الأزمة اليمنية تتجه نحو مزيد من التعقيد السياسي والعسكري

الأحد 2015/05/24
الوضع الاقتصادي والاجتماعي في اليمن غير قادر على امتصاص المزيد من الأزمات والحروب

يتجه المشهد اليمني نحو مزيد من التعقيد السياسي والعسكري نتيجة تصلب المواقف الحوثية التي تستند إلى معطيات فكرية وعقائدية لا تعرف للبراغماتية السياسية طريقا. وفيما يرى الكثير من المحللين أن هذه التعقيدات قد تدفع باليمن إلى أتون حرب أهلية طويلة يذهب آخرون إلى أن الوضع الاقتصادي والاجتماعي في اليمن لم يعد قادرا على امتصاص المزيد من الأزمات والحروب.

تحالف عابر أم معركة مصير

كشفت الأحداث الأخيرة في اليمن عن حالة فرز غير مسبوقة في المجتمع اليمني ربما تكون على الأرجح انعكاسا لحالة انقسام حقيقية تجاوزت العامل السياسي إلى جذور جيوسياسية ومذهبية عبّرت عنها صراحة حالة الاصطفاف الناشئة التي جعلت من الرئيس اليمني السابق علي عبدالله صالح وما يمثله من مرجعية سياسية تقليدية في مناطق اليمن الزيدية في شمال اليمن يقف في خندق واحد إلى جانب الجماعة الحوثية التي لا تبذل أيّ جهد يذكر في إخفاء تمايزها المذهبي الذي تسبّب في نشوء حالة تعصّب واصطفاف مقابل تجلّى في صورته السياسية من خلال مؤتمر الرياض الذي يمثل تكتلا جديدا في مواجهة ما يعتبره البعض المشروع الإيراني في اليمن.

وقد وفّرت التحولات الهائلة التي ضربت الساحة السياسية في اليمن منذ انطلاق الأحداث في العام 2011 والتي أفضت إلى الإطاحة بالرئيس صالح على أيدي تحالف غير متجانس جمع التيارات الإسلامية واليسارية والقومية إلى جانب الحوثيين الذين كانوا حتى ذلك الحين يتلمسون طريقهم لمغادرة جبال صعدة بدعم وتخطيط إيراني.

ارتخت قبضة صالح في مواجهة النفوذ الحوثي المتصاعد منذ العام 2011 كما ارتخت في نفس الوقت إرادته السياسية في التصدي لمن كان يعتبرهم أذرع إيران في اليمن قبل أن تمتد يده لتصافح تلك الأذرع في تحول بارز انتهى بتشكيل تحالف جديد في اليمن بين حزب المؤتمر الشعبي العام وحركة الحوثيين وهو التحالف الذي ظل صالح ينكره على الدوام قبل أن يعلن عنه صراحة من على أنقاض منزله الذي هدمته طائرات التحالف العربي.

تؤكد الكثير من الشواهد والمعلّمات أن حالة التنسيق والغزل بين الرئيس صالح والحوثيين كانت هشة وغير إستراتيجية على الأرجح يجتمع فيها حقد الطرفين على ذات الأعداء مثل الإخوان المسلمين وأولاد الشيخ الأحمر والكثير من القوى التي كان صالح يرى فيها المتسبب في مغادرته السلطة فيما تعامل الحوثيون مع تلك القوى كأعداء حقيقيين وخطر يعترض مسيرة الحركة التي كانت تسابق سرعة الضوء في إسقاط المدن اليمنية لتغرقها في الظلام.

حالة التنسيق بين الرئيس صالح والحوثيين كانت هشة وغير إستراتيجية يجتمع فيها على الأرجح حقد الطرفين على ذات الأعداء

كان الرئيس السابق علي عبدالله صالح عدوا ثانويا للحوثيين ولكنه كان الأخير في قائمة الاستهداف الحوثية التي لم تكن تعبأ كثيرا بالخدمات التي قدمها صالح للجماعة الأمر الذي مكّنها من اختصار الجهد والوقت في تنفيذ خطتها حيث لم تغفر الدائرة العقائدية الضيّقة في الجماعة الحوثية لصالح حروبه الست التي راح ضحيتها الآلاف من الحوثيين إضافة إلى مقتل مؤسس الجماعة حسين بدرالدين الحوثي.

بعد أن أكملت الميليشيات الحوثية سيطرتها على العاصمة اليمنية صنعاء والعديد من المدن الإستراتيجية وفرضت هيمنتها على الكثير من معسكرات الجيش حان الدور للتخلص من ثقل صالح العسكري وهو الأمر الذي بدأ فعليا في محاولة إسقاط معسكر القوات الخاصة التابع للحرس الجمهوري والذي كان يمثّل إسقاطه الاقتراب كثيرا من عنق صالح الذي اعتبرته الجماعة العائق الأخير قبل إتمام مهمتها المقدسة.

