الأزمة الاقتصادية تلقي بظلالها على قوة مصر الناعمة

في الوقت الذي يتحدث فيه بعض المسؤولين عن أهمية إعادة الاعتبار للقوة الناعمة المصرية، جاء الدعم الحكومي الزهيد للسينما المصرية ليشي بأن المسألة لا تحمل معاني جادة كبيرة، وأن الحكومة لا تزال غير مدركة لأهمية السينما والدور الذي يمكن أن تلعبه في دعم التوجهات السياسية.
الجمعة 2016/12/09
"لا مؤاخذة".. فيلم أنتج بدعم حكومي

على غرار الكثير من قرارات الحكومة المصرية الحالية قوبل إعلانها مؤخرا عن زيادة الدعم للسينما من 20 إلى 50 مليون جنيه مصري (ما يعادل 5.64 مليون دولار) بتكهنات وتساؤلات كثيرة.

وإذا كان هناك من احتفوا بالدعم من نوعية المسؤولين عن الصناعة، مثل نقيب المهن السينمائية، ورئيس غرفة صناعة السينما، ورئيس لجنتها بالمجلس الأعلى للثقافة، ورئيس المركز القومي للسينما، شكك قطاع كبير من المنتجين في إمكانية تنفيذ القرار وسط المشكلات الاقتصادية المتزايدة، وقلّل آخرون من أهمية الأمر لأن النهوض بالسينما يحتاج أكثر من 50 مليونا التي رصدتها الحكومة.

مسعد فودة، نقيب المهن السينمائية، أعلن عن تفاؤله بالقرار الذي جاء استجابة لمطالبات كثيرة للدولة بضرورة دعم السينما، خصوصا مع وجود الكثير من المشكلات الخاصة بالصناعة كالقرصنة وغيرها. وقال لـ“العرب” إن هناك الكثير من القرارات الهامة التي اتخذها مجلس الوزراء المصري لا تتعلق فقط بزيادة الدعم، بل جرى إنشاء شركة قابضة للصناعات الإبداعية تضم شركة للحرف التراثية، وأخرى لصناعة السينما من أجل حماية الأصول والإنتاج، وشركة ثالثة متخصصة في صناعة المهرجانات الفنية التي انتهت في مصر تقريبا.

وأضاف نقيب المهن السينمائية أنه بالنسبة إلى أزمة القرصنة، هناك اجتماعات مستمرة مع إدارة القمر الاصطناعي المصري “نايل سات” لحل أزمة القنوات التي تسرق الأفلام وقت عرضها في دور السينما، بالإضافة إلى إنشاء صندوق لتنمية صناعة السينما مهمته دعم الصناعة بصفة عامة.

أما الأمر الأكثر أهمية، فيتمثل في الاستقرار على عقد اجتماعات دورية لمناقشة مشكلات الصناعة أولا بأول، وأكد أن المنتج الخاص شريك أساسي في منظومة التطوير، في حين أن الدولة وظيفتها تسهيل المهام بشكل أكبر، كفكرة خفض الرسوم الخاصة بأماكن التصوير الأثرية إلى 50 بالمئة.

المنتج السينمائي حسين القلا تساءل في تصريحات لـ“العرب” عن الكيفية التي تراها الحكومة للنهوض بصناعة السينما، مبديا تعجّبه من تجاهل دعوة المنتجين لحضور اجتماع يخص صميم عملهم، وهم أكثر المتضررين من خسائر الصناعة.

الدعم الحكومي سيغطي أجر بطل فيلم واحد، وعلى بقية الأفراد المشاركين البحث عن جهات أخرى تدفع أجورهم

وأضاف أنه إذا كانت هناك نية لإنشاء شركة قابضة لصناعة السينما كما أعلن، فكيف ستأتي بالتمويل في وقت تعاني فيه الدولة من أزمات اقتصادية متعددة ونقص في ميزانية خدمات وسلع أهم عند الناس من السينما؟

وأعرب القلا عن عدم تفاؤله بما يحدث، وإذا كانت البداية خاطئة فمؤكد أن النهاية ستكون بالمثل، في ظل عدم وجود اتحاد لمنتجي الصناعة، وهو النظام المعمول به أيضا في كافة دول العالم، لكن أحدا لا يعيره اهتماما في مصر.

خيبة أمل

خبراء في صناعة السينما “سفّهوا” مبلغ الدعم الذي أعلنت عنه الحكومة والذي يزيد قليلا عما تقاضاه النجم عادل إمام عن بطولة مسلسله الرمضاني الأخير “مأمون وشركاه”، ما يعني أن الدعم الحكومي سيغطي بالكاد أجر بطل فيلم واحد، وعلى بقية الأفراد المشاركين فيه البحث عن جهات أخرى تدفع لهم أجورهم.

المنتج صفوت غطاس، عضو غرفة صناعة السينما، أكد أنه لا 50 ولا 100 مليون جنيه ستنهض بصناعة السينما المصرية من جديد، لأن الكارثة تتمثل في القرصنة التي ضربت جميع المنتجين في مقتل.

