الأزمة السورية: محاولة للفهم

الخميس 2016/01/14

الأزمة الدبلوماسية بين السعودية وإيران هي آخر حلقات المشهد المرتبك في الشرق الأوسط. ذلك المشهد الذي أرادت له الولايات المتحدة وبعض حلفائها في المنطقة مثل تركيا وقطر أن يصبغ شكل العلاقات في الشرق الأوسط. لم تتمكن أميركا من الإطاحة بسوريا ورئيسها ونظامها كما فعلت في العراق، لكنها تخلّصت من الكيماوي لمصلحة إسرائيل، ولم تتمكن أميركا من ضرب إيران كما فعلت في أفغانستان، لكنها تخلصت أو أجّلت “النووي” لمصلحة إسرائيل. زرعت أميركا “الإرهاب” بدلا من الكيماوي، كما زرعت “الطائفية” بدلا من النووي. رحلت أميركا إلى مقعد المتفرج وتركت العرب “يسهرون جرّاها ويختصمون” لمصلحة إسرائيل أولا وأخيرا.

كشفت أحداث الربيع العربي سوءة العرب في مجالات شتى، لكن الأزمة السورية أثبتت العقم في الفكر السياسي والديني للعرب، هذا العقم يترقى بالضرورة إلى الساسة والحكام، فـ”كما تكونوا يوّل عليكم”. ضعف مفهوم الدولة المدنية عند العرب ما جعل من الصوت الديني المتطرف الوسيلة الأمثل للتواصل. ولذا نجد أن سرعان ما طفت الأحزاب الدينية وخطاب الإسلام السياسي على السطح مع انطلاق الربيع العربي. ورغم أن سوريا كانت بعيدة عن مدار رياح التغيير في بداية 2011 إلا أن المخطط الخارجي والتنفيذ الإقليمي أراد لسوريا أن تركب الموجة كرها.

احتلال أميركا للعراق عام 2003 كان بداية مخطط محكم للفوضى في الشرق الأوسط الذي يهدف إلى وجود أميركي مقبول وحكومات عربية “معتدلة”، والاعتدال مصطلح أميركي بحت ذو معان متعددة، أهمها التوافق مع المصالح الأميركية في الشرق الأوسط وعمادها عدم معاداة “إسرائيل”. يشكل العراق “واسطة العقد” أو الدولة المشتركة في ثلاث منظومات: النظام الشرق أوسطي، النظام العربي، والنظام الخليجي. كل من المنظومات الثلاث هو ثلاثي القطبية بامتياز. خروج العراق نقل النظام الخليجي إلى القطبية الثنائية: السعودية وإيران، كما أن الاضطراب في مصر وسوريا أربك النظام العربي الذي تحاول السعودية لملمته أو رمرمته، وبقي النظام الشرق أوسطي مختلا، فالدول غير العربية الثلاث: إيران وتركيا وإسرائيل ثابتة لكن بغياب ما يوازنها في الجانب العربي.

بقيت سوريا عصيّة على المخطط الأميركي، بالرغم من جهود حثيثة قامت بها دول إقليمية مثل تركيا وقطر للإيحاء للشعوب العربية والعالم بأن ما حدث في سوريا هو ثورة شعبية مثلها مثل ما حدث في تونس ومصر وليبيا واليمن، وأن الرئيس السوري بشار الأسد ونظامه وجيشه يقمع الشعب ويقتله ويشرده، وإذا كان حكام تونس ومصر وليبيا واليمن قد تركوا السلطة فرارا أو تنحّيا أو قتلا أو خلعا، فعلى الرئيس السوري أن يحذو حذوهم “طوْعا أو كرها” إما بالوسائل السلمية أو بالقوة العسكرية. اجتهدت قطر ورئيس وزرائها ووزير خارجيتها حينذاك، في الهيمنة على قرار الجامعة العربية فتم تسويغ استدعاء حلف الأطلسي لضرب ليبيا، كما تم طرد سوريا من جامعة الدول العربية، وتنصيب الائتلاف السوري الهش ممثلا شرعيا لدولة سوريا.

لم يفكر العرب شعوبا وساسة وحكاما، بأن ما جرى ضد سوريا هو ذاته ما جرى حياكته ضد العراق في أسخف كذبة لذلك الجنرال الأسمر كولن باول وزير الخارجية الأميركي في مجلس الأمن. الإجراءات هي ذاتها بدءا بالإعلام الغبي، مرورا بتنحية الرئيس وتأليف معارضة كيفما اتفق، وطبخ دستور على عجل، وتأليف حكومة هزيلة، وحل الحزب الحاكم، وتسريح الجيش، وإجراء انتخابات، ثم ماذا؟ الفوضى بكل معانيها مع شيء من الإرهاب. هذا ما حدث في العراق وأفغانستان، ويحدث في اليمن وليبيا أيضا. نسخة مكررة والعرب يعيدون ذات الشيء وفي ذات الوقت يلطمون ويتحسّرون. سيناريو ما يسمى المعارضة السورية وحده كفيل بمزيد من الشفقة والرثاء والبكاء على عقم الفكر السياسي للعرب.

