الأزمة المالية تدفع البنوك اللبنانية إلى تسريح العمالة

ضغوط انكماش النشاط المصرفي تفرض تقليص النفقات.
الاثنين 2021/03/08
سخط شعبي تجاه البنوك

دفعت الأزمات المالية والإشكاليات المتراكمة بنوك لبنان إلى طرد العمالة في وقت تكافح فيه ضغوطا غير مسبوقة في ظل انهيار العملة المحلية وصعوبة تطبيق الإجراءات المصرفية التي كان قد أقرها مصرف لبنان المركزي لحث البنوك على زيادة رأس المال، ما يمثل تهديدا للعديد منها بالغلق.

بيروت - تشهد البنوك اللبنانية موجة ضخمة من التسريح مع تفاقم الأزمة المالية في البلاد، وفي ظل شح الدولار الأميركي الحاد في البلاد وانهيار قيمة العملة الوطنية تواجه البنوك ضغوطا مشددة فرضها مصرف لبنان المركزي لدفع البنوك إلى زيادة رأس مالها.

واضطرت البنوك البالغ عددها 65 بنكا تشغل 1045 فرعا بنكيا للتجاوب مع الإجراءات الخاصة بتقليص نفقاتها وإغلاق بعض فروعها وصرف عدد من موظفيها.

وكان المصرف المركزي قد طلب من البنوك في إطار إعادة هيكلة القطاع المصرفي زيادة رؤوس الأموال بنسبة 20 في المئة، إضافة إلى إعادة ضخ دولارات في حسابات البنوك لدى بنوك المراسلة في الخارج بنسبة 3 في المئة من الودائع بالعملات الأجنبية.

كما طلب المركزي من البنوك إعادة 15 في المئة من الأموال المحولة إلى الخارج التي تفوق 500 ألف دولار، في حين طلب من أصحاب البنوك وأعضاء مجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين فيها إعادة ما نسبته 30 في المئة مما حولوه إلى الخارج بين الأعوام 2017 و2020.

أسعد خوري: النقابة أعدت مقترحا يطالب البنوك بدفع تعويضات ثابتة

ونسبت وكالة شينخوا لمسؤول الموارد البشرية في أحد بنوك بيروت قوله “لقد كان أسبوعا جنونيا حيث قرر بنكنا تسريح حوالي 400 من 2000 موظف وسط الأزمة المصرفية الحالية”.

وأضاف المسؤول المصرفي، الذي عرف عن نفسه باسم جورج فقط، أنه كان يعمل ساعات إضافية كل يوم لإعداد وثائق تسريح الموظفين.

وقال أسعد خوري، رئيس نقابة موظفي البنوك في لبنان، إن النقابة أعدت مقترحا يطالب البنوك بدفع تعويضات ثابتة لجميع الموظفين المفصولين تعادل راتب 18 شهرا بالإضافة إلى راتب شهرين عن كل عام من العمل.

وأشار المسؤول النقابي إلى أنه يعمل مع أعضاء في البرلمان على مشروع قانون يهدف إلى حماية موظفي البنوك في الوضع الحالي.

وتوقع خوري أن يصل عدد العاملين المفصولين في البنوك إلى 5 آلاف موظف، الأمر الذي قد يسبب مشكلة اجتماعية كبيرة.

وقال غسان عياش، النائب السابق لحاكم مصرف لبنان المركزي، إن “قرار البنوك بخفض نفقاتها هو نتيجة حتمية لانكماش النشاط المصرفي والأزمة المالية السائدة في البلاد”.

وأكد عياش أن البنوك حريصة على اتخاذ مثل هذه الإجراءات دون التسبب في مشكلة اجتماعية جديدة، خاصة بالنظر إلى أن عدد موظفي البنوك يتجاوز 25 ألف موظف. وقال إن “البنوك حريصة على التوصل إلى تفاهم مشترك مع الموظفين حول خطط التعويض المقبولة”.

ويواجه لبنان عدة أزمات سياسية واقتصادية ومالية ومعيشية متشابكة أدت إلى تفاقم الفقر والبطالة والتضخم المالي وانهيار العملة المحلية وسط تراجع متسارع في احتياطي النقد الأجنبي منذ أكتوبر 2019 مع تجميد البنوك للسحوبات النقدية بالدولار الأميركي وتقييدها بالعملة المحلية.

