الأزمة الليبية تراوح مكانها بين أمل في الحل ويأس من الاحتراب

في الوقت الذي يكثف فيه مبعوث الأمم المتحدة إلى ليبيا جهوده، بمساعدة دول المنطقة، لإيجاد حل سياسي يجتمع عليه جلّ الفرقاء الليبيين، من شأنه أن ينهي حالة الفوضى والاقتتال التي تعيشها البلاد، مازال التعنّت يغلب على عقلية الأطراف المناوئة للحل (المؤتمر الوطني المنتهية شرعيته الذي يسيطر على طرابلس)، والتي ما فتئت تحتكم إلى لغة السلاح في وجه مبادرات الحوار، بغاية تحسين موقعها التفاوضي. وهو ما بات يستدعي صرامة أكثر من الفاعلين الدوليين تجاه هؤلاء الرافضين لعودة الاستقرار إلى ليبيا التي أنهكتها أربع سنوات من الأزمة.
الاثنين 2015/05/11
تواصل المظاهر الميليشياوية على الأرض يعرقل الحل السياسي

يرى عدد من المراقبين، أنّ الحوار الوطني الليبي تحت إشراف، برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة، قد عرف انتكاسة كبيرة، لكنها لا تهدد مستقبله بشكل حتمي في الزمن المنظور، كما يرى شق آخر أنه قد عاد عمليا إلى مربع الانطلاق. مما يعني أنّ المبعوث الأممي أضحى مطالبا بأن يعيد النظر، بشكل جذري، في حساباته وتوقعاته وفي خططه المعلنة، حتى تنال قبول جميع الأطراف المشاركة في الحوار وتأتي أكلها على مستوى النتائج السياسية والأمنية المتوخاة منها.

فهل يعني هذا أنّ الحوار الليبي قد عاد اليوم إلى الوضعية التي كان عليها قبل انطلاقه، بعد أن قُطعت أشواط هامة منه في سلسلة من اللقاءات التي تم عقدها في أكثر من عاصمة ومدينة دولية وإقليمية؟

وبالتالي فإن كل الجهود التي تم بذلها في الدفع بالحوار الوطني الليبي ذهبت دون جدوى لأنّ المراوحة في نفس المكان هي ما تمّ التوصل إليه؟ أم أنّ العبارة تحمل بعض المبالغة، نظرا للآمال الكبيرة المعقودة على هذا الحوار، خاصة بعد أن تحدّث المبعوث الأممي عن تحقيق تقدم جوهري في الحوار أدى، في فترة ما من فتراته، إلى حصول الاتفاق بين الأطراف المختلفة حول ثمانين بالمئة من بنود المسوّدة الّتي صاغتها الأمم المتحدة وتمّ اقتراحها على المتحاورين كأرضية يستند إليها الحوار، وبالتالي، فإن حجم الصدمة هو نتيجة طبيعية لارتفاع السقف المأمول من نتائج حوار اعتقد البعض أنه سيشكّل نهاية الأزمة الأمنية والعسكرية والسياسية التي تتخبط فيها ليبيا منذ أربع سنوات، سادت فيها الفوضى مختلف مرافق الحياة أو ما تبقى منها على وجه التحديد.

مفارقة سياسية خطيرة

على الرغم من أنّ المبعوث الأممي أعلن للجميع أنّ هناك مسودة جديدة قيد التبلور لتصبح أساسا وأرضية للحوار الليبي، تمّ فيها أخذ العقبات التي اعترضت المسوّدة السابقة وأدت إلى ركنها على الرّف بعين الاعتبار، حيث تم فيها التنصيص على ما هو ممكن إنجازه خلال فترة زمنية انتقالية لا تتجاوز السنتين، يبدو أنّ هناك من ليست لديه رغبة حقيقية في التوصل إلى حل سياسي للأزمة الليبية، إذا لم تأت على مقاس بنود الأجندة السياسية التي يحملها ويدافع عنها بقوة السلاح.

