الأزمات توحّد التونسيين

مرض الرئيس الباجي قائد السبسي يتحوّل إلى قوة تجميع تمتّن تماسك التونسيين.
السبت 2019/06/29
أزمتان وفاجعتان

تونس جديرة بأن تعيش فوق الأرض وتحت الشمس، حرة، متنورة، متسامحة وتقدمية، كانت هذه المفردات من آخر الكلمات المفاتيح التي صدح بها المعارض اليساري التونسي شكري بلعيد قبيل اغتياله بأسابيع قليلة في شهر فبراير 2013. هذه المقولة بما اكتنزته من مفردات تبعث على الأمل، دائما ما تتحسّس خطاها في تونس مع حدوث أي طارئ جديد أو أزمة مهدّدة لاستقرار البلاد، ليكون مؤخرا تزامن تنفيذ عمليتين إرهابيتين مع الجدل المثار حول تعكّر صحة الرئيس الباجي قائد السبسي، بمثابة محرّك لتجميع التونسيين وقوة للاتحاد لا للتفريق وهي دعائم ضرورية عجزت الطبقة السياسية بمختلف أطيافها طيلة تسع سنوات عن تثبيتها على أرض الواقع.

عقب انقضاء يوم عصيب وشاق في تونس، بسبب تواتر الأحداث وتسارعها بشكل جنوني، بعد الصدمة التي أجّجها، أولا، تمكّن انتحاريين من تنفيذ عمليتين إرهابيتين في قلب العاصمة تونس وثانيا حالة الهلع التي شقّت صفوف التونسيين على إثر تضارب الأنباء حول حقيقة الوضع الصحي للرئيس الباجي قائد السبسي، تشير كل المعطيات الواردة من قصر الرئاسة ومن أجهزة الدولة أن الأزمة ستمضي وتمر خاصة بعدما تمّ التأكيد على أن الوضع الصحي للسبسي في تحسّن وفي استقرار.

قالت الناطقة الرسمية لمؤسسة رئاسة الجمهورية التونسية سعيدة قراش إن الحالة الصحية لقائد السبسي تحسّنت كثيرا وأنه سيغادر قريبا المستشفى العسكري ليعود إلى ممارسة نشاطه بصفة اعتيادية، مشيرة إلى أنه يتكلّم وبصحة جيّدة. كما وصف قبلها بسويعات قليلة الناطق الرسمي لوزارة الداخلية سفيان الزعق التفجيرين الإرهابيين في كل من شارع شارل ديغول ومنطقة مكافحة الإرهاب بالقرجاني (وسط العاصمة) بـ ”العمليات البائسة واليائسة للإرهابيين”، مشيرا إلى أن الحالة الصحية للمصابين مستقرة ما عدا حالتين تتطلبان العناية المركزة.

كل هذه المعطيات الوافدة يوم الجمعة من أجهزة الدولة، تشير بما لا يدع مجالا للشكّ إلى أن ما سمّي بـ”الخميس الأسود” في تونس هو أشبه بسحابة صيف عابرة، فالأزمات التي أثّثته بقوة، انطلاقا من التفجيرين الإرهابيين، وصولا إلى القلق حول صحة الرئيس قائد السبسي، كانت بمثابة العوامل المهمة للمزيد من التماسك والتوحّد بين التونسيين بشكل لافت، فالنشيد الوطني التونسي رُفع بين الخميس والجمعة بنسب منقطعة النظير وفي مختلف الأماكن، في الساحات العامة والخاصة ومؤسسات الدولة، فحتى بعض الخمارات أخذت بدورها نصيبها من ارتفاع منسوب الوطنية بتغنّي روادها بالنشيد الرسمي للبلاد في حالة نشوة روحية تشير إلى الانتصار لا الانكسار، لتكون بذلك الأزمة أشبه بقشّة أمل ونجاة تشبّث بها الشعب التونسي، ليزداد الجمعة هامش الحس الوطني بالتزامن مع استعداد الجماهير العريضة لمتابعة مباراة للمنتخب التونسي لكرة القدم  في مسابقة كأس أفريقيا التي تدور في مصر، ولتتصاعد كذلك الزغاريد في شتى أحياء ومناطق الجمهورية بمناسبة صدور نتائج الباكالوريا.

