الأزمة الأوكرانية: العرب بين شقي الرحى

الخميس 2014/03/06

رغم استبعاد جميع الأطراف- شرقا وغربا- لإمكانية نشوب حرب عالمية ثالثة، لكن ملف الأزمة الأوكرانية وحماقات ردود الفعل على الجانب الروسي من جهة، والجانب الغربي والأميركي من جهة أخرى، تؤشر إلى أن الحرب الثالثة قادمة ولو بعد حين، فقط مطلوب إدارات أكثر حمقا من الإدارات الحالية التي ربما بعضها كالإدارة الأميركية يكتفي بالهرسلة في رسائله.

الأزمة الأوكرانية تأتي وسط معترك عدد من الملفات الساخنة الشرق أوسطية التي تتصارع فيها المصالح الروسية والغربية والأميركية، في مقدمتها الملف السوري، يليه الملف الإيراني بتشابكاته من لبنان إلى العراق إلى البحرين واليمن وسوريا، والملف الليبي الذي يحمل نذر التصعيد داخليا من خلال القتال الأهلي وخارجيا عبر الحدود المصرية والجزائرية والتونسية، ثم الملف اليمني المتأزم ما بين التقسيم ورفضه وسيطرة تنظيم القاعدة وغيره من التنظيمات الإرهابية، والملف السوداني الملوّث بالحكم الإخواني شمالا والمنقسم على نفسه جنوبا، وملف المغرب العربي تونس والجزائر والمغرب، وهو ملف ملتهب ينتظر إشارة البدء التي ربما تكون من إخوان تونس أو إصرار الرئيس بوتفليقة على الترشح للمرة الرابعة للرئاسة، وأخيرا الملف الإسرائيلي- الفلسطيني، والإصرار الإسرائيلي على اعتراف الفلسطينيين بيهودية الدولة.

الأزمة الأوكرانية تأتي كورقة ضغط غربية أميركية على روسيا لإثنائها عن إعاقة حل الكثير من الملفات خاصة الملفين السوري والإيراني، حيث لا تزال روسيا الداعم الرئيسي للرئيس السوري بشار الأسد جنبا إلى جنب مع إيران وحليفها حزب الله، أيضا تمثل محاولة لإضعاف أو تحجيم زحف الدب الروسي نحو الشرق الأوسط، خاصة بعد التقارب الروسي المصري الذي انعكس إيجابيا على علاقات الكثير من دول الخليج خاصة السعودية والإمارات.

لكن هذه الآلية من الضغط الغربي والأميركي ربما لا تأتي بالنتائج المطلوبة، خاصة أن مواقفهما السابقة المهددة أو المحذرة، وتدخلاتهما في الملفات السابقة لم تؤت ثمارها، بل زادت الأمور سوءا كما يرى الجميع في العراق وسوريا ومصر واليمن ولبنان وليبيا والسودان، الأمر الذي فتح الطريق أمام الدب الروسي كي يستعيد نفوذه ويؤكد أنه لازال فاعلا.

إن الأخطاء الغربية والأميركية في معالجة ملفات الشرق الأوسط وفي مقدمتها الملف الإيراني المتشعب ما بين التسلح النووي، والتدخلات المفضوحة في البحرين ولبنان والعراق وسوريا واليمن، جعل دولا خليجية وعربية حليفة تراجع حساباتها ومواقفها. وهذا سينعكس بدوره في حال تصاعد الأزمة الأوكرانية سواء بالحرب العسكرية أو بالحرب الاقتصادية، ولن تجد أميركا والغرب نفس الدعم للاحتفاظ بنفوذها عالميا أو ذلك الذي وجدته في مواقف أخرى.

على أية حال ستؤثر الأزمة الأوكرانية على نفوذ ومصالح الجانبين الروسي والغربي والأميركي، حيث من المرجح عودة النفوذ الروسي في منطقة الشرق الأوسط، كما سيؤثر الانشغال بها والمد والجزر اللذين ستخلفهما على المستوى العالمي على تفاقم الملفات المشتعلة في المنطقة العربية، فلا يستبعد أن تستغل إيران الأمر، وتصعّد من تدخلاتها في الخليج واليمن والعراق ولبنان وسوريا للحصول على المزيد من النفوذ الإقليمي، ولا يستبعد نشوب حرب طائفية ومذهبية في دول متفرقة منها، ومن جانب آخر سيتاح للجماعات والتنظيمات الإرهابية كالقاعدة والإخوان وغيرهما فتح جبهات جديدة والحصول على الدعم والتمويل اللازمين لأنشطتها، وكذا ستستغل إسرائيل الأمر في بناء المزيد من المستوطنات. لتصبح المنطقة في النهاية مؤهلة لإعادة التقسيم وفقا للنفوذ الدولي الجديد بين روسيا والغرب وأميركا والقوة الإقليمية المؤهلة لذلك. لقد ذهبت مرحلة عالم القطبين “الاتحاد السوفيتي وأميركا” وعالم القطب الأوحد “أميركا”، ودخلنا في مرحلة تعدد الأقطاب الذي تتشكل ملامحه الآن.

يبقى أن نشير إلى أن المنطقة العربية صارت بين شقي رحى، وأن على ما بقي من دولها بخير، بعد هجمة ما أطلق عليه ثورات الربيع العربي، أن تعي أن ثمة متغيرا عالميا يتشكل الآن تنبغي مواجهته بإستراتيجية واضحة المعالم، لا شرقية ولا غربية بل وطنية قومية عربية، وأن تعمل على تنفيذها بصرامة. استراتيجية تضمن استقلالية إرادتها وانحيازها لأمنها القومي الوطني والعربي وتؤمن مسارات مصالحها، وتحفظ ثرواتها.


كاتب مصري

9