الأزمة الاقتصادية تهدد المكاسب السياسية في تونس

الجمعة 2015/11/20
ارتفاع البطالة يهدد المكاسب السياسية في تونس

تونس - ما يزال الاستقرار النسبي الذي تشهده الحياة السياسية في تونس (الذي تحقق عبر الحوار الوطني وفاز المشاركون فيه بجائزة نوبل للسلام) متماسكا بشكل واسع. ويسعى العلمانيون والنقابيون والأعراف والإسلاميون داخل ائتلاف حاكم موسع إلى الحصول على امتيازات بالأساليب الديمقراطية المعهودة. لكن تحت الهدوء النسبي هناك أزمة اقتصادية تهدد المكاسب السياسية التي حققها البلد الوحيد من بين البلدان التي شهدت انتفاضات الربيع العربي.

يخشى القادة في تونس أن تؤدي البطالة المستفحلة وخاصة بين الشباب إلى تعريض السلم الاجتماعي إلى المخاطر. كما تتعاظم الفوارق بين المدن الساحلية الأكثر غنى والمجتمعات المفقرة في الداخل وهو ما يغذي الاغتراب السياسي والاجتماعي في الجهتين الغربية والجنوبية غير المطلتين على البحر. ومازالت الشركات الاحتكارية التي بنيت خلال عقود من الحكم الاستبدادي تزيد في إثراء الأقوياء وإضعاف الضعفاء وتخنق الاقتصاد.

الأمر الأكثر إثارة للقلق هو الأضرار التي تسبب فيها هجومان إرهابيان أديا إلى مقتل 60 شخصا أغلبهم من السياح الأجانب هذا العام في متحف باردو الوطني وفي المنتجع الشاطئي في مدينة سوسة. حيث أدت هذه الأحداث إلى تقليص عدد السياح الأجانب إلى النصف ما أدى إلى ضرب القطاع السياحي الذي ساهم السنة الماضية في تشغيل 20 بالمئة من القوى العاملة في تونس.

حسين العباسي الأمين العام للاتحاد التونسي للشغل الذي يضم نصف مليون منخرط من العمال التونسيين، يلاحظ أن الاستثمار، مثله مثل السياحة، انخفض انخفاضا كبيرا بسبب المخاوف الأمنية بينما حولت الحكومة أموال البنية التحتية والاحتياجات الاجتماعية لتعزيز الإنفاق على القوات المسلحة بنسبة 10 بالمئة. ويضيف بأن الاقتصاد الموازي يمثل ما نسبته خمسين بالمئة من الناتج الوطني الخام ويرتبط بعضه بالتهريب الذي تحركه نفس المسالك والوسائل التي يستعملها المتطرفون العنيفون لتهريب الأسلحة والمقاتلين.

الحكومة التونسية تواجه اليوم اقتصادا سينمو حسب تقديرات البنك العالمي بنسبة واحد بالمئة هذا العام بعد أن كان 2.6 بالمئة في السنة الماضية

وترجع جذور المشاكل الاقتصادية في تونس إلى النظام الاستبدادي للرئيس زين العابدين بن علي الذي استمر طيلة 24 سنة. حيث ذكرت دراسة صدرت سنة 2014 عن البنك العالمي بعنوان “الثورة التي لم تكتمل”. “خلف الواجهة المشرقة التي كثيرا ما كان يقدمها النظام السابق”، حيث كان بن علي يسلم الشركات الحكومية وقطاعات كاملة من الاقتصاد التونسي كإقطاعيات لحلفائه وأصدقائه المقربين. ويقول التقرير إن هؤلاء كانوا يستحوذون على المرابيح مما يرفع التكاليف للمواطنين العاديين، وحول الاقتصاد إلى “منظومة اختنقت بفسادها”.

كما أدت رقابة الدولة الشائعة إلى إحجام المقاولين عن التوسع والاستثمار في مجالات جديدة من الاقتصاد، وأخمدت المنافسة ومكاسب الإنتاجية. واستخدمت البيروقراطية المنتفخة –وهي الحل الذي اعتمدته الحكومة لمشكل استفحال البطالة- قوانين خانقة للحصول على الرشاوى بشكل منتظم والحد من النشاط الاقتصادي بشكل ملموس.

وإلى اليوم تفتقر حكومات ما بعد الثورة إلى الشرعية السياسية لمعالجة هذه السياسات والممارسات، على حد قول وليام لورانس الخبير في شؤون شمال أفريقيا. ويقول لورانس إن أفضل مكان لحل الخلافات الخاصة بالسياسات يكون داخل الائتلاف الرباعي المكون للحكومة الذي يمثل ثمانين بالمئة من المقاعد في البرلمان.

ويقول براد كانينغهام، الخبير الاقتصادي، إن قوانين العمل تحتاج إلى إعادة هيكلة إذ تطالب الشركات بحرية تخفيض وتوسيع اليد العاملة، لذلك يجب وضع حد للحظر الكامل لطرد العمال ودفع تعويضات يحددها القانون.

وتواجه الحكومة التونسية اليوم اقتصادا سينمو حسب تقديرات البنك العالمي بنسبة واحد بالمئة هذا العام بعد أن كان 2.6 بالمئة في السنة الماضية، وهو رقم أقل مما كان عليه الوضع قبل بداية الاحتجاجات التي انتهت إلى ثورة 14 جانفي 2011. وصعدت نسبة البطالة الرسمية إلى 15.2 بالمئة مقارنة بنسبة 13 بالمئة قبل الثورة مع بلوغ نسبة البطالة في صفوف الشباب حوالي 40 بالمئة، حسب منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية.

ورغم الصعوبات يقول كانينغهام، إن النمو الاقتصادي في تونس يبقى ممكنا، لأن أي نمو يتحقق في وجه الرياح المعاكسة على غرار تلك التي تصارعها تونس ينم عن وجود قوة اقتصادية قادرة على مواصلة البناء. وقال صندوق النقد الدولي، لدى إعلانه الموافقة على قرض قدره 301.6 مليار دولار إلى تونس كجزء من خطة مساعدة اقتصادية، بأن الاقتصاد التونسي كان “منيعا” باعتبار الانتقال السياسي والبيئة الدولية، أما الإصلاحات الهيكلية فتبقى “تحديا”.

7