الأزمة العراقية بعيون بعض المحللين البريطانيين

الجمعة 2014/06/20

منذ سقوط نينوى بيد «داعش» وبعض المجموعات العراقية المسلحة، أخذت الأزمة العراقية مساحة واسعة في الصحف البريطانية وانهمك محرِّروها وكتابها برصد المواقف السياسية والانهيارات العسكرية وتداعياتها السلبية على الروح المعنوية للحكومة العراقية من جهة، وعلى المكوِّن الشيعي الذي أججته فتوى السيستاني المثيرة للجدل من جهة أخرى، حيث تطوع مئات الآلاف من العراقيين الشيعة بحجة الدفاع عن الأماكن المقدسة ومقاتلة عصابات «داعش» وكأنّ العراق لا يمتلك أكثر من مليون مقاتل من الجيش والشرطة، إضافة إلى العناصر الأمنية التي تتحمل مسؤولية الدفاع عن الوطن ولا يحتاج ما أسمته المرجعية «الجهاد الكفائي» الذي سيزيد الطين بلّة.

نشرت صحيفة الغارديان في افتتاحيتها يوم 17 يونيو مقالاً يُعبِّر عن وجهة نظرها بـ”التعاون الأميركي- الإيراني في الشرق الأوسط” وقد جاء في العنوان الفرعي”إيران والولايات المتحدة لديهما مصالح مشتركة في العراق: فهل يتعاونا معا وعلى نطاق أوسع؟ ذكرت الافتتاحية: (لو أن أي شخص قال قبل سنة مضت أن أميركا وإيران يمكن أن تتعاونا اليوم معاً لحل أزمة عالمية كبيرة لوُصِف بـ«المجنون». يجب عدم المبالغة في درجة التقارب بين البلدين لأن المصالح المشتركة ظهرت للعيان بسبب تهديد العراق من قِبل الدولة الإسلامية في العراق والشام.

وورد في الافتتاحية ذاتها «أن عراق اليوم يمكن أن يُرى مثل بيت شيّده الأميركيون بشكل غير جيد، ثم وضعت إيران يدها عليه وسيطرت على نصفه بطريقة غير جيدة أيضاً. فلا طهران ولا واشنطن تريدان أن تريا ما صنعته أيديهما يتحطم على الأرض لما ينطوي عليه من تداعيات وخيمة ليست على العراق فحسب، وإنما على المنطقة برمتها».

الفكرة الأكثر أهمية في هذه الافتتاحية هي اتفاق أميركا وإيران على ما يجب القيام به حيال المالكي الذي وصفه الكاتب بأنه «يُعدّ من أسوأ رؤساء الوزراء العراقيين. فالعراق لا يُحب المالكي ولا المالكي يحب العراقيين». ذكرت الافتتاحية إن إيران ساندت المالكي خلال دورتيه السابقتين وقد تعزّز بقاؤه في السلطة بسببها، فلا غرابة أن يتساءل كاتب الافتتاحية: إن كان المالكي من رجال إيران حتى هذه اللحظة الكارثية التي يمرّ بها العراق، وإذا كان الأمر كذلك فهل يتوجب على أميركا أن تسانده أيضاً؟ وما هو السبب الكامن وراء هذه المساندة؟ خصوصاً وأن المالكي لم يتعلّم من الأخطاء السابقة التي ارتكبها بحق العراق والعراقيين. ختم الكاتب افتتاحيته بالقول: “إذا أردنا أن نكون متفائلين فإننا يمكن أن نرى الأزمة العراقية قد تساعد إيران وأميركا على إبرام «الصفقة الكبرى» التي تهربوا من عقدها في الماضي».

نشر باتريك كوكبيرن، المتابع للشأن العراقي، مقالاً في الأندبندنت تحت عنوان “الأزمة العراقية” صوّر فيه نمو المخاوف لدى العراقيين من أن بغداد يمكن أن يلتهمها العنف الطائفي بينما تقترب “داعش” من العاصمة. كما أشار إلى أن الجانبين يستعملان المجازر التي حظيت بتغطية إعلامية جيدة لتشجيع التغييرات الديموغرافية التي يبتغيانها. واضح أن كوكبيرن يعتمد المعلومات التي يوفرها الطرفان المتحاربان، فقد ذكر في مقاله أن هناك مجازر متبادلة وقتل 63 سجيناً سنياً في بعقوبة يحتمل أن يكون الجُناة من الشرطة العراقية أو من قِبل أفراد العصابات المليشياوية الشيعية. كما أورد تصريح قاسم عطا، الناطق باسم القوات المسلحة، الذي قال بأن الضحايا قُتلوا نتيجة قصف المسلحين، بينما ذكر موظفون في الطب العدلي أن الضحايا تعرضوا إلى إطلاق نار من مسافة قريبة. في المقابل عرض المسلحون صورا قيل إنها تعود لنحو 1700 طالب شيعي تم إعدامهم في الكلية العسكرية في تكريت.

ذكر كوكبيرن بأن المجازر التي يشهدها العراق أكبر بكثير من الاغتيالات الفردية التي وقعت في ذروة الاقتتال الطائفي عامي 2006 و2007 وأن التوتر بلغ أشده بعد أن دخل المسلحون محافظة ديالى التي لا تبعد أكثر من 60 كلم عن بغداد التي يعاني مواطنوها من تدهورٍ في المعنويات، خصوصاً وأن قطعات الجيش والشرطة العراقية لم تحقق نجاحاً منذ سقوط نينوى قبل بضعة أيام.

انتقد كوكبيرن الانتصارات المزعومة التي تبثها القناة الرسمية للحكومة، أو الأخبار الكاذبة التي تنشرها الصحف الموالية لحكومة المالكي، حيث توحي باندحار داعش والمجموعات المسلحة التي تناهض النظام القائم برمته. دحض كوكبيرن افتراءات النظام العراقي الذي يبالغ بقوته العسكرية. يذكر أن صحيفة «المشرق» التي استقى منها كوكبيرن هذا الخبر تؤكد هروب (42) عضواً من أعضاء البرلمان مع عوائلهم إلى عمّان، وتركوا الشعب الذي انتخبهم يواجه مصيره الغامض.

تخشى المكونات الشيعية، حسب كوكبيرن، من فقدانها للسلطة فلا غرابة أن تدعم المالكي وإن اختلفت معه، كما هو حال كتلتي الأحرار والمواطن وغيرهما من المكوّنات الشيعية التي اندفع أبناؤها للتطوع إثر فتوى السيستاني، لكن أحد المتابعين وضع كوكبيرن في الصورة: «عديد المتطوعين لم يطلقوا إلا نار المسدسات في الأعراس، وهم يحتاجون إلى التدريب».

هذه هي صورة الوضع العراقي الذي تراه عيون بريطانية تنقل الحقيقة رغم مرارتها. وما يحتاجه المواطن العراقي هو أن يوضع في الصورة لا أن يُشوّش ذهنه بالأكاذيب.


كاتب عراقي

8