الأزمة الليبية تعود إلى نقطة الصفر

دخلت ليبيا في متاهة جديدة، بعد قرار حكومة المؤتمر الوطني المنتهية ولايته العودة إلى نشاطها، الأمر الذي يعني أنه بات في ليبيا ثلاث حكومات (واحدة في الشرق واثنتان في طرابلس)، ويخشى المتابعون أن يؤدي هذا التطور الدراماتيكي إلى اندلاع صراع مسلح بين القوى والأطراف المتنازعة على السلطة، وبالتالي انتهاء أي أمل في إخراج البلاد من حالة “اللادولة” التي تعيشها منذ سقوط نظام معمر القذافي في العام 2011.
الأحد 2016/10/16
وضع متفجر

طرابلس - عادت الأزمة في ليبيا إلى ما قبل نقطة الصفر، بعد أن أعلنت سلطات طرابلس السابقة مساء الجمعة، عن استعادة سلطتها عقب سيطرتها على مجمّع قصور الضيافة مقر المجلس الأعلى للدولة، ليرد عليها المجلس الرئاسي المنبثقة عنه حكومة الوفاق بإصدار أوامر إلى الأجهزة الأمنية التابعة لها بإلقاء القبض على من اقتحم المجمّع.

وقال المجلس الرئاسي، في بيان أصدره في الساعات الأولى من صباح السبت، إنه “أصدر تعليماته لوزارة الداخلية وكافة الأجهزة الأمنية بالتواصل مع مكتب النائب العام لمباشرة إجراءات القبض على من خطط ونفذ حادثة اقتحام مقر مجلس الدولة مساء الجمعة”.

واعتبر المجلس أن “حادث اقتحام مقر المجلس الأعلى للدولة هو حلقة في مسلسل محاولات عرقلة الاتفاق السياسي”. محذرًا أيّ مجموعة خارجة عن شرعية حكومة الوفاق الوطني من التعدي على مؤسسات الدولة.

وكان خليفة الغويل، رئيس الحكومة الليبية المنبثقة عن المؤتمر الوطني العام، قد أعلن عودة حكومته لمباشرة أعمالها من العاصمة طرابلس، بعد غيابها عن المشهد السياسي في البلاد، منذ مارس الماضي، في إطار تنفيذ اتفاق الصخيرات، الذي ركز مؤسسات جديدة للدولة.

ويرى مراقبون أن هذه الخطوة من شأنها أن تزيد من صبّ الزيت على النار وقد تفتح أبواب الجحيم على ليبيا، وهي تعكس واقع أن جماعة الإخوان المسلمين ليس في نيتها القبول بأي مسار قد يهدد نفوذها في البلاد، وأن قبولها السابق باتفاق الصخيرات جاء اضطرارا بسبب الضغوط الدولية.

وقال خليفة الغويل، في بيان إن “حكومة الإنقاذ الوطني هي الحكومة الشرعية، وتقوم بمساع حثيثة لتوحيد القوى الوطنية”.

وأشار إلى أن حكومته وجهت تنبيها لجميع المؤسسات والهيئات الحكومية والمصارف والقضاء ومكتب النائب العام بأن “التصرفات المالية والإدارية تقع تحت شرعيتها ما لم تتسلم أيّ حكومة المسؤولية بشكل شرعي وقانوني”.

جماعة الإخوان والقوى الإسلامية التي تدور في فلكها صدمت بالمسار الذي يسلكه السراج في الفترة الأخيرة خاصة حين رفض التصادم مع الجيش بعد سيطرته على الهلال النفطي

واعتبر أن كلّ من تم تكليفهم من قبل المجلس الرئاسي لحكومة التوافق الوطني الليبية “موقوفون عن ممارسة أيّ نشاطات أو مهام”، لافتا إلى أنه “ستتم إحالتهم جميعا للقضاء لانتحالهم الصفات غير المخولين بها”.

وذكر البيان أن الحكومة أعطت التعليمات إلى كافة الكتائب المسلحة المنضوية تحت رئاستها لـ”التأهب لردع أعداء الوطن وإعلان حالة الطوارئ”.

