الأزمة السورية والحل البعيد

الثلاثاء 2013/11/05

تؤشر خريطة القوى المتصارعة وطبيعة أيديولوجيتها الحربية، في سوريا وعلى أرضها، إلى نمط من قوى منفلتة من إمكانية حصول تسويات قريبة، ذلك أن هذه القوى لا زالت في مرحلة التشكل والإعداد، على المستويات التنظيمية والحركية، رغم انخراط بعضها في الحرب لأكثر من عام، وبالتالي يبدو الهدف السياسي لها غير مبلور وواضح، أو أنه لم يصر بعد إلى اختبار أهدافها السياسية في الواقع العملاني، حيث لا زالت تقع ضمن المربع الأول من الصراع الذي يتسم بالحدة والعنف بقصد إلغاء الأخر وجوداً وكياناً.

تتضح ترجمة ذلك بشكل جلي في بنى الصراع الداخلي، بوصفها التمظهر الحقيقي لحالة الحرب، في حين يستبطن الصراع القوى الخارجية بداخله، إما بوصفها قنوات مغذية تمد قوى الصراع بأسباب استمرارها، أو بوصفها تشكل شبكة أمان خارجية وشريك تفاوضي خارجي. وهكذا يمكن ملاحظة أن النظام، بوصفه أحد طرفي الصراع الظاهري، ورغم التماسك الذي يظهر به، إلا أنه بات ينطوي على تيارات وقوى الاتفاق الوحيد بينها، القضاء على الطرف الآخر، لكنها هي أيضاً قوى مختلفة الأيديولوجيات والمرجعيات، فبين أجنحة بعثية، وأخرى ذات لون طائفي وميليشيات بمرجعيات خارجية يتشكل نظام جديد ومختلف، وتتفاعل هذه القوى في داخله وتلتقي عند نقطة الحرب على الثورة، وإن كان مفهومها للثورة مختلف. بين ثورة على حكم آل البيت على ما تعتقده الميليشيات القادمة من إيران ولبنان وبالتالي فإن الحرب بالنسبة لها ذات طبيعة خلاصية، وبين جهات تراها حرباً للأكثرية على الأقليات، ما يسمى باللجان الشعبية إضافة للنظام، ومجمل هذه الاختلافات في الرؤية تجعل من الصعب التوافق على مقاربة واحدة للحل أو الاتفاق على تصور يخرجها من الصراع.

الأمر ذاته، ينطبق على القوى المقابلة، أو البنية التي تتشكل منها قوى الثورة، حيث يبدو أن بعضها معزولاً عن البعد السياسي للثورة وغير معني بها، وبعضها له حسابات سياسية أبعد من الصراع السوري ومآلاته، بالإضافة إلى قوى الثورة الوطنية. غير أنه يصعب تشكيل هذا الطيف الواسع من القوى المتضاربة ضمن نسق سياسي، لفقدان الإطار الجامع لها من جهة ولاختلاف أهدافها ودوافعها السياسية، وهو الأمر الذي من شأنه أن ينعكس على القدرة في ضبط سلوكها وإمكانية تكييف هذا السلوك مع الالتزامات السياسية واستحقاقاتها.

إذن ينطوي البعد الداخلي على مكونات طرد كثيرة لإمكانية تحقيق انفراجة داخلية، وحتى على المستوى الميداني، تبدو قدرة طرفي النزاع على الحسم ضعيفة، ما دام الطرفان لا زالا يحتفظان بخطوط إمداد خارجية، وإن رجحت كفة النظام في ذلك، باعتباره يحصل على أسلحة نوعية ومن موردين واضحين، غير أن ذلك لا يتيح له الفوز في الميدان، مثلما أن قلة أسلحة المعارضة لا تضمن القضاء عليها، فتتكون على هامش هذه المعادلة أحلام الطرفين بالفوز بالمعركة. الأمر الذي يتسبب بتمديد النزاع لفترات أطول، ويؤهله لخوض معارك أكثر قساوة وتدميراً.