دعم الشرعية يوجه رسائل حازمة إلى أطراف الحوار مفادها أن للحوار سقوفا لا يمكن تجاوزها، من قبل أي طرف من الأطراف المتحاورة

والدليل على ذلك هو رد الفعل الذي أعلن عنه المؤتمر العام، الذي تسنده قوى وميلشيات عسكرية منظّمة تحت اسم “فجر ليبيا”، بخصوص المذكرة الجديدة التي قدمها المبعوث الأممي إلى أطراف الحوار الليبي، عندما أكد أنه ليس في هذه المسوّدة ما يستحق النظر فيها، الأمر الذي يعني أنها مرفوضة جملة وتفصيلا من قبل طرف هام في المعادلات الليبية الراهنة كونه يسيطر، إلى حد الآن على الأقل، على العاصمة طرابلس، كما يحظى بدعم بعض القوى الإقليمية التي ترعى مشروع الإسلام السياسي في نموذجه الإخواني في المنطقة العربية، والتي يبدو أنها ليست في وارد التسليم بفشل مشروعها السياسي في المنطقة، لا سيما بعد الضربة القاصمة التي تلقاها في مصر بعد الإطاحة بنظام جماعة الإخوان المسلمين ممثلا في النظام الذي أقامه محمد مرسي تحت توجيه مباشر من مرشد الجماعة محمد بديع الذي يقبع رفقة العديد من القيادات الإخوانية في السجون المصرية.

وتعيش ليبيا، واقعيا، في الوقت الراهن، مفارقة سياسية وأمنية خطيرة وفريدة من نوعها، ذلك أن البحث عن تسوية سياسية بين فرقاء الأزمة الليبية لم تترافق مع أي مسعى جدي لوضع حد لأسلوب اللجوء إلى السلاح، لفرض أجندات سياسية داخلية وإقليمية ودولية، بل على العكس، من ذلك، فإن مختلف المساعي الدولية والإقليمية لإيجاد حل للأزمة التي تعصف بالبلاد، وتهدد مجمل المنطقة في أمنها واستقرارها، منذ أكثر من أربع سنوات، تتزامن مع تصعيد أمني وعسكري، كما لو أن فرقاء الأزمة على سباق مع الساعة، لتحقيق مكاسب ميدانية على أرضية الاحتراب، لاستثمارها عملة للمقايضة، في مختلف الاستحقاقات المقبلة، وخاصة في كل الحلول التي يمكن التوصل إليها عن طريق المفاوضات، تحت إشراف مبعوث الأمم المتحدة.

البحث عن تسوية سياسية بين فرقاء الأزمة الليبية لم تترافق مع أي مسعى جدي لوضع حد لأسلوب اللجوء إلى السلاح

وقد أدت جولات الحوار بين الفرقاء الليبيين التي أجريت، مؤخراً، في المغرب إلى بروز بوادر جدية لتجاوز الأزمة، وهو ما يفسر تصريحات المبعوث الأممي إلى ليبيا، القائلة بأنّ هناك اتفاقا حول ما يمثل ثمانين بالمئة من مسودة الوثيقة التي طرحتها الأمم المتحدة على أطراف النزاع نقاط الحل السياسي. لكن التقدم الذي حصل في الحوار لم يتجاوز بعد منطقة حدوث انتكاسات أمنية وعسكرية وسياسية يمكن أن تعصف بما تمّ تحقيقه من تقدم على هذا المستوى أو ذاك.

ويبدو أن مختلف أطراف النزاع الليبي الليبي (وخاصة الشق الإخواني في طرابلس) تدرك هذا الخطر المحدق تماماً، ولذلك تحاول كل من جهتها العمل على تحصين ما تعتبره مكسبا ميدانيا أو سياسيا بالنسبة إليها، حتّى لا تفقد مواقعها في مراحل الحوار المقبلة سواء من حيث تحديد الأفق السياسي العام لحل الأزمة أو من حيث تدقيق بنود الاتفاق حول الحكومة الوحدة الوطنية التي يعلق عليها المجتمع الدولي آمالا عريضة.

وفي سياق تحقيق هذا المسعى تحاول الحكومة التي تحظى بشرعية دولية، برئاسة عبدالله الثني، تكريس شرعيتها تلك للتحرك السياسي نحو الأطراف الدولية الخارجية داعية إيّاها أن تمكينها من وسائل تسمح لها بفرض الأمن والاستقرار في مختلف مناطق البلاد، بموازاة الجهود التي يبذلها المجتمع الدولي في إدارة الحوار الوطني الليبي، على اعتبار أن دعم الشرعية يوجه رسائل واضحة وحازمة إلى مختلف أطراف الحوار مفادها أنّ للحوار سقوفا لا يمكن تجاوزها، من قبل أي طرف من الأطراف المتحاورة، وأن الهدف منه هو التوصل إلى ما يؤمن الحل السياسي الشامل وليس العمل على الإطاحة بالشرعية التي تمثلها حكومة عبدالله الثني، لأن الحوار في مثل هذه الحالة هو مجرد مضيعة للوقت بالنسبة للحريصين على العمل على تجاوز الأزمة والاحتراب كما أنه ربح لمزيد من الوقت بالنسبة لمن يتعلق هدفهم الأصلي بفرض نتائج التمرد العسكري في طرابلس كأمر واقع على الجميع.

