الأزمة الأوكرانية تعيد روسيا والولايات المتحدة الأميركية إلى سباق التسلح

الثلاثاء 2015/06/23
الرهان على القوة العسكرية بين روسيا وأميركا لا يزال يعيد نفسه في كل مرة

موسكو - بدا أنه استنساخ شبه تام لخطاب سباق التسلح المحموم الذي أرعب العالم أيام الحرب الباردة.. بهذه الكيفية لخص مراقبون حرب التصريحات بين القوتين العسكريتين الأقوى في العالم روسيا والولايات المتحدة الأميركية. وبقطع النظر عن الصراع الأيديولوجي بين المعسكر الشيوعي والمعسكر الرأسمالي أواسط القرن الماضي، إلا أن الرهان على القوة العسكرية للطرفين لا يزال يعيد نفسه في كل مرة.

وتؤكد آراء أن الوضع الذي وصل إليه الصراع بين روسيا والغرب، بدأت بوادره منذ فترة، أي منذ أزمة أوسيتيا وأبخازيا على الجبهة الجورجية سنة 2008. وجاءت الأزمة الأوكرانية الأخيرة لتصعّد من مواقف الطرفين.

ويبدو أن التصريحات هذه المرة تنم عن دخول أطراف النزاع مدى متقدما جدا من التهديد المتبادل، فقد وصل الأمر بالرئيس الروسي فلاديمير بوتين حد طرح ورقة القوة النووية لبلاده، معلنا عن تعزيز بلاده لقدراتها بنحو 40 صاروخا جديدا عابرا للقارات وحاملا لرؤوس نووية، حيث خطط لانتشار قواته في أكثر من مكان من مجالات النفوذ الروسي. وقد قوبلت هذه التصريحات بمطالبة حلف الناتو من الروس بترشيد الخطاب النووي والابتعاد عن إدخال أسلحة الدمار الشامل في هذا الصراع، وعزم الناتوعلى إنجاز انتشار تكتيكي لقواته على كامل الخط الشرقي لأوروبا، وهو ما صرح به الأمين العام لحلف الناتو ينس سنولتنبرغ.

قدراتنا النووية في تطور وقادرون على مواجهة وتهديد الناتو

“روسيا ستعزز ترسانتها النووية بنشر أكثر من 40 صاروخا جديدا عابرا للقارات بحلول نهاية العام”، هذا ما صرح به الرئيس الروسي فلاديمير بوتين بمناسبة المعرض العسكري السنوي للجيش الروسي لهذا العام، مؤكدا أن “روسيا ستدافع عن نفسها في حال كانت مهددة”، مشيرا إلى أن “الأطلسي بات على حدود المجال الروسي”.

فلاديمير بوتين: الرئيس الحالي لجمهورية روسيا الاتحادية بعد إعادة انتخابه سنة 2012، تقلد مناصب أمنية عديدة داخل روسيا وخارجها، ولد بمدينة سان بطرسبورغ.

وأضاف بوتين أنه “إذا وضع أحد ما بعض مناطقنا تحت التهديد، فهذا يعني أنه علينا أن نوجه قواتنا المسلحة وقواتنا القتالية الحديثة نحو تلك المناطق التي يأتي منها التهديد”، معتبرا “أن الحلف الأطلسي هو القادم إلى حدودنا ولسنا نحن من تحرك إلى أي مكان”. ويأتي هذا التصريح في سياق تواتر التصريحات الصادرة عن القيادات السياسية والعسكرية للدول التابعة لحلف شمال الأطلسي التي تتحدث عن تزايد لقوات نوعية في المناطق المتاخمة لروسيا، ومن بينها إمكانية نشر مقاتلات “إف 22 رابتور” الأميركية من الجيل الخامس في دول أوروبا الشرقية.

وقال بوتين أثناء المعرض العسكري إنه “في هذا العام سينشر في إطار القوات النووية الروسية أكثر من 40 صاروخا باليستيا جديدا عابرا للقارات، قادرا على مقاومة أنظمة الدفاعات الجوية الأكثر تطورا”.

وعبّر الرئيس الروسي عن ارتياحه لتحسين القدرات العسكرية للقوات الجوية والأسطول الروسي حاليا، مذكرا بشكل خاص بأن غواصة جديدة مجهزة لإطلاق رؤوس نووية باسم “فلاديمير مونوماخ” ستوضع في الخدمة هذه السنة، مضيفا أن “القدرات الروسية لم تبرز للعيان بعد، فهناك مفاجآت لا يمكن لأحد توقعها”.

