الأزمة الليبية تدفع الإعلام المصري إلى تجاوز محليته

سياسة إعلامية جديدة تركز على التفاعل الإقليمي والتأثير الدولي لقضايا المنطقة.
السبت 2020/01/11
ما يجري خارج الحدود جزء من اهتمام المواطن المصري أيضا

ظهرت بوادر التغيرات في السياسة الإعلامية المصرية مع عودة وزارة الإعلام، وسحب البساط من تحت أقدام الأجهزة الأمنية التي كانت تدير المشهد الإعلامي، والنقطة الأبرز في هذا التحول الانفتاح على قضايا المنطقة وخصوصا بعد التدخل التركي في الشأن الليبي وتأثيره على الأمن القومي المصري.

القاهرة - فرضت التدخلات التركية في ليبيا، على الإعلام المصري زيادة الاهتمام بالتطورات الإقليمية، وأصبح التغير ملموسا في نوعية القضايا محل الاهتمام منذ تولي أسامة هيكل وزير الدولة للإعلام منصبه الشهر الماضي.

وبدأت صحف وفضائيات ومواقع مصرية تضخ معلومات وتحليلات عن الأزمة الليبية التي كان الاهتمام بها محدودا، على الرغم من اندلاعها منذ تسعة أعوام وتأثيراتها معروفة على الأمن القومي لمصر.

لم يعتد الإعلام المصري هذا النوع من القضايا، وكان مكبّلا بقيود عديدة، وانصب تركيزه على الأوضاع المحلية، غير أن الشعور بعدم مبالاة الرأي العام بما يجري في محيطه، فرض على الحكومة التنبيه على وسائل الإعلام بعدم تجاهل ما يجري من تطورات لها انعكاس مباشر على مصر، وظهر ما يشبه تحضير الجمهور لكل الاحتمالات بما فيها تدخل الجيش المصري في ليبيا.

وأكدت مصادر إعلامية لـ”العرب”، أن الأيام القليلة المقبلة ستشهد التركيز على أن يكون الإعلام صاحب صبغة خارجية، بحيث يحصل القارئ والمشاهد على المعلومات المرتبطة بالمشكلات التي تواجهها الدولة ولها أبعاد إقليمية، من الصحف والقنوات المحلية، وإتاحة حيّز أكبر للمعلومات لمواجهة الحرب التي تنال من بعض تحركات مصر.

ويأتي ذلك بعد إقرار مجلس الوزراء المصري، الأربعاء، للسياسة الإعلامية التي عرضها هيكل، وسوف يصدر خلال أيام قرار حكومي باختصاصات الوزارة في إطار خطة الحكومة للتسريع من وتيرة إصلاح وتطوير المنظومة الإعلامية عبر استدعاء شخصيات مشهود لها بالخبرة والكفاءة المهنية، وسحب البساط من تحت أقدام الأجهزة الأمنية.

ويبدو واضحا أن هناك توجها حكوميا، ليجد المواطن في إعلامه ما يحتاجه من المعلومات دون أن يضطر إلى البحث عنها في منابر خارجية، اعتادت استثمار القيود المفروضة على الإعلام المحلي لجذب الجمهور المصري لمتابعتها.

وتولي السياسة الجديدة للإعلام تركيزا على أن يسبق التفاعل الإقليمي والتأثير الدولي، نشاطات الحكومة الروتينية، والتقليل من تسليط الضوء على الخطط التنموية والمشروعات القومية، لأن الدور الفاعل للإعلام على المستوى الخارجي لن يتحقق بمناقشة قضايا دعائية للحكومة.

ورأى محمود خليل أستاذ الإعلام بجامعة القاهرة، أن مواكبة التحولات الإقليمية، لن يتحقق فقط بوضع سياسة إعلامية جديدة تقوم على التفاعل مع الأحداث، لأن هناك تحديات كثيرة تواجه المنظومة برمتها، وتبدو عصية على الحل.

وأكد في تصريح لـ”العرب”، أن تصاعد أدوار الإعلام الخارجي مقابل تراجع نظيره المصري، يرتبط بتصدر إعلاميين للمشهد ليسوا مهنيين بالدرجة الكافية، ولدى بعضهم خواء سياسي، ولا يطوّرون من ثقافتهم ويناقشون القضايا من زوايا لا تقنع الشارع، ولا يقدمون له مادة تغنيه عن متابعة المنصات الخارجية.

