الأزمة الاقتصادية تسحق الطبقة العاملة في تركيا

انهيار الليرة يقلص القوة الشرائية لأجور العمال المنخفضة، والحد الأدنى للأجور يقترب من مئتي دولار شهريا.
الاثنين 2018/08/20
النقابات تطلق صفارات الإنذار

لا يمكن حصر التداعيات الكارثية للأزمة الاقتصادية التركية لأنها من المرجح أن تواصل الاتساع يوما بعد يوم، والتي من المرجح أن تمتد إلى جميع القطاعات مثل لعبة الدومينو.

ومع الانهيار الكبير لسعر صرف الليرة، من المتوقع أن يتواصل ارتفاع أسعار السلع الاستهلاكية الأساسية والمواد الغذائية مع انتقال تأثير تراجع العملة إلى جميع المواد الأولية وعناصر الإنتاج والأجور.

ويعني ذلك ارتفاعات كبيرة في التضخم عن المستويات المرتفعة أصلا والتي بلغت الشهر الماضي نحو 15.8 بالمئة في أسعار المستهلكين ووصلت في أسعار المواد الغذائية إلى أكثر من 23 بالمئة.

ومن المتوقع أن تلحق الأزمة الاقتصادية أكبر أضرارها وتأثيراتها على قطاع العمال في الحلقات الدنيا لسلم الوظائف، لأنها ستؤدي إلى شطب نسبة كبيرة من القدرة الشرائية لأجورهم المنخفضة أصلا.

25 بالمئة من الشباب عاطلون عن العمل وقد شطبت الأزمة جميع آمالهم بالحصول على وظيفة

وتشير البيانات إلى أن القطاع الخاص يشغل 16 مليون عامل بينهم 6 ملايين عامل يتقاضون الحد الأدنى للأجور، الذي يصل إلى 1600 ليرة شهريا، وهو ما يعادل حاليا أقل من 260 دولارا بل إنه اقترب من 200 دولار حين بلغت الليرة أدنى مستوياتها الأسبوع الماضي.

ويضطر أولئك العمال، الذين لا يجدون من يعوضهم عن نسبة التضخم التي تلتهم قدرتهم الشرائية، إلى خفض إنفاقهم على الحاجات الأساسية، الأمر الذي يعمق معاناتهم المعيشية.

أما العاملون الآخرون في القطاع الخاص، الذين يحصلون على رواتب أعلى قليلا من الحد الأدنى للأجور، فمن المرجح أنهم لن يستطيعوا الحصول على زيادة في الرواتب، مثلما حدث خلال الأزمات، حيث يلجأ أصحاب العمل إلى تحميل العاملين الفاتورة في جميع حالات الركود الاقتصادي.

وترفض الشركات عادة زيادة الرواتب أو تزيدها بمعدلات ضئيلة، متذرعة بالأزمة الاقتصادية حتى لو كانت غير متأثرة بها.

ومن الانعكاسات الأساسية الأخرى للأزمة الاقتصادية متعددة الأوجه ارتفاع معدل البطالة. فالركود وحالات الإفلاس اللذان يشهدهما القطاع الخاص سوف يؤديان إلى افتقاد الكثير من العمال لوظائفهم.

وعادة ما تتواصل تداعيات الأزمات الاقتصادية على سوق العمل لفترة طويلة حتى إذا بدأت عجلة العمل تدور من جديد في قطاع العمل الحقيقي، لأن عودة من فقدوا أعمالهم قد تستغرق سنوات عديدة.

والواقع أن نسبة البطالة في تركيا خلال الأزمة الاقتصادية العالمية قبل 10 سنوات وصلت إلى 16 بالمئة. واستمر تأثير الأزمة على سوق العمل إلى نحو 4 سنوات. أما تأثير أزمة عام 2001 فقد كان دائما، حيث أن نسبة البطالة ارتفعت خلالها إلى 10 بالمئة ولم تتراجع عن ذلك المستوى على الإطلاق.

ويظهر تأثير الأزمة الاقتصادية بصورة أكبر على العمال المؤقتين الذين لا يتمتعون بأي حقوق تذكر ويمكن شطب وظائفهم بسهولة.

ويتضح حجم الكارثة والصورة القاتمة إذا نظرنا من زاوية المتقاعدين الذين يتجاوز عددهم 12 مليونا. فالغالبية العظمى منهم تحصل على راتب تقاعدي يقل عن ألفي ليرة شهريا أي ما يعادل نحو 300 دولار حاليا.

12 مليون متقاعد في تركيا أصبحت الأغلبية الساحقة منهم تحت خط الجوع وفق المؤشرات الرسمية

وهناك أيضا نسبة كبيرة من المتقاعدين يحصلون على راتب شهري يقل عن 160 دولارا حاليا؛ ألف ليرة تركية. وهذا يعني أن أولئك المتقاعدين سوف يجدون صعوبة كبيرة في الوصول إلى المواد الغذائية الأساسية جراء ارتفاع الأسعار.

وتشير تطورات الأزمة الاقتصادية إلى أن الموظف الذي كان راتبه يعادل 800 دولار في بداية العام الحالي أصبح يتقاضى حاليا نحو 450 دولارا فقط، والموظف الذي حصل على زيادة في الراتب بنسبة 9 بالمئة في يوليو يعاني هو الآخر من خسارة في الدخل أمام تصاعد نسبة التضخم. وسيؤدي اشتداد الأزمة إلى إضعاف القوة الشرائية لجميع الموظفين.

وهناك مجموعة أخرى أثرت الأزمة الاقتصادية على حياتهم أكبر تأثير، وهم العاطلون عن العمل، والذين يصل عددهم إلى 6 ملايين، وهم يستيقظون كل صباح يحدوهم الأمل بالعثور على عمل. لكن مناخ الأزمة يعني تأجيل أحلامهم إلى أجل غير مسمى.

ويشكل الشباب الخريجون الجدد جزءا كبيرا من العاطلين عن العمل. وعندما نضع في الاعتبار أن البطالة بين الشباب تقدر بنحو 25 بالمئة، فإن ذلك يعني أن فرصة ربع الشباب من خريجي الجامعات الحاصلين على تعليم جيد، في الحصول على وظيفة سوف تتلاشى تحت عجلات انكماش الاقتصاد.

وفي الوقت الذي تنجرف فيه تركيا إلى أزمة اقتصادية عميقة نتيجة سلسلة من أخطاء الحكومة، والتي تمتد تداعياتها إلى جميع مظاهر الحياة، فإن المؤشرات تؤكد أن العمال سيدفعون الثمن الأكبر لها كما هو المعتاد.

وتنحصر أحلام هذه الكتلة الواسعة في الوقت الراهن في الصراع من أجل البقاء فوق خط الجوع، الذي يبلغ نحو 1738 ليرة بالنسبة لأسرة مكونة من 4 أفراد، وفق مؤشر الجوع والفقر لشهر يوليو الذي تم إعلانه من قبل نقابات العمال في تركيا. أما خط الفقر فيبلغ 5662 ليرة تركية.

وبذلك تشير تلك البيانات إلى أن جميع العمال في تركيا حاليا تحت خط الفقر، وقد ينجرفون إلى ما دون خط الجوع بسبب الأزمة الاقتصادية المتفاقمة.

10