وقد فاقمت الأزمات في لبنان تداعيات تفشي كوفيد – 19 صحيا واقتصاديا وأزمة الشغور الحكومي بسبب الخلافات السياسية عقب كارثة انفجار مرفأ بيروت في 4 أغسطس الماضي التي أدت إلى مقتل نحو 200 شخص وإصابة أكثر من 6 آلاف و500 آخرين وتعرض أحياء عدة في العاصمة لأضرار بالغة وخسارة 300 ألف شخص لمنازلهم وإلى خسائر قدرت بـ15 مليار دولار.

وسجلت الليرة اللبنانية الأسبوع انخفاضا قياسيا غير مسبوق منذ دخول لبنان دوامة الانهيار الاقتصادي قبل عام ونصف العام، إذ لامس سعر الصرف مقابل الدولار عتبة العشرة آلاف في السوق السوداء.

ومنذ صيف العام 2019، على وقع الانهيار الاقتصادي الأسوأ في لبنان منذ عقود، بدأت قيمة الليرة تتراجع تدريجيا أمام الدولار تزامنا مع أزمة سيولة حادة وتوقّف البنوك عن تزويد المودعين بأموالهم بالدولار. ولا يزال سعر الصرف الرسمي يساوي 1507 للدولار.

غسان عياش: قرار البنوك بخفض نفقاتها ناتج عن انكماش النشاط البنكي

وقال أحد الصرافين في تصريحات صحافية إن “سعر الصرف في السوق السوداء تراوح الثلاثاء الماضي بين 9900 وعشرة آلاف”.

ويأتي الانخفاض القياسي في سعر الصرف الثلاثاء غداة إعلان مصرف لبنان بدء مراجعة أوضاع البنوك بعد انتهاء مهلة حددها لها من أجل زيادة رأسمالها، ضمن خطة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي.

وكان المصرف المركزي قد طلب في تعميم صيف 2020 من البنوك زيادة رأسمالها بنسبة عشرين في المئة بحلول نهاية فبراير. كما طلب منها تكوين حساب خارجي حر من أي التزامات لدى بنوك المراسلة في الخارج لا يقل عن ثلاثة في المئة من مجموع الودائع بالعملات الأجنبية. وفي حال عدم التزام البنوك بتلك المعايير، تصبح أسهمها ملكا لمصرف لبنان.

وعلى مدى سنوات ظلت بنوك لبنان بين أكبر بنوك العالم ربحية مستعينة بتحويل أموال اللبنانيين المنتشرين في المهجر لدعم الحكومة مقابل عائدات مرتفعة.

غير أن الانكشاف على الدين العام كان في نهاية الأمر سبب الأزمة التي حلت بالبنوك، إذ جف نبع التحويلات المالية من الخارج وتفجرت الاحتجاجات المناهضة للفساد ما حرم النظام المالي من مصادر التمويل.

وخلال العامين الأخيرين فقدت البنوك التجارية ودائع قيمتها نحو 49 تريليون ليرة لبنانية أي ما يعادل حوالي 22 في المئة من أصولها الإجمالية الحالية، ومن المرجح أن يكون كبار المودعين في صدارة المتضررين من أي حل للأزمة المصرفية.

ولأن السندات الحكومية تمثل أغلب أصول البنوك فقد أصبحت هذه البنوك أكبر ضحية لعجز الحكومة عن الوفاء بسندات دولية مستحقة بقيمة 1.2 مليار دولار في مارس الماضي.

ويتمثل جانب كبير من باقي أصول البنوك في العقارات التي انخفضت تقييماتها وسط الركود الاقتصادي.

وطلب المصرف المركزي من البنوك في أغسطس تجنيب مخصصات لخسائر تعادل 1.89 في المئة عن ودائعها بالعملة الصعبة لدى المصرف المركزي وخسائر تبلغ 45 في المئة عما بحوزتها من سندات الدين الحكومي، وهي مستويات قال بعض الاقتصاديين إنها تستهين بحجم المشكلة.

10