كما أن الدولة لا تقدم مساعدات حقيقية، بما فيها تخفيض أسعار التصوير في الأماكن الأثرية بنسبة 50 بالمئة‏، لأن السؤال الأساسي هو سبب تحصيل أموال عن التصوير في مصر، وهو أمر يمثل دعاية لها، فهل يعقل مثلا أن تبلغ تكلفة تصوير يومين بمحطة السكك الحديدية ربع مليون جنيه؟

وبينما رأى غطاس أن مكاسب الدولة أكثر من المنتجين من خلال الضرائب الضخمة التي يتم تحصيلها من شركات الإنتاج، فإن الحكومة تتقاعس في اتخاذ أي خطوات جادة لحل أزمة القرصنة.

وأشار إلى أزمات أخرى تضر بالصناعة مثل سيطرة دور العرض على الأفلام السينمائية، والظلم الذي تتعرض له بعض الأفلام بسبب مصالح أصحاب هذه الدور، بالإضافة إلى انعدام دخل التوزيع الخارجي بسبب عملية القرصنة في الفضائيات.

وختم غطاس بقوله، رغم كونه عضوا بغرفة صناعة السينما، إلاّ أنه لم تتم دعوته لحضور الاجتماع، حيث اكتفت الحكومة بدعوة خالد يوسف باعتباره رئيسا للجنة السينما بالمجلس الأعلى للثقافة والنقيب ورئيس الرقابة.

وتعجـب المنتـج شـريف منـدور، عضو غرفة صناعة السينما، لمخاوف بعض السينمائيين من فكـرة تـوزيع الـدعم ومـا تبعهـا مـن قـرارات جادة، مؤكدا أن ما حدث في الاجتماع هو خطـوة إيجـابية لا يجـوز التخـوف منها.

صفوت غطاس: مكاسب الدولة أكثر من المنتجين من خلال الضرائب الضخمة التي يتم تحصيلها

ومع ذلك استدرك قائلا إنه لا توجد حتى الآن آليات محددة لكيفية توزيع 50 مليون جنيه، وهل ستكون من خلال صندوق تنمية صناعة السينما المنتظر إنشاؤه أم عبر المركز القومي للسينما؟

أما بخصوص الشركة القابضة للسينما، فالأمر يتعلق بوجود الكثير من الموارد التابعة لوزارة الثقافة المصرية مثل البلاتوهات والأستوديوهات، ما جعل وزارة الاستثمار تفكر في التسويق لها بشكل تجاري لكي تكون موردا جديدا للوزارة.

الشركــة القــابضة ستكــون خــاصة بالصناعات الثقافية جميعها، ففي البداية ستكون هناك شركة كبيرة لصناعة السينما ثم أخرى متفرعة منها خاصة بفنون السينما والمسرح، وأخرى لإدارة هذه الأصول.

مخاوف سينمائية

بسؤال مندور عمّا تردد من أن توزيع مبلغ الدعم الحكومي يعطي الأولوية لمشروعات المخرجين الشباب، قال “هناك رغبة حقيقية في تشجيع السينما الموازية التي يقدمها الشباب ويحجم المنتجون عن تمويلها”. وضرب مثلا بفيلم مثل “لا مؤاخذة” الذي رصد حياة طفل مسيحي يتعرض للاضطهاد بسبب ديانته في إطار اجتماعي وكوميدي هادف، الذي لم يكن هناك منتج ليتحمس له، ولولا وجود الدعم لما خرج هذا الفيلم إلى الأضواء.

ورغم تفاؤل مندور بهذه الخطوات الإيجابية فإنه يتفق مع الآراء السابقة بخصوص حل أزمة القرصنة، منوها بوجود تقاعس من الدولة تجاه الكارثة، وأنه حتى الآن لا توجد قرارات واضحة تجاهها.

وأكد عبدالجليل حسن، المسؤول الإعلامي للشركة العربية، أن قرار رفع دعم الصناعة لا يزال مبهما حتى الآن، وربما يظل كذلك في ضوء حالات مشابهة سابقة، وعلى مدى العامين الماضيين لم يتم الإعلان عن الفائز في مسابقة المركز القومي للسينما، الذي يحصل على الدعم المادي، دون توضيح أسباب التأخير أو إلغاء الفكرة من الأساس.

وشدد حسن في تصريحات لـ“العرب” على ضرورة حماية المنتج المصري من القرصنة، سواء من قنوات فضائية أو عبر الإنترنت، والتي لا بد من القضاء عليها، فأي فيلم معرض للسرقة بعد 24 ساعة فقط من عرضه، وحل هذه الكارثة لا بد أن يكون في مقدمة أولويات وقرارات الدولة.

ورأى المسؤول الإعلامي للشركة العربية أن صناعة السينما القوة الناعمة للدولة المصرية، هي الوسيلة للعبور نحو العالم، لذلك من الضروري أن يكون هناك اهتمام جدي بالصناعة وأن يتم تخصيص أماكن أثرية بعينها للتصوير من أجل دعم السياحة بدلا من السفر إلى دول وأماكن أخرى.

16