وقال بوتين معلقا على تصريحات قيادات حلف الناتو إنه “إذا ظهرت الأسلحة الأميركية الثقيلة، بما في ذلك دبابات ومنظومات مدفعية ومعدات قتالية أخرى في دول أوروبا الشرقية والبلطيق فعلا، فسيعدّ ذلك الخطوة الأكثر عدوانية من قبل البنتاغون والناتو منذ انتهاء الحرب الباردة في القرن الماضي”.

وفي تصريح لوكالة “إنترفاكس” الروسية، أضاف بوتين أنه “في هذه الحال، لن يبقى أمام روسيا خيار آخر سوى تعزيز قواتها ووسائلها العسكرية”، مرجحا بأن “تكون الخطوة الروسية الأولى في هذا الاتجاه مرتبطة بتعزيز القوات المنتشرة في الشريط الحدودي غرب البلاد، بما في ذلك التشكيلات الجديدة في صفوف قوات الدبابات والمدفعية وسلاح الجو”.

وأكد بوتين على لسان الجنرال يوري ياكوبوف منسق المديرين المفتشين العامين لوزارة الدفاع، أن “روسيا ستعمل أيضا على تسريع وتيرة تسليح لواء الصواريخ المرابط في مقاطعة كالينينغراد المطلة على بحر البلطيق بمنظومات صواريخ ‘إسكندر’ الحديثة”.

روسيا ستعزز ترسانتها النووية بنشر أكثر من 40 صاروخا جديدا عابرا للقارات وذلك لحمايتها من تهديد الناتو

وجاءت تصريحات الجنرال تعليقا على تقارير صحفية جاء فيها أن واشنطن تدرس إمكانية تركيز آلياتها القتالية بالقرب من الحدود الروسية في قواعد عسكرية بدول شرق أوروبا والبلطيق، وتحديدا في ليتوانيا ولاتفيا وأستونيا وبولندا ورومانيا وبلغاريا وهنغاريا.

وفي هذا السياق أعاد فلاديمير بوتين إلى الأذهان أن روسيا خرجت نهائيا من معاهدة القوات التقليدية في أوروبا، “ولذلك لم تعد مقيّدة في الرد على مثل هذه الخطوات العدوانية”، حسب قوله. وأضاف “لقد خرجنا نهائيا من هذه المعاهدة، علما وأن العديد من الدول الأوروبية لم تكن ملتزمة بها، ولم تعد أيدينا مكتوفة لدى اتخاذ إجراءات ترمي إلى تعزيز حدودنا الغربية”.

وتتالت تصريحات بوتين في سياق الاعتراض على خطط إعادة الانتشار العسكري التي يقوم بها حلف شمال الأطلسي وفق الإستراتيجية الأميركية في توزيع قوتها على العالم، وأكد في عديد المداخلات الصحفية أن "الهيمنة الأحادية الغربية لا يمكن احتمالها، هم يعتقدون أنهم يعيشون في العالم لوحدهم". وقد اعتبر مراقبون أن مثل هذه التصريحات إنما تنم عن منهج تفكير روسي سائر نحو إعادة اقتسام العالم، خاصة وأن الأزمة الأوكرانية كشفت عن تغلغل روسي في العديد من مجتمعات أوروبا الغربية على مستويات مختلفة منها السياسي والاجتماعي وحتى الإثني والثقافي.

تعزيز القوة النووية لروسيا خطوة إلى الوراء

"الخطاب النووي لموسكو غير مقبول وخطير”، هذا ما صرح به الأمين العام لحلف شمال الأطلسي ينس سنولتنبرغ، بعد تصريحات كان بوتين قد أدلى بها بمناسبة استعراض الجيش الروسي، تؤكد عزم موسكو الترفيع في أدائها النووي من حيث عدد الرؤوس النووية والصواريخ الحاملة لها والمدى الذي يمكن أن تصله.

ينس سنولتنبرغ: تولى منصب الأمين العام لحلف الناتو سنة 2014 بعد أن كان رئيس وزراء النرويج، درس الاقتصاد في جامعة أوسلو وشغل العديد من المناصب الحكومية منذ التسعينات.

وصرح سنولتنبرغ في ندوة صحفية من بروكسل بأن “رفع مستوى التواجد العسكري في شرق أوروبا يتم ردا على تغير الوضع الأمني وتصرفات روسيا في أوكرانيا”. معلنا عن إجراءات جديدة لانتشار مسلح لقوات الناتو في الجهة الشرقية لأوروبا المتاخمة للمجال الروسي، وقال إن “وزير الدفاع الأميركي سيطلع الحلف على خطط واشنطن المتعلقة بنشر معدات عسكرية ثقيلة شرق أوروبا في المدة القادمة”.

