات الغرب وما يحدث الآن من تطور في نهج المجتمعات العربية.

الزوج والزوجة يفقدان تحمل مسؤوليات الزواج والمشاكل أمام ضغوط حياتية صعبة، زادت مؤخرا لدى أسر كثيرة

واستندت النظرية على تجربة بحثية أدارها العالم الأميركي روي بيميستر، عندما أحضر 20 طالبا ووضعهم في غرفة بها صحنان؛ أحدهما احتوى حلوى، والآخر فجلا وهو نوع من الخضروات.

وقام العالم بتقسيم الطلاب إلى مجموعتين، الأولى سمح لها بتناول الحلوى والأخرى طلب منها تناول الفجل فقط. ودعا كل مجموعة لحل أحجية صعبة وربما غير قابلة للحل. وجد بيمستر وقتها أن الطلاب الذين تناولوا الفجل توقفوا عن حل الأحجية بعد 9 دقائق، ومن تناولوا الحلوى استمرت محاولاتهم أكثر من 20 دقيقة.

أرادت التجربة البحثية استكشاف معنى الإرادة الإنسانية أو العزيمة الكامنة داخل النفس وآلية عملها خلال الظروف والبيئة المحيطة. وعرضت النتائج فكرة أن قوة الإرادة تشبه عضلة يمكن زيادة كتلتها، لكنها تتعب وتُستنزف. فالطلاب الذين أجبروا على تناول الفجل تعرضوا للكثير من الضغوط واستنزفوا قوة الإرادة بعدم تناول الحلوى واستبدالها بغذاء نباتي بسيط، وعندما تعرضوا للضغط مجددا بحل الأحجية لم تستمر محاولاتهم طويلا.

نظرية استنجاد الذات مثلت تحليلا يمكن تطبيقه على التغيرات النفسية الداخلية لدى البشر والرغبة في الزواج وتكوين أسرة، أو الهروب منه، وهي دلالة على التحول السريع. فالضغوط التي يتعرض لها الإنسان يوميا في العمل والشارع والمشاكل الأسرية والأزمات السياسية والحروب وتفشي الإرهاب والتدهور الاقتصادي تجعل المواطن غير راغب في استمرار حياته التي يمارسها كل يوم.

وكما فقد الطلاب الذين تعرضوا لضغوط بتناول الفجل بدلا من الحلوى، قدرتهم على المثابرة والتحمل لحل الأحجية، قد يفقد الزوج والزوجة تحمل مسؤوليات الزواج اليومية والمشاكل والأزمات الاعتيادية أمام ضغوط حياتية صعبة، زادت مؤخرا لدى أسر كثيرة وجعلت عضلة الإرادة غير قادرة على تحمل أعباء الحياة والمنزل معا. وجاءت تلك الضغوط لتمثل نهاية للكثير من الأشخاص فقدوا العزم على الحفاظ على أسرهم.

ويرى العالم الأميركي روي بيميستر أن الإرادة مثل العضلة تماما تستهلك بعد تمرين شاق ومجهود كبير، لكنها يمكن أن تصبح أقوى وأكبر وأصلب، إذا تم تعريضها يوميا لتمرينات تقوية أو عن طريق ممارسة الرياضة يوميا. وتمثل البيئة المحيطة والمساندة الاجتماعية وغيرها من سبل الدعم تمرينات لعضلة الإرادة والعزيمة. وقالت أسماء بكري، أستاذة علم النفس بجامعة الزقازيق، في شمال القاهرة، إن المشكلات الأسرية ظاهرة صحية ولا يخلو منها منزل، لكن التعامل معها يمثل أزمة قد تنتهي بانفصال، ما لم يدرك كل طرف أبعاد وطبيعة المشكلات التي يمر بها، وأنها بحاجة لحنكة وحكمة لمعالجتها بطريقة سليمة، تضمن استقرار الأسرة.

وأضافت لـ”العرب”، أن الطريقة المثلى عند الوصول إلى مشكلات عائلية يصعب حلها بالتفاهم بين الزوج والزوجة، هو اللجوء إلى الاستشارات الأسرية التي يقوم بها متخصصون أو الاستعانة بصديق مشترك، وكلها أدوات تمثل وسيلة لحماية الأسرة من الانفصال.

21