الأزمة السياسية في تونس تتجه نحو الاحتكام إلى الشارع

اعتصام "الخلاص" يدخل يومه الرابع وسط تمسك برحيل حكومة الشاهد وتشكيل حكومة إنقاذ مصغّرة.
الثلاثاء 2018/07/03
رسائل التهدئة لم تفلح حتى الآن

تونس - تتجه الأزمة السياسية التي تعيشها تونس، على نحو متسارع، نحو الاحتكام إلى الشارع، وسط توسّع مساحة الخلافات بين الحكومة مدعومة بحركة النهضة الإسلامية من جهة، وبقية الأحزاب والمنظمات الوطنية التي تصرّ على رحيل الحكومة الحالية واستبدالها بحكومة إنقاذ وطني من جهة أخرى.

وتؤكد التحركات السياسية والحزبية، التي تكثفت على أكثر من صعيد خلال الأيام القليلة الماضية، وما رافقها من تحرك ميداني على مستوى الشارع، أن هذه الأزمة أصبحت في ذروتها بعد أن بلغت أبعادا في منتهى الخطورة.

ولم تُفلح رسائل التهدئة وإشارات قرب تجاوز هذه الأزمة في التقليل من وطأة المخاوف، التي باتت تنتاب غالبية القوى السياسية، لا سيما بعد التدحرج اللافت لهذه الأزمة نحو الاحتكام إلى الشارع، الذي عكسه “اعتصام الخلاص الوطني”.

وتواصل، الاثنين، اعتصام الخلاص الوطني، الذي كان انطلق مساء السبت بساحة باردو حيث مقر البرلمان التونسي، للمطالبة برحيل الحكومة الحالية برئاسة يوسف الشاهد، وبتشكيل حكومة خلاص وطني تتألف من 15 وزيرا يتم اختيارهم حسب مجال تخصصهم.

عبدالحميد الجلاصي: ليس هناك أي إشكال مع كل التحركات طالما كانت مدنية وسلمية
عبدالحميد الجلاصي: ليس هناك أي إشكال مع كل التحركات طالما كانت مدنية وسلمية

وتُشارك في هذا الاعتصام عدة مكونات من المجتمع المدني كانت قد بدأت تحركاتها، خلال شهر رمضان الماضي، في أعقاب الإجراءات التي اتخذتها حكومة الشاهد، وخاصة منها الإقالات التي شملت العديد من الكوادر الأمنية، وما تبعها من تعيينات أثارت حفيظة القوى السياسية وخشيتها من تداعيات ذلك على حياد المؤسسة الأمنية.

وتم خلال تلك التحركات تنظيم عدة وقفات احتجاجية وسط شارع الحبيب بورقيبة بتونس العاصمة، رُفعت خلالها شعارات مناوئة للحكومة وأخرى لحركة النهضة الإسلامية، منها “يسقط حكم المُرشد”، و”الشعب يريد حكومة وطنية دون إخوان”.

وأمام استمرار الانسداد السياسي الحالي الذي تسببت فيه حركة النهضة بإصرارها على بقاء الشاهد رئيسا للحكومة، تطورت تلك التحركات لتتحول إلى اعتصام أعاد إلى الأذهان “اعتصام الرحيل” الذي نفذته القوى الوطنية والمدنية في 26 يوليو من العام 2013 للمطالبة برحيل حكومة الترويكا برئاسة القيادي في حركة النهضة علي العريض.

ورغم اختلاف الدوافع بين الاعتصامين وتباين أهدافهما، فإنهما يلتقيان مع ذلك في مربع المطالبة برحيل الحكومة، حيث أكدت بثينة قرقري الناطقة الرسمية باسم تنسيقية “اعتصام الخلاص الوطني”، أن هذا الاعتصام الذي دخل يومه الرابع على التوالي، هو “حراك شعبي سلمي لا علاقة له بأي حزب ولا أي أجندة ولا أي حسابات ضيقة”.

وقالت في تصريح لـ”العرب”، إن هذا الاعتصام “أهدافه واضحة لا لبس فيها، ولن يتوقف ما لم يتم تحقيق مطالبنا المشروعية، وخاصة منها رحيل الحكومة الحالية بسبب فشلها في إدارة الملفات السياسية والاقتصادية والاجتماعية”.

وحذرت من أن الوضع في تونس يندفع بسرعة نحو الفوضى بسبب النظام السياسي الحالي الذي وصفته بـ”الهجين”، والقانون الانتخابي الذي قالت إنه “لا يعكس إرادة المواطن”، بالإضافة إلى “تشتت السلطة حتى أصبح المواطن لا يعرف من يحكم البلاد، ويدير شؤونها”.

وشددت على أن “ما يهم حاليا هو الاستجابة لمطالبنا، وخاصة منها تلك المرتبطة بالواقع المعيشي للمواطن في ظل الارتفاع الجنوني للأسعار، الأمر الذي يستدعي رحيل هذه الحكومة الفاشلة”.

وفيما بدأ هذا الاعتصام يفرض حضوره على الصعيدين الإعلامي والسياسي كحراك اجتماعي لافت، ارتفعت بعض الأصوات المُحذرة من خطورة اللجوء إلى الاحتكام إلى الشارع لحل الأزمة الراهنة، باعتبار أن من شأن ذلك فتح الأفق على مخاطر وتغييرات غير منظورة، تتخطى بمفاعيلها ما عرفته تونس سابقا من هزات سياسية عنيفة.

Thumbnail

وأقر عبدالحميد الجلاصي، القيادي في حركة النهضة، بأن الأوضاع في البلاد صعبة بسبب المناخ المُعقد الذي تعيشه، لافتا في اتصال هاتفي مع “العرب”، إلى أن الديمقراطية في تونس ضبطت آليات تعديل مؤسساتية لا بد من احترامها.

واعتبر أنه من هذا المنطلق لا يرى “إشكالا في كل التحركات الاحتجاجية طالما كانت مدنية وسلمية والتزمت بالقانون والدستور”، لكنه استدرك قائلا “من الناحية السياسية، لا أرى أن مثل هذه التحركات مناسبة، خاصة إذا ترافقت مع خطاب شعبوي تأجيجي تُغذيه مفردات الإقصاء، ورفض الآخر”.

ويعكس هذا التباين في الآراء أن الأزمة السياسية الراهنة التي تعيشها تونس، أصبحت مفتوحة على مختلف السيناريوهات بما فيها السيئة منها التي جعلت المتابعين للمشهد التونسي يحذرون من تداعياتها، خاصة وأن ثقة رجل الشارع بالحكومة ضعيفة جدا، تماما مثل ثقته في الأحزاب السياسية التي اهتزت كثيرا.

ومع ذلك، يقول مراقبون إنه لا يمكن تجاوز إطار الصورة الحالية وخلفيتها، ذلك أن الاتصالات والمشاورات الجارية في الكواليس، والتي يمكن وصفها بتحركات الساعات الأخيرة، لا تتوقف وقد تنتهي قريبا بالتوصل إلى مخرج لهذه الأزمة السياسية وتطويق تداعياتها الاجتماعية.

1