الأزمة الليبية: الحل ليس الانتخابات

غياب التوافقات المحلية والدولية يحول دون أي تسوية في الأزمة الليبية، والخيار الانتخابي في بيئة سياسية منقسمة يجدد دورة الصراع.
الثلاثاء 2018/06/05
اتفاق على عدم الاتفاق

جمعت باريس مؤخرا الأطراف الرئيسية في الأزمة الليبية ضمن طاولة حوار فشلت في أن تضع ليبيا على طريق الأمل للخروج من الفوضى، ورفعت من الأصوات المتسائلة: هل يمكن للخيار الانتخابي في ديسمبر المقبل إعادة بلد ممزق ومنقسم السلطات والمؤسسات منذ سنوات إلى الاستقرار في غضون أشهر قليلة، هذا إن تم فعلا إجراء الانتخابات.

من وجهة نظر مبادرة باريس نعم. لكن عمليا يواجه هذا الخيار إشكاليات عديدة، تكمن في توافر شروط انعقاده وطريقة النظر له كمقاربة حقيقية لتسوية الأزمة، بعيدا عن مآلاته لجهة تحقيق الاستقرار.

عادة ما تربط بين الخيار الانتخابي وتسوية الأزمات في البيئات الصراعية المعقدة. قد يكون ذلك الربط صحيحا، حال كانت الانتخابات تعقد في بيئات سياسية تملك الحد الأدنى من التوافق. لكن عندما يتم اللجوء لهذا الخيار في بيئة تحكمها صراعات مسلحة ومتعددة الانقسامات وتفتقد لقوة أمنية مركزية، يصعب أن يفرض الرابحون القواعد السلمية في إدارة الدولة، لأن الخاسرين يملكون قوة الرفض بالسلاح.

وفي تجارب ليبيا ذاتها في عامي 2012 و2014 مثال على ذلك، حيث أدّت الاستحقاقات الانتخابية في ظل السياق الميليشياوي إلى تحولها إلى أداة انقسامية أكثر من كونها مقاربة توافقية.

في سنة 2013، تم فرض قانون العزل السياسي بالقوة الميليشياوية لصالح جماعات الإسلام السياسي إبّان المؤتمر الوطني العام، والذي ألغاه لاحقا مجلس النواب، كما أن انتخابات مجلس النواب أعقبتها حرب أهلية ضروس في صيف 2014، ومسودة الدستور التي صاغتها هيئة الستين المنتخبة نشأت حولها خلافات حادة ودخلت نفقا مجمدا.

الفاعل الميليشياوي

عاد الفاعل الميليشياوي ليطل برأسه مجددا ليعارض اتفاق باريس، وأي خيار انتخابي، عندما أعلنت مؤخرا كتائب ميليشياوية رئيسية في الغرب الليبي، من مصراتة، رفض فرض أيّ حل خارجي. ويدرك المعنيون بالشأن الليبي أنه يصعب تجاهل مصراتة في أي استحقاق سياسي، كونها قوة عسكرية واقتصادية واجتماعية مؤثرة في توازنات الغرب الليبي.

صارت كتائب موالية لحكومة فايز السراج مسيطرة نسبيا على العاصمة طرابلس، بما يمكنها من عقد الانتخابات فيها، لكنها في خلاف مع كتائب مصراتة وميليشيات الزنتان التي لم تنس خسائرها الفادحة في عام 2014، بخلاف أن طرابلس عانت مؤخرا اختراقات داعشية، كما بدا في التفجير الأخير لمقر مفوضية الانتخابات.

وباستطاعة الجيش الوطني الليبي، بقيادة المشير خليفة حفتر، المسيطر على مجمل الشرق، باستثناء درنة، المساهمة في توفير الظروف لعقد الانتخابات، لكن تبدو معضلته أكثر في الجنوب، حيث لا يسيطر عليه بالكامل، مع وجود ميليشيات متصارعة من الداخل الليبي ودول الجوار الإقليمي، خاصة تشاد والسودان والنيجر. تنظر تلك الميليشيات إلى الخيار الانتخابي، وما يسفر عنه من سلطة موحدة على أنه يخصم من عوائدها في الجريمة المنظمة والهجرة غير الشرعية والتجارة الحدودية.

المفارقة في اتفاق باريس أن الأطراف الأربعة الليبية لم يوقّعوا عليه، ما جعل إيمانويل ماكرون يقتصر على موافقتهم شفاهيا

كما أن غياب الاعتراف السياسي بين أطراف النزاع يشكك في إمكانية قبول نتائج الانتخابات، إذا لم تكن في صالح أي من الأطراف الرئيسية للأزمة. وخلق التراكم الانقسامي، خلال السنوات الماضية، حالة من الإنكار المتبادل المستمر بين الفرقاء الليبيين لم يعالجها اتفاق الصخيرات أو اتفاق باريس.

وخرج خالد المشري، رئيس مجلس الدولة، عقب اجتماع باريس، بتصريحات عدائية لا تسهم في توفير أجواء ما قبل الانتخابات، بل تشكك في مدى قبول نتائج الانتخابات حال عقدها. وأشار إلى أنه “لا يعترف بحفتر إلا من منظور قوة الأمر الواقع″، وزاد على ذلك بقوله إنه “مطلوب للقضاء بتهمة الانقلاب”.

في المقابل، أكد عقيلة صالح، رئيس مجلس النوب، أن حفتر “خط أحمر”، وشكك في التزام الأطراف الليبية الأخرى باتفاق باريس، واتهم مجلس الدولة وبعض النواب بأنهم لا يريدون الخروج من الأزمة، لأن لدى بعضهم مصالح شخصية.

