الأزمات تسلب الدراما الجزائرية القدرة على المنافسة وإنتاج النجوم

أدى التراجع التدريجي لأداء ومستوى الدراما الجزائرية خلال السنوات الأخيرة، إلى تقلص حظوظها في منافسة نظيراتها في التلفزيونات العربية، وتضييع فرصة تسويق الزخم الحضاري والثقافي للشعب الجزائري، في زمن تحولت فيه الصورة إلى سلاح ناعم، يمكن أن يفتح الأبواب لأصحابها على مصراعيها، كما يمكن أن تغلق عليهم نسائم التنفس وتزيدهم تقوقعا، ولعل ذلك ما أدركته البعض من الوجوه والأسماء الفنية الجزائرية، من خلال البحث عن فرص الشهرة والأضواء في التلفزيونات العربية، بعدما تأكد لها أن الدراما الجزائرية لا يمكن أن تصنع نجوما.
الثلاثاء 2016/07/05
الممثلات المتألقات يخترن الهجرة إلى عواصم الأضواء

رسم الممثل والفنان الجزائري حسان كشاش، الذي أدى دور البطل التاريخي وأحد مفجري ثورة التحرير مصطفى بن بولعيد، صورة سوداوية عن راهن الدراما الجزائرية، وجزم بعجزها عن إنتاج نجوم للشاشة المحلية، على غرار ما تنتجه الشاشات العربية في مصر وسوريا ولبنان والخليج العربي، وأوعز المسألة إلى الأزمة المعقدة والمتشابكة التي تمر بها الدراما المحلية خلال السنوات الأخيرة، وهو ما دفع العديد من الممثلين والفنانين إلى البحث عن فرص لهم تحت أضواء العواصم العربية، لإطلاق مخزونهم الذاتي.

وعلل الفنان حسان كشاش رفضه أداء بعض الأدوار الدرامية التي اقترحت عليه، بعدم اقتناعه بالأدوار التي أسندت إليه. ورغم أنه لا يمانع في الظهور في أعمال تلفزيونية فإنه يبدي تمسكا بأن تكون الأدوار التي تسند إليه فرصة سانحة تكفل له تقديم إمكانياته الفنية، وتسمح له بإظهار قدراته التمثيلية والتماهي مع الشخصيات المختارة له.

لا نبي في أرضه

رغم محاولات الانفتاح والاستعانة بالبعض من الكفاءات العربية في التمثيل والإنتاج، كما هو الشأن بالنسبة إلى مسلسل “طوق النار” الذي يخرجه الأردني بسام المصري، وقبله المسلسل التاريخي “عذراء الجيل”، الذي أنتجته شركة “الأصايل” السورية للإنتاج الفني، وأخرجه السوري سامي الجنادي، إلاّ أنها تبقى محاولات معزولة، لم تتحرر من تراكمات الأزمة الدرامية الجزائرية.

وعلاوة على هجرة البعض من الوجوه الفنية الجزائرية إلى العواصم وشركات الإنتاج العربية بحثا عن مساحة للشهرة والأضواء، فإن قاعدة مطرب الحي لا يطرب تبقى قائمة بشكل لافت في الأعمال المحلية بسبب تقلب المزاج والتنافس غير الشريف؛ ففيما تهمش الفنانة والممثلة أمل بوشوشة في الداخل، استطاعت أن تحجز لنفسها مكانا محترما في البعض من الأعمال الدرامية العربية، على غرار المسلسل المصري “تحت الأرض”، ومسلسل “سمرقند” الذي أنتجته قناة أبوظبي الإماراتية، وترك أصداء إيجابية لدى النقاد والمشاهد العربي.

وشدد حسان كشاش على أن العشوائية والارتجال هما اللذان دفعاه إلى التحفظ على العروض التي وصلته من بعض شركات الإنتاج، فهو يرى أن تحول شهر رمضان إلى موسم درامي بامتياز، يستوجب وقتا كافيا للتحضير وفهم الأدوار وتقمص الشخصيات، مما يعني أن التحضير يكون بعد انقضاء الموسم، وليس انتظار الأسابيع الأخيرة من الموسم القادم، الأمر الذي يؤدي إلى التسرع والاضطرار إلى ملء الفراغ.