الجيش الوطني الليبي لا ينبغي وضعه، في أي حال من الأحوال، على نفس المستوى مع المليشيات التابعة للتيارات المتطرفة

احترام الشرعية أساس الحل

لعل الرسالة الأساسية الموجهة إلى السلطة، غير المعترف بها، التي تشكلت في طرابلس، في هذا الصدد، مفادها أن دعوتها للمشاركة في الحوار والعمل على أن تكون جزءا لا يتجزأ من حكومة الوحدة والشراكة الوطنية التي ينبغي أن تتوج الحوار الوطني، لا تعني كون المجتمع الدولي متغاضيا عن الجوانب السلبية في تعاملها مع قضايا الشرعية الوطنية.

وبالتالي، فإن أي خرق للشراكة من جديد، على قاعدة الاحتكام إلى قوة السلاح والعنف، لا يمكن التسامح معه، وبالتالي، فإن على برلمان طرابلس المنتهية ولايته أن يغتنم الفرصة التاريخية المتاحة أمامه للخروج من دوائر التمرد الضيقة إلى ميادين الشرعية السياسية المفتوحة على المستقبل.

الحوار الوطني الليبي تحت إشراف، برناردينو ليون، مبعوث الأمم المتحدة، قد عرف انتكاسة كبيرة

لكن يبدو أن مفردات تلك الرسالة لم تجد آذانا صاغية في طرابلس. وهذا ما يدل عليه بوضوح رفض المؤتمر، من خلال أكثر من ناطق باسمه، لمسودة الاتفاق السياسي الجديدة التي تقدم بها المبعوث الأممي إلى أطراف الحوار بذريعة أن الوثيقة لم تراع قرارا قضائيا صادرا عن المحكمة العليا يقضي بعدم شرعية انتخاب وتنصيب برلمان طبرق، كما أن المؤتمر العام يرى أن كل العمليات العسكرية التي يقوم بها الجيش بقيادة اللواء خليفة حفتر تندرج في سياق ارتكاب الجرائم ضد الشعب الليبي وليس العمل على حماية ما تسميه بعض الأطراف الشرعية، لأن تنصيبه قائدا للجيش لم يكن يستجيب لما تعتبره "سلطات طرابلس" مقتضيات الشرعية الثورية.

ولم يتأخر مؤيدو حكومة عبدالله الثني المعترف بها دوليا بالمقابل، عن الرد على مثل هذه الاتهامات الموجهة إلى الحكومة والجيش الوطني الليبيين بأن من ينبغي أن توجه إليه أصابع الاتهام، والذي ينبغي على المجتمع الدولي محاربته فعلا، وليس قولا فحسب،هم أولئك الذين تمردوا على الشرعية الليبية بدعم من بعض الدول الإقليمية التي لا ترغب في أن تستعيد ليبيا عافيتها السياسية.

وفي هذا الإطار فإن انفتاحها على كل أشكال الحوار الوطني في سبيل وضع حد للأزمة لا يعني أنها ستسقط في فخ الابتزاز السياسي الذي تمارسه مليشيات فجر ليبيا التي ينبغي على الأمم المتحدة أن تبذل كل الجهود الضرورية لإعادتها إلى جادة الصواب، وذلك ليس ممكنا من دون تقديم كل أشكال الدعم السياسي والمادي للقوات الشرعية ممثلة في برلمان طبرق وحكومة عبدالله الثني والجيش الوطني الليبي الذي لا ينبغي وضعه، في أي حال من الأحوال، على نفس المستوى مع المليشيات التابعة للتيارات المتطرفة المتمردة.

وهو دعم سيتجلى في رفع حظر تزويد الجيش الليبي بوسائل الدفاع عن سيادة البلاد في مواجهة الجماعات المسلحة التابعة لبعض مراكز القرار الإقليمي المعادية لليبيا التي ينبغي ردعها ودفعها إلى وقف دعمها السياسي والمادي للقوى الخارجة عن شرعية الدولة الليبية.
6