الأزمة الليبية.. بين خطاب التأويل وسباق التدويل

الاثنين 2016/10/10

إن ما شهدته الحياة السياسية في ليبيا خلال الخمس سنوات الماضية من تعارض للإرادات السياسية المختلفة وفشلها في الالتفاف حول أولويات وطنية، لم يعد مجرد خلاف سياسي لا يفسد للود قضية، بعدما أضحى الوضع الراهن في ليبيا يشهد تأزما غير مسبوق يهدد بانهيار شامل لكيان الدولة الليبية وانقسامها وتمزيق لنسيجها الاجتماعي واستنزاف هائل لثرواتها ومقدراتها وأرصدة احتياطياتها، وعلى الرغم مما توصل إليه الفرقاء من اتفاق سياسي والتوقيع عليه في 17 ديسمبر 2015 بعد حوار ماراثوني، والذي لا يزال هو الممكن والمتاح إيجابيا برغم وجود حالة من التوجس قد أصابت بعض الأطراف لتحسسهم من بعض الشواغل والمخاوف المقدرة (تبعا لأزمة الثقة بين الفرقاء)، فإنه ليس من المستساغ الآن أن ندافع أو نغض البصر عن شعارات ومثاليات غامضة، أو صيغ سياسية صحيحة ومثمرة من الناحية النظرية والشكلية، دون إخضاعها لتقييم شامل يشمل كل تركيباتها ومكوناتها ومخرجاتها العملية والواقعية، ومن ثم محاولة إصلاحها والدفع بها لتحقيق وفاق وطني:

1- سوء وضعف إدارة البرلمان، وعطالة وجمود لجانه البرلمانية وانقسامه على نفسه وما يعيشه من حالة تماه، واستمراره في تمطيط الوقت والمماطلة دون عقد جلسات حقيقية قانونية يعبر فيها النواب عن آرائهم بكل حرية وتجرد وفقا للائحته الداخلية، وأيضا عجزه عن تقديم خطاب وطني متوازن يستوعب كل الأطياف السياسية والجغرافية والاجتماعية، ويجمع فيه الليبيين على مائدة حوار واحدة ليؤسس لمشروع تجاوز العنف السياسي الليبي بكل ملفاته (عدالة انتقالية، جبر الضرر، التسامح، التعويض، رد الاعتبار) وليعلن بذلك التدرج من التهدئة إلى حالة الهدوء النسبي فالاستقرار.

2- يضاف إلى ذلك أيضا ما يعانيه المجلس الرئاسي من حالة تمانع داخلي، وعدم ترفق بعض أعضائه بشؤون إدارة الدولة والشأن العام، والتلكؤ والبطء في تنفيذ برنامج عمل حكومة الوفاق الذي يرتكز على الترتيبات الأمنية وحل وإدماج التشكيلات المسلحة، وتحريك عجلة الاقتصاد والمصالحة الوطنية الشاملة، ويعزى ذلك إلى عدم قبول البعض بمبدأ الشراكة السياسية وإذكاء روح التنازل عن المصالح الذاتية والحزبية والمناطقية والقبلية لأجل المصلحة الوطنية العليا (خاصة باعتبارهم يمثلون أطراف الصراع)، وحيث كان بالإمكان توظيف اختلافاتهم وتوجهاتهم السياسية المختلفة واستثمارها كطاقات إيجابية وكتنوع طبيعي يمزج في خطاب وطني واحد يسعى لتجاوز هذه المرحلة الانتقالية، والوصول بالدولة إلى مرفأ الأمان واستقرار الحياة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر دستور موحد ودائم للبلاد، ومن ثم إجراء انتخابات رئاسية وبرلمانية حسب ما ينص عليه الدستور.

3- وبالنظر إلى ما قام به البعض من أعضاء المؤتمر الوطني السابق بمحاولة ولادة “المجلس الأعلى للدولة” وهو لم يزل في حالته الجنينية، ومحاولة فرض سيطرة طيف سياسي واحد على هذا المجلس وهو في إطار التكوين مما تسبب في صراعات حادة بين أعضائه المقترحين قبل ولادته كجسم استشاري منبثق عن الاتفاق السياسي. بعضهم حاول الانقلاب على السلطة التشريعية، والبعض الآخر حاول إعادة تدوير وإنتاج المؤتمر الوطني من جديد وخلقه من العدم كوسيلة للعبث وخلط الأوراق وإطالة عمر الأزمة.