محمود خليل: لن يستفيق الإعلام من الغيبوبة قبل وصوله مرحلة الاستقلالية
محمود خليل: لن يستفيق الإعلام من الغيبوبة قبل وصوله مرحلة الاستقلالية

ويرتبط الاهتمام الحكومي بدور الإعلام باتساع دائرة التحديات على مختلف الجبهات التي زادت مع ملامح التدخل التركي في ليبيا، وتحرك القاهرة لمجابهته، ما يفرض على الإعلام تغيير مساراته، من القيام بدور الظهير السياسي للسلطة في الداخل إلى الداعم لها في معاركها في الخارج. ويرى متابعون، أن الحكومة أدركت خطورة خوض معارك دون أن يكون لديها أذرع إعلامية تقوم بدور قوي ومؤثر يخدم أهدافها، فمن الصعوبة في ظل التوترات الراهنة أن يظل الإعلام يخاطب نفسه.

وقال خليل “لا يمكن أن يلعب الإعلام المصري دورا على المستوى الإقليمي، ولا توجد لديه شبكة مراسلين في مناطق الصراع، مثل الكثير من المحطات العربية، ويصعب تحقيق رغبات الحكومة، وهناك قنوات إخبارية تتجاهل تغطية الأحداث.. لن يستفيق الإعلام المصري من الغيبوبة قبل وصوله مرحلة الاستقلالية الكاملة”.

ويقول متابعون، إن عودة الريادة للإعلام المصري تشترط ترك إصلاح وتطوير المهنة لأهلها. فهناك مصريون كثر ساهموا في تأسيس قنوات عربية كبرى، أيّ أن الدولة لديها كوادر قادرة على النهوض بالمنظومة، لكنها بحاجة إلى إفساح المجال أمامها.

وفي خطوة غير مسبوقة، بدأت توجيهات رسمية مباشرة للإعلام بعرض الآراء والتوجهات المختلفة، وتحقيق المزيد من الانفتاح على القوى والأطياف المتنوعة، في توجه قد يعكس وجود رغبة للتخلي عن الصوت الواحد.

وأدرك القائمون على الإعلام أن الأطراف المعارضة للحكومة تذهب إلى الصحف والقنوات التي تتناغم مع توجهاتها، وجميعها يصدر ويبث من خارج الحدود دون سيطرة على المحتوى.

ويشير مراقبون، إلى أن إفساح المجال أمام أصحاب الآراء المعارضة غير منطقي، لأن ظهور هؤلاء في الإعلام يرتبط بوجودهم في الشارع، وهو ما لم يتحقق بعد. وحتى إن كان وجود آراء متعددة في الصحف والقنوات، بمثابة “توجيه رسمي”، تظل هناك عقبة كبيرة أمام تحقيق ذلك، تكمن في وجود مسؤولين في مناصب إعلامية يبادرون بمنع الصوت الآخر دون أن تطالبهم أيّ جهة بذلك، ويعتبرون أن فتح الباب أمام رأي مختلف يتسبب لهم في أزمات أو يهدد مناصبهم.

لكن ما يطمئن البعض، أن الحكومة عندما وضعت مسؤولية تطوير وإدارة المشهد الإعلامي بين يدي وزير الإعلام الجديد، أنهت التخبط في الاختصاصات والتدخلات التي كانت تقوم بها مؤسسات مختلفة، اعتادت وضع سياسة تحريرية مليئة بالخطوط الحمراء.

وأكد حمدي الكنيسي عضو الهيئة الوطنية للإعلام، نقيب الإعلاميين السابق، لـ”العرب”، أن “التحرك الأخير بملف الإعلام بداية حقيقية للتعامل مع الملف على أنه أمن قومي، لكن يجب أن ينتقل ذلك إلى العاملين داخل المنظومة”.

وأضاف أن الوصول إلى مستوى الإعلام المحترف، وفق ما تريد الحكومة، ليس بالأمر السهل، غير أن تطبيق القواعد بشكل صارم على الجميع، وتنسيق الأدوار بين الهيئات والنقابات الإعلامية يضمن تنفيذ الاستراتيجية الجديدة التي تهدف إلى عودة الصحف والقنوات المصرية لتقوم بدور فاعل ومؤثر.

18