أزمتان وفاجعتان، خلفتا تخوفات وتوجسات بالجملة، تُرجم جلّها عبر ما كتبه التونسيون بمختلف انتماءاتهم وميولاتهم الأيديولوجية والسياسية من تغريدات وتدوينات على منصات التواصل الاجتماعي، إمّا للتعبير عن تمنياتهم بالشفاء العاجل لرئيس البلاد وإما لتحية القوات الأمنية على بسالة عناصرها في مقاومة ودحر الإرهاب، كما أن مثل هذه الأزمات لم تمر دون ترك عبر وحكم بالجملة تصب في مجملها في خانة أن الشعب التونسي ورغم صعوبة الوضع سياسيا واقتصاديا وأمنيا، فإنه قادر على تخطي المحن وتدرّب منذ ثورة يناير 2011 على حسن التعاطي مع الأزمات وتوظيفها من النقيض إلى النقيض، أي تحويل تداعيات الأزمة من عامل تفرقة إلى وازع هام لتمتين وتماسك ولحمة التونسيين.

منذ تلك الأيام التي تلت ثورة 14 يناير 2011 أو عمليات الاغتيال التي طالت المعارضين السياسيين شكري بلعيد ومحمّد البراهمي في عام 2013، لم يظهر التونسيون، بمثل هذا التسامح والتقارب والتلاحم، وهي مفردات أحيتها وأعادت كشفها محنة مرض الرئيس الباجي قائد السبسي الذي تبيّن من خلال تفاعلات كافة شرائح المجتمع أنه بإمكانك أن تختلف معه أو تنتقده، لكن ليس بإمكانك أن تكرهه خاصة وأن الرجل رغم كل الاختلافات بشأن شخصه وأدواره السياسية، كان فاعلا وبحضور قوي في أكثر من محنة مرّت بها تونس خاصة عندما تقلّد في أواسط 2011 في تلك الفترة الصعبة منصب رئيس للحكومة أو تمكّنه منذ بدايات 2012 من خلق نوع من التوازن السياسي بتأسيسه حزب نداء تونس الذي تمكّن رغم كل ما يُصيبه الآن من شبه شلل ومن تصدعات وتراجع في الحجم السياسي من إزاحة حركة النهضة الإسلامية من الحكم في عام 2014.

وحتى بتواتر تداول المخاطر التي يمكن أن تنجر عن إعلان شغور منصب الرئيس إن بقي وضعه متعكّرا ما يجعل البلاد تصارع مصيرا مجهولا بسبب حالة الفراغ الدستوري بعدما عجزت الطبقة السياسية عن سن المحكمة الدستورية، فإن لتونس تجارب هامة وفريدة في كيفية التعاطي إما مع الأزمات السياسية وإما حتى مع أزمات الإرهاب.

في مساء يوم 14 يناير 2011، ومباشرة بعد دقائق قليلة من إعلان رئاسة الجمهورية عن مغادرة رئيس الجمهورية آنذاك زين العابدين بن علي لأرض البلاد وحصول شغور في منصب الرئيس، تعالت أصوات رجال القانون المحذّرة من حصول فراغ دستوري واتجاه البلاد نحو الهاوية بعد تعليق العمل بدستور عام 1956، لكن الشعب التونسي نجح بامتياز ورغم دقة الوضع وصعوبته آنذاك في تحويل مسارات التطورات وجعلها تنتقل من الأزمة إلى الحلول، وذلك بتجنّد مختلف أطيافه التي بدت متماسكة ومتراصّة بل ومتفقة على كلمة واحدة قادت إلى الاستناد على ما سمي في تلك الفترة بالدستور الصغير أي “القانون المنظم للسلطات العمومية” لإدارة دواليب الدولة.. كل هذا يعد جزءا صغيرا من تجارب متعدّدة أكّدت أن الأزمات توحّد تونس وأن شعبها يجد دائما في علته ما لا يجده في عافيته خاصة في وقت تتسع فيه الهوة بين المجتمع والطبقة السياسية الحاكمة التي فشلت بصفة كبرى في تلبية تطلعات التونسيين وتحقيق أهداف ثورتهم.

7