وتداولت وسائل إعلام محلية، صورا لـ”الغويل”، ونائب رئيس المؤتمر الوطني، عوض عبدالصادق، داخل مكاتبهم في مقر المؤتمر الوطني العام السابق بالعاصمة طرابلس.

ويعزو مراقبون خطوة المؤتمر إلى عجز الإخوان عن سحب السراج تحت جناحهم، وهو ما كانوا يطمحون إليه.

ومعلوم أن الإخوان كانوا منذ البداية مترددين حيال القبول باتفاق الصخيرات ولكن بعد ضغوطات وافقوا على ذلك، على أمل استغلال الفجوة بين فايز السراج المدعوم دوليا والبرلمان الليبي.

ويقول المراقبون إن جماعة الإخوان والقوى الإسلامية التي تدور في فلكها صدمت بالمسار الذي يسلكه السراج في الفترة الأخيرة خاصة حين رفض التصادم مع الجيش بعد سيطرته على الهلال النفطي.

وكانت الجماعة قد حاولت الضغط على المجلس الرئاسي لإعلان النفير والدعوة إلى قتال الجيش وإعادة بسط النفوذ على الهلال النفطي، إلا أن الأخير رفض لأنّ ذلك سيعني اندلاع حرب أهلية في ليبيا.

ولا تقف الخلافات بين الإخوان والسراج فقط عند مسألة التعامل مع المنطقة النفطية، بل تتعداها إلى المشاورات التي يقوم بها الأخير لتشكيل حكومته الثانية لعرضها على البرلمان علّها تحوز هذه المرة على ثقته.

ويرى متابعون أن الجماعة تستشعر أن البساط يسحب منها تدريجيا، الأمر الذي دفعها إلى خطوة الانقلاب على المجلس الرئاسي، وإعلان عودة حكومتها السابقة.

واختفت حكومة “الغويل” عن المشهد في ليبيا منذ أن تمكن المجلس الرئاسي لحكومة الوفاق من الوصول إلى قاعدة “بوستة” البحرية بطرابلس نهاية مارس الماضي، بعد أن واجهت العديد من العراقيل من حكومة المؤتمر الوطني.

وأغلقت حكومة المؤتمر، آنذاك، الأجواء فوق طرابلس أمام طائرة رئيس المجلس الرئاسي، فايز السراج، حينما كان قادما من تونس في أكثر من مرة، قبل أن يتمكن من الوصول إلى قاعدة “بوستة”.

وشهدت ليبيا منذ سقوط نظام معمر القذافي عام 2011، مرحلة من الانقسام السياسي تمخض عنها وجود حكومتين وبرلمانيين وجيشين متنافسين في طرابلس غربا، ومدينتي طبرق والبيضاء شرقا.

وفي فبراير الماضي، تشكلت حكومة الوفاق الوطني ومجلس رئاسي لها في ليبيا، وفق الاتفاق السياسي بين أطراف الصراع في البلاد الموقّع في مدينة الصخيرات المغربية في ديسمبر 2015، بموجب خطة تدعمها الأمم المتحدة لإنهاء حالة الفوضى والصراع التي تعاني منها ليبيا منذ ثورة 2011. ويرفض مجلس النواب في طبرق (شرق) الاعتراف بشرعية حكومة السراج، في حين أن الأخير أعلن في 15 أبريل الماضي، بدء أعمال حكومته التي تحظى بدعم دولي في العاصمة طرابلس.

ويأتي رفض مجلس النواب المعترف به دوليا لحكومة الوفاق، بسبب وجود تحفظات على بعض النقاط وأهمها المؤسسة العسكرية وإلى من تعود بالنظر.

ويتمسك مجلس النواب ورئيسه عقيلة صالح بأن المؤسسة العسكرية من مشمولاته، مصرا على بقاء المشير خليفة حفتر، الذي قلب المعادلة مؤخرا بالسيطرة على الهلال النفطي، على رأس مؤسسة الجيش.

ويرى مراقبون أن عودة حكومة الغويل ستدخل ليبيا في متاهة جديدة هي في غنى عنها، فبعودتها أصبح هناك ثلاث حكومات وبرلمانان، وهذه سابقة من نوعها.

2