4- كان لحدة الاستقطاب (وفقا لحالة الانقسام والممانعة في تطبيق الاتفاق السياسي) بالغ الأثر على المؤسسات والهيئات السيادية الاقتصادية والخدمية، لا سيما مصرف ليبيا المركزي وهيئة الاستثمار ومؤسسة النفط وشركة الكهرباء، الأمر الذي أدى إلى اصطفاف إدارات البعض من هذه المؤسسات إلى أحد أطراف الصراع، بل والتمادي إلى تفريغ كوادرها الفنية المؤهلة وإحلالها بأخرى وفقا لطبيعة الولاءات ومراكز القوة سواء كانت سياسية أو مناطقية أو قبلية.

عدم إيمان البعض من أطراف الصراع بفلسفة الدولة الوطنية أدى إلى لجوئهم إلى الاستعانة بنظرائهم سياسيا وأيديولوجيا وإقليميا ودوليا، دون الالتفات إلى شركائهم في الوطن، والتوجه إلى دول الإقليم التي كثيرا ما افتقرت إلى إرادة سياسية فاعلة لتقديم مبادرة حقيقية يمكنها أن تساهم في نبذ الصراع وتقليص الهوة بين الفرقاء في ليبيا، وعدم قدرتها على لعب مثل هذا الدور عائد إلى وقوعها تحت تأثيرات أوضاعها الداخلية السياسية والاقتصادية أو عدم حياديتها، مما أدى إلى غموض والتباس بعض الرسائل السياسية التي توجهها البعض من دول الجوار الإقليمي مما يضفي تعقيدات إضافية على مفاعيل الأزمة.

إن استمرار هذا السباق المحموم بين أطراف الصراع نحو تدويل الأزمة يضعف من قوة الوسيط المحلي والخيارات الوطنية المتاحة للحل، ويجعل ليبيا مسرحا لأتون الصراعات الدولية، مما يؤدي إلى استمرار حالة الاحتراب الداخلي المدعوم خارجيا وظهور موجات متوالية من الجيوب المسلحة التي سوف تشكل، مع مرور الوقت، مراكز استقطاب جديدة تعمل على خلق المزيد من الخروقات والتمزقات والوضعيات الهشة في كيان الدولة وأركانها، مما يساعد على تناسل الكثير من القوى القزمية المسلحة التي تحاول استثمار حالة الفراغ في توسيع سيطرتها وبسط نفوذها وتسهم في ازدياد تدني الأوضاع المعيشية والإنسانية للمواطن وانعدام أساسيات الحياة (الأمن والغذاء والدواء).

بناء على ما تقدم، فإن الأمر يدفعنا إلى أن نناقش وبصوت عال دون خجل وبكل شجاعة كل الشواغل والمخاوف لدى الأطراف جميعا، وإلى أن نجدد بناء جسور الثقة دون استثناء أو إقصاء لأحد بما لا يتعارض مع وحدة التراب الليبي وحرمة دماء الليبيين، ودون الحاجة للعودة إلى الوراء حيث يصعب الاتفاق على مشروع سياسي جديد نهدر فيه وقتا وجهدا ودماء، وهنا يتحتم على الجميع التحلي بالمسؤولية الوطنية والالتفاف حول مرجعية وطنية واحدة والإذعان والرضوخ للشراكة السياسية والتداول السلمي للسلطة واحترام صناديق الاقتراع واستقلالية المؤسسة العسكرية ودعمها في مكافحة الإرهاب، على أن يصاغ هذا في وثيقة تحت مسمى “ميثاق السلم الوطني”، ينطلق (أي هذا الميثاق) من أرضية الاتفاق السياسي ومكملا له مستوعبا كل النقائص والشواغل والمخاوف ويزيل اللبس والغموض.

نائب في مجلس النواب الليبي

8