وفي ختام لقاء أجراه في بروكسل مع رئيس المفوضية الأوروبية جان كلود يونكر، قال ستولتنبرغ إنه يرحب “بكل الجهود الرامية إلى تعزيز أمن الحلفاء”، مضيفا أن كل ما يفعله الناتو “يتماشى تماما مع التزامات الحلف الدولية”، والتي من بينها حماية المجال الأمني العام وفق تقييم الأعضاء والمتعلقة بالأمن العسكري والجوي والترابي والاستراتيجي.

وفي تبرير لما أسماه “إجراءات هادفة لحماية الحلفاء من كافة التهديدات”، انتقد الأمين العام للناتو تصريحات الرئيس فلاديمير بوتين حول تعزيز قدرات القوات النووية الروسية، قائلا إن هذه التصريحات “لن تفيد أي طرف”.

وأعلن الأمين العام لحلف شمال الأطلسي أن مسألة إرسال لواء للحلف إلى دول البلطيق الثلاث بطلب من وزراء دفاعها “لا يزال محل بحث عسكري وسياسي” من قبل الحلف، لكن القرار النهائي بهذا الشأن يعود إلى القيادات السياسية للدول الأعضاء في الناتو. وسبق أن طلبت وزارة الدفاع الليتوانية “وحدة عسكرية من صنف لواء حتى تتمكن كل دول البلطيق من الحصول على كتيبة فوق أراضيها لتسهيل التنسيق بين كل القوات في حال حصول خطر داهم”.

وفي رده على سؤال عمّا إذا كانت خطط الولايات المتحدة لنشر معدات عسكرية ثقيلة في دول البلطيق منسقة مع حلف شمال الأطلسي، قال سنولتنبرغ إنه "يتفق مع قرارات قمة الناتو في ويلز العام 2014، لكنه أضاف قائلا إنه كان يتوقع طلبا من قبل دول البلطيق المتمثلة في لاتفيا وليتوانيا وأستونيا بالتدخل عسكريا فوق أراضيها، مستدركا أن “الوقت مبكر جدا للموافقة على طلب مثل ذلك”. وأكد أن الحلف سبق أن اتخذ قرارات ستساعد في حماية دول البلطيق، مثل رفع مستوى المراقبة الجوية والوجود البحري، وقال إن “تركيزنا الأساسي الآن هو على تنفيذ القرارات التي اتخذناها سابقا”. وتعنى هذه القرارات أساسا بنشر وحدات بحرية ذكية لتحسس أي تدخل روسي في مناطق تلك الدول.

الخطاب النووي لموسكو غير مقبول وخطير وسوف يزيد الأمور تعقيدا في منطقة شرق أوروبا والعالم

“خطوة إلى الوراء”، هكذا وصف الأمين العام للناتو اتجاه روسيا نحو تعزيز ترسانتها النووية، الأمر الذي “سيزيد الأمور تعقيدا” في تفاهمات حل القضايا المتعلقة بأوكرانيا ودول أخرى. وقد أكد سنولتنبرغ أن كل الدول حلف شمال الأطلسي وخاصة الولايات المتحدة الأميركية “تعرب عن قلقها بشكل واضح”، وهو تصريح متطابق مع ما قاله وزير الخارجية الأميركي جون كيري عندما أكد أن بلاده تنظر بانتباه لقرار فلاديمير بوتين توسيع نطاق قوة بلاده النووية.

وتابع قائد الناتو قائلا إن الأمر “لا يمكن اعتباره سحابة دبلوماسية عابرة أو تصريحا غير مدروس”، بل إن روسيا تصر على إعادة الجميع إلى مربع ما قبل التسعينات من القرن العشرين، مضيفا أنه “لا يمكن لأحد أن يسمع إعلانا من زعيم دولة قوية بترفيع قوته العسكرية النووية ولا يشعر بالقلق من تبعاته”.

وتتطابق تصريحات الأمين العام لحلف شمال الأطلسي مع ما يقوله وزراء دفاع دول الحلف في عدة مناسبات حول موضوع الترفيع من قدرات روسيا النووية، وهو ما يحيل إلى تماهي مواقف تلك الدول في أن "التهديد الروسي لا يتوقف فقط عند التدخل السياسي في سيادة دول عضوة في الأمم المتحدة، بل إن الغزو العسكري يعد النقطة الأهم".

