الأزمة الصحية تكشف عمق الفجوات الاجتماعية حول العالم

انكشاف الفوارق حافز لإعادة صياغة الاقتصاد وفق مبادئ المساواة.
الخميس 2020/08/06
تشكل ملامح عالم اقتصادي جديد

أججت جائحة كورونا اختلالات الأنظمة الاجتماعية وكشفت الفجوة بين الطبقات من خلال تكيفها مع الوباء، حيث كان الفقر والتفاوت في الأجور وحتى الاختلاف العرقي ضربا من ضروب المأساة، جراء تشديد هذه الفوارق للمخاطر الاقتصادية، غير أنها كانت فرصة لتحفيز الفاعلين الاقتصاديين على الاتعاظ من الأزمة لإعادة صياغة مستقبل الاقتصاد.

 نيويورك - أثرت الاختلافات العرقية والاجتماعية في التأثير الاقتصادي للجائحة بين البلدان، وذلك لأن الأحداث الكارثية مثل تفشي الأوبئة لطالما كانت تاريخيا حافزا لإعادة تشكيل النظم الاقتصادية، بفعل كشفها رواسب التمييز العرقي والاقتصادي الذي لا يتماشى مع مبادئ العدالة الاجتماعية التي بدأت تدركها أغلب الدول.

وتجمع الأبحاث على أن الفجوة بين الأغنياء والفقراء صارت تعريفا للقرن الـ2 ق.م أي منذ فترة طويلة من تسليط فايروس كورونا المستجد الضوء على التفاوتات العرقية وكفاح العمال من ذوي الأجور المنخفضة من أجل العيش.

وتقول وكالة بلومبرغ إن مقتل المواطن الأميركي ذي البشرة السمراء جورج فلويد على يد أحد أفراد شرطة مينيابوليس من ذوي البشرة البيضاء في شهر مايو الماضي، ركز من جديد على الجدل العالمي بشأن أسباب أوجه عدم المساواة بصورة حادة حول العالم، وما يمكن القيام به للحد منها.

وخلال الأزمة الصحية ظهرت مناطق فقيرة وخاصة بالأقليات وذات كثافات سكانية عالية، كبؤر لتفشي الوباء، وعانت من تسجيل نسب غير متناسبة من الوفيات في الدول الأكثر تضررا، والتي تتضمن الولايات المتحدة والمملكة المتحدة والبرازيل.

وبينما كان الكثيرون من ميسوري الحال يعملون من المنزل أو يستمتعون بقضاء العطلات، استمر أفراد الأطقم الطبية وأطقم التمريض وغيرهم من العاملين الأساسيين في مختلف القطاعات، في المخاطرة بحياتهم في الخطوط الأمامية.

وتضرر العمال من ذوي الأجور المنخفضة بشدة وعلى نحو غير متناسب من شطب الوظائف، وفي الولايات المتحدة وصلت البطالة إلى أعلى مستوياتها منذ فترة الكساد الكبير.

شركة أديداس أي.جي الألمانية  تعد بأن يمثل ذوو البشرة السمراء أو اللاتينيون نسبة 30 في المئة من موظفيها

وكان كل ذلك بمثابة خلفية لوفاة فلويد، التي أثارت حفيظة أكبر الحركات الحقوقية المدنية في الولايات المتحدة وأدت إلى تنظيم احتجاجات في مختلف أنحاء العالم.

وجمعت الدول الغنية تريليونات الدولارات من أجل إغاثة مواطنيها من تداعيات الوباء، بينما عانت الدول الأفقر في أميركا الجنوبية وأفريقيا من أجل جمع المساعدات. كما تدخلت الحكومات لدعم شبكات الأمان والنظم الصحية.

وتدفقت الشركات الأوروبية على البرامج الحكومية التي أبقت على رواتب الملايين من العاملين لعدة أشهر. كما تدخلت الحكومة الأميركية لتقديم مزايا أكثر قوة من أي وقت مضى، تتضمن صرف شيكات مصرفية تحفيزية للأسر.