وسط هذه التصريحات، تتزايد الشكوك حول القبول السياسي من الأطراف الليبية لعقد الانتخابات أو حتى قبول نتائجها. والمفارقة في اتفاق باريس أن الأطراف الأربعة الليبية (عقيلة صالح وخليفة حفتر وفايز السراج وخالد المشري) لم يوقّعوا عليه، ما جعل إيمانويل ماكرون يقتصر على موافقتهم شفاهيا.

الحاضنة الاجتماعية

يشكّل غياب الحاضنة الاجتماعية للخيار الانتخابي السلمي عائقا أمام تحوّله إلى مقاربة فعّالة للتسوية، لأن الانتخابات ليست عملية إجرائية فقط تتعلق بحسم السلطة عبر الصناديق، إنما تعكس في مضمونها سياقا مجتمعيا محفزا للاحتكام للخيار السلمي لإدارة شؤون المجتمع والدولة.

لا يزال هذا السياق يحفل بتوترات وأزمات مع عدم اكتمال مسار المصالحات المجتمعية أو معالجة الأزمات العالقة، مثل المهجّرين وتعويضاتهم، كما الحال مثلا في اتفاق مصراتة وتاورغاء، الذي يواجه عراقيل لتنفيذه.

يؤكد الخيار الانتخابي على الطريقة الفرنسية، أنه جاء متعجلا لحل أزمة معقدة ومتشعبة الأطراف والقضايا، ولم يأخذ في الحسبان أن أيّ تسوية سلمية يفترض أن تأخذ وقتا للنضوج، كي يكتب لها النجاح.

إذا كان المبعوث الأممي غسان سلامة فشل خلال الأشهر الماضية في التوصل إلى توافق حول تعديلات اتفاق الصخيرات، فكيف يمكن للفرقاء الليبيين في غضون ستة أشهر تسوية الأزمة برمتها

إذا كان المبعوث الأممي غسان سلامة فشل خلال الأشهر الماضية في التوصل إلى توافق حول تعديلات اتفاق الصخيرات، ما جعله يذهب في إفادته الأخيرة أمام مجلس الأمن (قبل اتفاق باريس) إلى أن الانتخابات إلى الحل، فكيف يمكن للفرقاء الليبيين في غضون ستة أشهر تسوية الأزمة برمتها، لا سيما إذا وضعنا في الاعتبار أن الاتفاق الفرنسي نص على وضع الأسس الدستورية واعتماد القوانين بحلول 16 سبتمبر المقبل، وبعدها بثلاثة أشهر يتم إجراء الانتخابات.

تهيئة البيئة الداخلية

تجاوز التعجّل الفرنسي بعض القضايا الرئيسية المرتبطة بالخيار الانتخابي، ولجأ إلى تعميمها دون الحسم، كما هو الحال في غموض موقف الاتفاق إزاء مصير مسودة الدستور الليبي المختلف عليها. ولو تم اللجوء إلى الاستفتاء على الدستور، فهذا يعني صعوبة عقد الخيار الانتخابي هذا العام، وإذا تم تجاهل المسودة والاعتماد على الإعلان الدستوري في 2011، ستنشأ معضلة إضافية تتعلق بالخلافات حول صلاحيات السلطة الجديدة التي تفرزها الانتخابات، والمواد التي لم يتم حسمها في اتفاق الصخيرات، خاصة مواد الشق الأمني التي تخص تعيين قادة المؤسسات الأمنية.

وقد يواجه القانون، الذي يفترض أن يصدره مجلس النواب في سبتمبر المقبل، كي يؤهل الساحة الليبية للانتخابات بخلافات أكثر حدّة بين الفرقاء لأنه يلعب دورا أساسيا في تحديد مواصفات المرشحين واختيار طريقة النظام الانتخابي ذاته الذي يسهم في رسم المعركة الانتخابية من حيث موازين القوى المحتملة.

يصطدم المسعى الفرنسي إلى تعزيز النفوذ داخل المعادلة الليبية، بقوى أوروبية أخرى، مثل إيطاليا وبريطانيا، حيث أكدت كل منهما أنه من الأهمية بناء سياق دستوري صلب قبل الذهاب إلى الانتخابات، كي لا ينتج انقساما أعمق.

تبدو واشنطن غير عابئة بالصراعات الأوروبية حول ليبيا، وكل ما يعنيها مكافحة الإرهاب، وهو ما ظهر مؤخرا في لقاء قائد الأفريكوم (القوات الأميركية في أفريقيا) توماس وولد هاوسر، مع فايز السراج وقيادات في حكومة الوفاق، وانصبّ اللقاء على التعاون مع طرابلس لمكافحة داعش.

الأهمّ معضلة الموازين الميدانية التي تتحكم في فشل أو نجاح أي خيار سياسي في ليبيا، ولعل فرقاء الغرب الليبي ومن خلفهم إيطاليا تحديدا يخشون من تبعات سيناريو تحرير درنة من الإرهابيين على يد الجيش الليبي، لأن ذلك لا يعني مجرد استكمال سيطرته على الشرق بكامله، لكن ستكون له ارتدادات عسكرية وسياسية سلبية على موازين القوى في غرب ليبيا، خاصة الإسلاميين الذين يراهنون على الخيار الانتخابي لعودتهم مرة أخرى للساحة السياسية. وهو ما يفسر مناشدات قوى الغرب الليبي، وخلفها إيطاليا، على الجيش لوقف معركة درنة.

من دون تحديد الأولويات بدقة، يصبح الخيار الانتخابي دورة جديدة من دورات الصراع، أو في أفضل الأحوال مسكّنا مؤقتا للأزمة ستتلاشى آثاره عندما تتغير توازنات القوى والتحالفات المتحركة لفرقاء الداخل والخارج.

6