الأزمة المالية والإجراءات التقشفية تربكان البرمجة الرمضانية في الجزائر

لم ترق الأعمال الدرامية التي تعرضها مختلف الفضائيات الحكومية والخاصة في الجزائر، إلى مستوى انتظارات المُشاهد الجزائري، ولم تعكس حجم الحملات الدعائية التي نفذتها إدارات الإنتاج عشية دخول شهر رمضان الفضيل، فالكوميديا الترفيهية جاءت في شكل تراجيديا، لأنها لم تضحك حتى أصحابها، والمسلسلات التي أحيطت بهالة دعائية كبيرة، سقطت في الحضيض بسبب سطحيتها وترهل حبكتها.
الجمعة 2015/06/26
قليل من الجد وكثير من التهريج في الدراما الجزائرية

تفاجأ المتتبعون للشأن الدرامي في الجزائر بضحالة مستوى الأعمال المبرمجة خلال الشهر الفضيل، فموضة السهل الممتنع تحولت إلى سهل ممل ومقرف، بدليل أن المشاهد لم يعد يفرّق بين الكوميديا والتراجيديا والرعب، لتفقد بذلك شاشة رمضان نكهتها وبريقها، حتى مقارنة مع المواسم التي انتقدت فيها بشدة، لتسجل بذلك أسوأ العروض والبرامج، التي عجزت على بعث الابتسامة على محيا أصحابها، وأما عن المُشاهد فحدث ولا حرج، ولحسن حظه أن بعض القنوات العربية بقيت ملاذه الوحيد.

وإن حاول البعض تعليل السقوط بتداعيات الأزمة المالية على الإنتاج الفني والدرامي، فإن أموال القطاع الخاص التي ضخت بمختلف الأشكال، كان بالإمكان توظيفها بشكل أحسن، لو خرجت دوائر الإنتاج من لوبيات الاحتكار والتقوقع في العاصمة، والإصرار على فرض لغة درامية ممقوتة ونمط أفكار ميتة على ملايين الجزائريين، وكانت مصادر مقربة من دائرة الإنتاج في التلفزيون الحكومي الجزائري قد أكدت لـ”العرب”، أن تداعيات الأزمة المالية بدأت تلقي ظلالها على المؤسسة، واضطرّتها لإعادة النظر في موازنة العديد من الأعمال بحجة نقص الموارد المالية، وقلصت سلم التعويضات بشكل ملحوظ على الأعمال المتصلة بالإنتاج الفني والتلفزيوني، بينما توجهت القنوات الخاصة إلى رعاية ومساهمات القطاع الخاص في مختلف إنتاجاتها، الأمر الذي انعكس على نوعية الأعمال الدرامية المقترحة خلال هذا الشهر على المشاهد الجزائري.

موضة السهل الممتنع تحولت إلى سهل ممل ومقرف في برمجة رمضان، والكوميديا جاءت في شكل تراجيديا

وفي هذا الصدد صرح منتج منفذ متعاقد في أحد الأعمال مع التلفزيون الحكومي، رفض الكشف عن هويته في تصريح لـ”العرب” بأن إدارة المؤسسة أعادت النظر في تقييم موازنات الأعمال المنتجة، وفي سلم التعويضات المتعلق بعمل فرق الإنتاج بداية من المخرج إلى غاية آخر متعاون.

وأضاف “مع ذلك يبقى التلفزيون الحكومي يدفع أكثر مقارنة بالتلفزيونات الخاصة التي تعاني من ضعف المداخيل، وهو ما انعكس حتما على نوعية الأعمال المنتجة وجديتها”، الأمر الذي ساهم في إرساء المزيد من التهريج والعروض الباهتة، بسبب شحّ الموارد المالية والممارسات الإقصائية واللوبيات التي تهيمن على دوائر الإنتاج الفني.

ومع المنافسة التي كانت متوقعة بين الفضائيات الخاصة والتلفزيون الحكومي، رغم حداثة تجربتها ونقائصها ومشاكلها، مقابل الإمكانيات الضخمة التي يتمتع بها، بما فيها الضريبة التي يدفعها المواطن الجزائري للمؤسسة ضمن أتاوات الكهرباء والغاز، ولجوء مسؤولي الفضائيات المذكورة لإخفاء أوراقهم إلى غاية الساعات الأخيرة التي سبقت حلول شهر رمضان الكريم، إلاّ أن المنافسة كانت نحو التهريج والرداءة وليس لتسجيل نقلة جديدة في مسار الفضاء الجزائري.

ولم يظهر “الثراء والتنوع” الذي وعد به المدير العام للتلفزيون الحكومي توفيق خلادي، خلال كشفه عن الباقة التي أعدها التلفزيون الحكومي بقنواته الخمس، ولم ترق منتوجات الأيام الأولى إلى مستوى انتظارات المشاهد، ولم تتماش مع المعطيات التي باتت تفرض نفسها في الساحة المحلية، بعد تحرير القطاع السمعي البصري، حسبما صرح به في ندوته الصحفية.

تكرار بث إدارة الإنتاج لمسلسل "عذراء الجبل" يؤكد طائلة الشح المالي الذي يخيم على "مملكة" شارع الشهداء

وجاء تكرار بث إدارة الإنتاج لمسلسل “عذراء الجبل” الذي يروي سيرة المناضلة التاريخية البربرية “لالة فاطمة انسومر” المنتج منذ عدة سنوات، وأخرجه بلقاسم حجاج وكتبه الكاتب والوزير الحالي عزالدين ميهوبي، على القناة الرابعة، ليؤكد طائلة الشح المالي الذي يخيم على “مملكة” شارع الشهداء، وعلى حالة الفراغ الإنتاجي، بما أن الإدارة نفسها أجلت إنتاج أعمال كانت مبرمجة خلال هذا الموسم، رغم تعاقدها مع شركات إنتاج.

وحتى “الكوميديا” التي وعد بأنها ستكون حاضرة بقوة من خلال عدة أعمال منها “رايح جاي”، و”فاطمة، فطيمة، فطومة”، و”دالتي”، و”بلادي وناسي”، باللغة العربية.

وكذلك “نا زعزي”، و”لعموم لخوال”، و”شك نغ نش” باللغة الأمازيغية، مع سلسلة باللهجة الشنوية (تنتشر غربي العاصمة)، وذلك لأول مرة في تاريخ التلفزيون الحكومي، إلاّ أن المتاح في الأيام الأولى يمكن أن يكون أي شيء إلاّ “كوميديا”، ولم تتعدّ حدود الكلام الممل والفارغ المفتقد لأيّ حبكة أو أداء.

وفي الجانب الآخر فإن مسلسل “السلطان عاشور العاشر”، الذي راهنت عليه فضائية “الشروق تي في”، وأحاطته بهالة دعائية كبيرة، قد خيّب آمال المشاهد الجزائري، خاصة مع ضعف النص الدرامي الذي كتبه مخرجه جعفر قاسم، وفشل في تحويل تجربة “حريم السلطان” التركي إلى نسخة جزائرية، لأن كتابة التاريخ للأجيال ليس كالهزل والتهريج، ولم ينجح معه الممثل الفكاهي الكبير صالح أوقروت، في تقديم رؤية جديدة للعمل التركي الضخم.

17