على المستوى الإقليمي، يمكن ملاحظة أن التدخل الإقليمي صار له بنية مستقلة تعمل بذاتها وتديرها أجهزة وإدارات في النظم السياسية الإقليمية، وصار هذا التدخل يشكل حرباً موازية للحرب السورية الداخلية، ولعلّ التطور الجديد والخطير في هذه المرحلة من الصراع الإقليمي قيام مختلف الأطراف بالكشف ليس عن أهدافها من الحرب السورية، بل ما هو أبعد من ذلك، طبيعة مشاريعها واستراتيجياتها المستقبلية تجاه الإقليم وحدود مصالحها ومساحات نفوذها ونقاط تشابكها أيضاً. والحرب بصفتها هذه وببعدها الإقليمي، من غير المقدر لها التوقف بمنتصف الطريق، ذلك أن أطرافها ما زالت في مرحلة اختبار القوى، إضافة إلى أنها لم تؤسس بعد مقاربتها السياسية للحل، وتوقف الحرب في سوريا عند نقاط التماس تلك من شأنه أن يحول دائرة الصراع إلى المراكز الإقليمية نفسها المعنية بالحرب، وهو أمر غير مقدر له الحصول الآن. دولياً، تشير دبلوماسية الحراك الدولي- بما تنطوي عليه من تكثيف صراعي لا يحتمله الحدث السوري- بأن أطراف اللعبة الدولية لم تصل لم تصل بعد إلى الاستثمار الأجدى من الأزمة، وقد كشفت استجابات بعض الأطراف الدولية المؤثرة عن تطوير مواقفها تجاه الحدث عبر تحويل الأزمة من خانة المخاطر إلى خانة الفرص والمكاسب بعد نزع السلاح الكيميائي منها، وبالتالي فإنه يمكن التعايش معها، طالما ليس هناك رأي عام متعاطف معها ويضغط على الحكومات، وبالتالي فهي لا زالت ولاّدة لكثير من الفرص التكتيكية التي قد تساعد على إنجاز مشهد إستراتيجي متوائم مع المتغيرات الجيوسياسية للمرحلة العالمية القادمة، إذ لم يكن كلام رئيس موظفي البيت الأبيض دينيس مكدانو لصحيفة نيويورك تايمز كلاما تحليليا بقد ما هو نابع عن تقدير موقف وتموضع إستراتيجي تجاه الحرب، كما أنه يأتي ضمن سياق التحول في الإستراتيجية الأميركية القاضي بترك الصراعات الإقليمية تتفاعل حتى تتحول إلى مصدر لإنهاك الأطراف الدولية المنافسة، بدلاً من استنفاذ القوى الأميركية في مواجهة هذه التحديات، ولعلّ ما يؤكد هذا التوجه، بروز مناطق توتر كثيرة في شرقي آسيا وأفريقيا في طريقها للتحول إلى نزاعات ساخنة بعد نضوج شروطها، وهو ما يؤكد حقيقة توجه إدارة اوباما إلى سياسة إغراق الخصوم بالأزمات الإقليمية التي من شأنها، ليس إبطاء عملية التحول الجارية في تراتبية هيكلية القوى الدولية وحسب، وإنما تخليق واقع جديد ومختلف على مستوى التحالفات والتوجهات الدولية في المرحلة القادمة.

على هامش هذه اللوحة الجيو-إستراتيجية المعقدة تبدو دعوات الحل وكأنها فرص لاكتشاف أفق التسويات الممكنة بين أطراف اللعبة أكثر من كونها حلول ناجزة تسعى تلك الأطراف إلى تطبيقها، وإذ تغرق أغلب المبادرات بتفاصيل إجرائية خلافية، فإنها تخلو من أي ضمانة لتحقيق ذلك الكم الهائل من التفاصيل، الأمر الذي يعكس، ليس تعقيد الأزمة وصعوبتها، بل مواقف الأطراف ورؤاها للأزمة.


كاتب سوري

8