كما تم إصدار قرارات لم يسمع بها من قبل، مثل الإعفاءات الضريبية للإجازات المرضية المدفوعة والتأمين ضد البطالة للعاملين المستقلين.

ويبدو أن الأزمة زادت من فجوة عدم المساواة، حيث حذر البنك الدولي من أنه من الممكن أن يؤدي الوباء إلى عكس أعوام من التقدم بالنسبة للفقراء في الدول الأقل تقدما، مثل الهند ونيجيريا، مع توقع دخول ما يصل إلى 100 مليون شخص آخر في دائرة الفقر المدقع.

ولكن، ما المقصود تحديدا بعدم المساواة؟ لقد تطور هذا المصطلح ليصبح جامعا للعديد من العلل ذات الصلة، والتي تتضمن الفقر وجمود الأجور والانقسام الطبقي والاضطراب الاجتماعي.

وعما إذا كان من الممكن أن يؤدي الوباء إلى تغيير الأمور، فمن الجدير بالذكر أن الأحداث الكارثية مثل تفشي الأوبئة، كانت من الناحية التاريخية حافزا لإعادة تشكيل النظام الاقتصادي.

الدول الأفريقية عانت بدرجة أكبر من تداعيات فايروس كورونا
الدول الأفريقية عانت بدرجة أكبر من تداعيات فايروس كورونا

ويشار إلى أنه خلال فترة الكساد الكبير، اكتسب العمال الأميركيون شبكة أمان، من خلال الصفقة الجديدة (وهي عبارة عن مجموعة من البرامج الاقتصادية التي ركزت على الإغاثة والإنعاش والإصلاح).

وبعد الحرب العالمية الثانية فازوا بتحسن المستوى المالي لأصحاب العمل وحصول العاملين على أجور أعلى.

ومن ناحية أخرى، فقد فشلت إلى حد كبير الجهود التي تم بذلها من أجل توظيف الأقليات والاحتفاظ بها في العمل وتعزيز موقفها، في تضمين المزيد من الفئات ممن لا يوجد من يساندها أو يدافع عنها ضمن الوظائف الأعلى أجرا.

ووعدت شركة أديداس أي.جي الألمانية للملابس الرياضية بأن يمثل ذوو البشرة السمراء أو اللاتينيون نسبة 30 في المئة على الأقل من الموظفين الجدد في الولايات المتحدة.

كما التزمت شركة بلاك روك بزيادة قوة العمل لديها من الموظفين من ذوي البشرة السمراء بنسبة 30 في المئة بحلول عام 2024، ومضاعفة نسبة القادة من كبار السن من حصتها الحالية التي تبلغ نسبتها 3 في المئة.

كما أن هناك دعوات أيضا لإجبار المزيد من الشركات على الكشف عن بيانات حول التركيبة العرقية وتلك القائمة على نوع الجنس لقوتها العاملة.

وقد جددت الاحتجاجات العالمية ضد العنصرية الدعوات من أجل دفع تعويضات لتصحيح المخالفات الموروثة. ففي المملكة المتحدة، أقرت مؤسسات يعود تاريخها لمئات السنين، بصلاتها بتجارة الرقيق في بريطانيا.

كما تعهدت شركة لويدز للتأمين في لندن في يونيو الماضي بالتبرع بمبلغ غير محدد للجمعيات الخيرية التي تعزز فرص عمل ذوي البشرة السمراء والأقليات.

وتصل قيمة المقترحات الخاصة بتعويض الأميركيين من ذوي الأصول الأفريقية عن أيام العبودية، إلى التريليونات من الدولارات. وقد تشمل الخطوات المؤقتة تأسيس صناديق ائتمان ذات تمويل اتحادي للأطفال من ذوي البشرة السمراء، يمكن استفادتهم منها لاحقا لدفع مصاريف التعليم أو بدء عمل تجاري أو شراء منزل.

وقد سلطت محنة العمال الأساسيين التي ظهرت خلال فترة تفشي الوباء، الضوء على عدم تمتع العمال بالحماية الكافية، بالإضافة إلى تدني أجور من يحافظون على سير الحياة داخل المجتمع.

10