من ناحية أخرى ظهور داعش وأخواتها متذرعة بخطاب ديني متزمّت وانضمام الكثير من الجنسيات العربية يستحق الدراسة، ويبرهن على الخطاب الديني المختل في كثير من بلاد العرب. عاشت المجتمعات العربية ردحا من الزمن على ترحيل أخطاء حكامهم على عدم اجتماع الشمل ووحدة الكلمة، وبعد عقود من الفشل الذريع لم ترَ أفرادا في تلك المجتمعات بُدا من الانضواء تحت فكرة خلافة إسلامية جامعة علها تعيد أمجاد العرب الأوائل فضرب الإرهاب معظم الدول العربية. يضاف إلى ذلك هشاشة الدولة القُطرية العربية وضعف مفهومها لدى الحاكم والمحكوم. هي ذات الأخطاء المتكررة من الجهاد في أفغانستان، إلى الجهاد في سوريا، العرّاب واحد والعرب ذاتهم. والأخطر هو ترقية الصراع إلى طائفية مقيتة، والعرب كل العرب وقعوا في الفخ بعلم أو بجهل.

أدى “فراغ القوة” في الشرق الأوسط إلى انحراف في ما يعرف بـ”ثقل القوة” من الوسط إلى الشرق باتجاه الخليج، ومع خروج العراق بعد الاحتلال الأميركي عام 2003 وتحول القوة في الخليج إلى قطبية ثنائية عمادها: السعودية وإيران، تصاعدت حدة الحرب الباردة والاستقطابات والحروب بالإنابة، وظهر ملمح جديد في الصراع وهو التسابق نحو الزعامة في الشرق الأوسط بين السعودية وإيران تحت حجج مختلفة وبوسائل متعددة، أيديولوجية وعقائدية وطائفية وسياسية واقتصادية وثقافية وتاريخية وعسكرية، متمثلا في سباق تسلح مضن وما ينتج عن ذلك من “معضلة أمنية”. كل طرف يجتهد في إلقاء ما بجعبته من وسائل ليفوز باعتراف القوى الإقليمية والدولية بأي ثمن. ساعدت عدة عوامل على التأزم و”الرهاب” الحالي في الخليج منها:

(1) لم تستطع الدول الخليجية العربية استيعاب تلك المعطيات المؤثرة والفعّالة في نظرية توازن القوى وتحرك ثقل القوة، واللعبة الدولية بعد الاحتلال الأميركي للعراق. (2) اطمأنت دول الخليج إلى وجود الولايات المتحدة بعد احتلالها للعراق، بل إن بعضها سوّغته وسوّقته. (3) حرصت كل دولة خليجية على أن تنفرد باتفاقيات أمنية مع بعض القوى العظمى، وأقامت بعضها قواعد أجنبية في دولها. (4) أصيبت دول الخليج العربية بشيء من الصدمة والارتباك بعيد تسونامي الربيع العربي. (5) نشطت إيران في حل عقدة الملف النووي والانفتاح على الغرب والتخلص من عزلتها. (6) زادت إيران من مكرها السياسي واستفزت دول الخليج العربية بعدد من الاتفاقيات مع دول عربية يضاف إليها بعض التصريحات الممنهجة.

سوريا عصيّة على المخططات الخارجية، وسيبقى الرئيس والنظام والجيش، ما سمي “المعارضة السورية” مجرد فقاعة سياسية مؤلفة من مصالح دول إقليمية وعالمية ولن يكتب لها النجاح، أما الشعب السوري الذي خذله العرب فسيدفع عقم الفكر السياسي والديني للعرب كما دفعه الشعب الفلسطيني، أما المستفيد الأول لكل تلك الجلبة فهي إسرائيل، شكلا ومضمونا حاضرا ومستقبلاً. كما أن البحث عن زعامة سياسية أو غير ذلك في الشرق الأوسط، فلن يتحقق لأي دولة.

المحصّلة، أن العرب سيستمرون محكومين بعقم التفكير وعمق التكفير. ختاما، يتبقى لدينا سؤال حائر: إذا كان العرب طردوا سوريا الدولة من جامعة “الدول” العربية، فلماذا يحاسبون سوريا على ما تفعل ويتباكون عليها و”يتوحّمون” على عروبتها وشعبها وأرضها وسيادتها واستقلالها؟

كاتب سعودي

8