مناورات بحرية روسية تستفز مسؤولي البيت الأبيض

أعلن رئيس القسم الإعلامي في أسطول البحر الأسود فيتشيسلاف تروخاتشيوف، أن المدمّرة الصاروخية “ميراج” التابعة للأسطول انطلقت منذ الأسبوع الماضي من ميناء سيفاستوبول لتنفيذ عدد من المهام مع المجموعة الدائمة للقوات البحرية الروسية في البحر المتوسط.

وأشار تروخاتشيوف إلى أن هذه المهمة تعد الأولى لطاقم السفينة في منطقة بحرية بعيدة وتنفذ وفقا لخطة تناوب القوات. وقال متحدث باسم القوات البحرية الروسية إن أكثر من 10 سفن وبوارج تابعة لأسطولي البحر الأسود والبلطيق تؤدي مهامها في البحر المتوسط، من بينها الطراد الصاروخي “موسكو” والسفينة الدورية “بيتليفي” والعوامة الصاروخية “ساموم” وسفينة الإنزال الكبيرة “الكسندر شابالين”.

وتأتي التحركات العسكرية من جانب روسيا في إطار تعزيز وجودها في البحر المتوسط على خلفية التوترات بين موسكو وحلف شمال الأطلسي بسبب الأزمة في أوكرانيا.

وفي سياق الردود على المناورات الروسية والتحركات العسكرية غير المسبوقة في أكثر من مكان في العالم، قال القائد الأعلى لحلف شمال الأطلسي فيليب بريدلاف إن إعلان روسيا عزمها شراء صواريخ جديدة قادرة على حمل رؤوس نووية لا يليق بقوة نووية راشدة. وكان الرئيس الروسي فلاديمير بوتين قد صرّح بأن بلاده ستضيف أكثر من 40 صاروخا باليستيا جديدا عابرا للقارات إلى ترسانتها النووية هذا العام.

فيليب بريدلاف: التصريحات التي تصعد من حدة التوترات ليست سلوكا راشدا ونطلب التهدئة

وقال الجنرال الأميركي بريدلاف في تصريح صحفي معقبا على تصريح بوتين “ليس بهذه الطريقة تتصرف الدول النووية الراشدة”، وأضاف “التصريحات التي تصعّد التوترات في السياق النووي ليست بالسلوك الراشد وإننا نسعى ونطلب من هذه الدول النووية أن تتصرف فيما يتصل بهذا النوع من الأسلحة على نحو أكثر رشدا”.

وحذر البيت الأبيض من أن خطط فلاديمير بوتين لإضافة ما لا يقل عن 40 صاروخا باليستيا عابرا للقارات إلى ترسانة روسيا النووية هذا العام، يشكل “تصعيدا للتهديد” الروسي بالحرب بسبب أوكرانيا.

ووصف المتحدث جوش أرنست التصعيد الروسي بأنه “غير ضروري وغير بناء”، مشيرا إلى أن الولايات المتحدة مستعدة للوفاء بتعهداتها للدفاع الجماعي عن الحلفاء الأعضاء في حلف شمال الأطلسي (ناتو)، وأضاف “لا نزال نشعر بقلق بسبب التهديد بالحرب الذي لا يفيد في تهدئة الصراع في تلك المنطقة من العالم، ولهذا السبب نواصل أخذ التزاماتنا بموجب المادة الخامسة من معاهدة حلف شمال الأطلسي على محمل الجد، ونواصل اتخاذ خطوات نعتقد أنها لازمة للتحضير إلى الدفاع الجماعي للولايات المتحدة وحلفائنا”.

يذكر أن التوترات بين الناتو وروسيا وصلت ذروتها إبان الحرب الباردة وكانت الأزمة في أوكرانيا قد أعادت إحياءها من جديد. ويتهم الغرب موسكو بتأجيج الصراع وهو ما تنفيه روسيا بشدة. وعزز حلف شمال الأطلسي الجناح الشرقي للحلف بعدما قالت الدول الأعضاء في شرق أوروبا إنها تشعر بالخطر من تصرفات روسيا في أوكرانيا. وأعلن بوتين عن خطة لإضافة صواريخ باليستية بعدما تعهدت موسكو بالرد على أي حشد عسكري على حدودها.

ويقول متابعون للشأن الأوروبي أن وصول الخلافات بين روسيا والغرب إلى حدود الحديث عن الأسلحة النووية يعد مسألة غاية في الخطورة، نظرا لوجود أكثر من قوة نووية كبرى في المنطقة وعلى رأسها فرنسا وبريطانيا في أوروبا وأيضا جهوزية الغواصات الأميركية الحاملة لرؤوس نووية المنتشرة في المنطقة، خاصة قرب دول البلطيق والمحيط المتجمد الشمالي، الأمر الذي يهدد فعلا سلامة البشرية جمعاء.

12