وبالرغم من حالة الشح الدرامي في الجزائر -رغم تعدد القنوات الحكومية والخاصة- فإن شركات الإنتاج المحلي لا تزال تدير ظهرها للعديد من النجوم الجزائريين، الذين باتوا يفرضون أنفسهم في الفضائيات العربية، مستفيدين في ذلك من ظهورهم في البرامج الكبرى المخصصة لاكتشاف المواهب الفنية في أشهر الشاشات العربية، أو من احتكاكهم بالساحة الفنية المشرقية على العموم.

غياب الأجندة

تبقى الفنانة والممثلة إيناس مكي نموذجا حيا لنجاح الكفاءة الجزائرية متى توفرت لها شروط العمل والإبداع، فمع بروزها في القاهرة كممثلة مسرحية وسينمائية منذ حقبة التسعينات، استطاعت أن تفرض نفسها كشخصية محورية في عدة مسلسلات كـ”لن أعيش في جلباب أبي”، والمسلسل الاجتماعي “حرامي قلوب” للمخرج إسلام محفوظ والمؤلف أحمد عوض، والمسلسل الكوميدي “يوميات عطية” للمؤلفة نادية التابعي، وهما المسلسلان المنتجان خلال العام الجاري.

كما تشق الممثلة أميرة شرابي طريقها إلى النجومية في الآونة الأخيرة، نحو البروز في الساحة الفنية العربية، حيث صورت بمصر فيلمها الجديد “قسط مريح”، ويؤدي فيه دور البطولة الفنان هاني رمزي، ويخرجه ويؤلفه إيهاب لمعي، ويسجل حضور الممثلة الجزائرية في أعمالها بمصر باللهجتين المصرية والجزائرية.

وينتظر أن تلتحق بها الممثلة المسرحية والتلفزيونية صونيا الجزائرية، إذ تلقت عرضا من شركة إنتاج مصرية للمشاركة في تصوير مسلسل مصري، ولعلها اطلعت على السيناريو، وينتظر أن تسافر بعد العيد إلى القاهرة لتأكيد الاتفاق نهائيا.

ويرى الممثل حسان كشاش أن من أسباب تراجع أداء ومستوى الدراما الجزائرية غياب أجندة حقيقية للمشروع، فالتلفزيونات العربية على سبيل المثال تنفق أموالا طائلة في صناعة الدراما، حيث يباع المسلسل قبل إنتاجه عن طريق الاستثمار الحقيقي في آليات الصناعة الدرامية، من النجوم إلى غاية الاختيار الدقيق للنصوص والسيناريوهات، وهذا يتطلب إمكانيات بشرية ومادية ضخمة.

وفي هذا الخصوص يوضح كشاش قائلا “نحن لا نملك هذا القدر من الإمكانيات، وحتى إذا توفرت ليست لنا السياسة والحوْكمة الدرامية اللازمتان، الأمر الذي يبعدنا تماما عن خوض سباق المنافسة أو إنتاج نجوم كبار، يساهمون في تطوير الإنتاج المحلي”.

ويتابع “لا يمكن الحديث عن دراما جزائرية تنافس نظيراتها العربية، أو إنتاج وجوه درامية كبيرة، في ظل الإخلالات التي تخيم على العمل الدرامي المحلي، فلانزال نفتقد إلى صناعة درامية ذات مردودية وعائدات تكفل لها الاعتماد على نفسها، حيث تبقى الدولة المصدر الأول لتمويل الدراما والسينما والمسرح والفنون بشكل عام، وهو توجه خلق حالة من البيروقراطية الإدارية في مجال الإنتاج الفني، وأجّل التأسيس لصناعة درامية في الجزائر، الأمر الذي يجعلها رهينة التقهقر والانغلاق”.

16