جاءت “عاصفة الحزم” التي عصفت بمشاريع الجماعة الحوثية وبعثرت أجنداتها والتي كان منها القضاء على “الحاوي” الذي ظلّ طوال ثلاثة عقود يتباهى بقدرته على الرقص على رؤوس الثعابين والذي ظنّ أن لعبته القديمة يمكن أن تنجح في ظل التحوّلات التي عصفت بالمنطقة والتي تجاوزت بعدها المحلي نحو صراعات إقليمية ودولية في ظل حالة فرز نهائي لا يقبل أنصاف الحلول وهو ما لم يدركه الحاوي العجوز الذي أخطأ التقدير بحسب الكثير من المحللين السياسيين الذين قالوا إن هروب صالح نحو الحوثيين بدلا من التخلي عنهم كان الخطأ الاستراتيجي الأهم في مسيرته السياسية.

حسم صالح موقفه السياسي أخيرا مدفوعا بحقده على حزب الإصلاح والرئيس هادي وقرر أن يضع يده في أيدي الحوثيين الذين قرروا بدورهم خوض الحرب حتى النهاية بدلا من التنازل قيد أنملة لصالح الوطن.

أدرك صالح بعد دكّ منزله في قلب العاصمة صنعاء من قبل طائرات التحالف أنه وقع في خطأ فادح وظهر مرتديا بذلته الرسمية على أطلال منزله متحديا وإن بدا صوته مخنوقا مثل يوم تسليمه السلطة لنائبه هادي.

وتؤكد مصادر لـ”العرب” أن صالح على الرغم من مضيّه قدما باتجاه مواجهة التحالف العربي الذي تقوده السعودية إلا أنه حرص على تطعيم المشهد في الرياض بالكثير من المقرّبين له والذين لازالوا يحاولون إيجاد ثغرة سياسية مشرفة قد ينفذ منها ولو بالقليل من المكاسب السياسية التي تحفظ وجود نجله كشريك في الدولة القادمة، وهو الأمر الذي لم يعد مقبولا من خصومه المحليين أو الإقليميين الذين صرحوا في الكثير من المناسبات التي تلت “عاصفة الحزم” بأنه عازمون على طيّ صفحته.

وفي المقابل يظلّ صالح رقما صعبا حتى الآن في المشهد اليمني بل يرى الكثير من الباحثين السياسيين أنه أكثر خطوة من الحوثيين أنفسهم نظرا لمواهبه “الميكيافيلية” التي تجعله قادرا على المناورة للإفلات دائما من العقوبة وهي الموهبة ذاتها التي قد تجعل منه المسمار الأخير في نعش حلفائه في حال وجد أن التضحية بهم قد تمثل له طوق النجاة من الغرق في مستنقع الصراع اليمني.

صالح يقف في خندق واحد إلى جانب الحوثيين تجمعهما رؤية تخرب اليمن

ثلاثة سيناريوهات

بات من المؤكد أن السعودية لن تقبل بوجود جار مقلق لأمنها تسيّره إيران في خاصرتها الجنوبية كما باتت المعركة في عنوانها الأبرز إما انتصار إرادة إيران السياسية أو انتصار إرادة السعودية؛ وهو ما يشير إلى حرب طويلة في اليمن سيكون وقودها الناس والكثير من الأسلحة والأموال التي يبدو أن الجانب الإيراني غير قادر على ضخّها إلى حلفائه لأسباب عدة من أهمها الصعوبة البالغة في الوصول إلى حدود اليمن البرية والبحرية في ظل الحصار المفروض على وصول الدعم الإيراني وفي المقابل تمتلك السعودية حدودا طويلة مع اليمن إضافة إلى تمكنها من فتح جبهات متعددة باتت مصدرا لاستنزاف الحوثيين وصالح على الأرض حتى وإن حاولوا إثبات قدرتهم على الصمود في الجبهات المتعددة التي تزداد اتساعا مع وجود تحركات لفتح جبهات جديدة في عمق المناطق الزيدية الموالية للحوثيين مثل محافظة ذمار.

وتتبدى هنا ثلاثة سيناريوهات محتملة لاتجاه الصراع بين الحوثيين وصالح من جهة والمقاومة الشعبية اليمنية والتحالف العربي من جهة أخرى. ويعتمد السيناريو الأول على الرهان على عامل الوقت الذي لا يصبّ في مصلحة الحوثيين وصالح الذين يتعرضون لحالة استنزاف هائلة في المقاتلين والمعدات مع وجود العديد من الجبهات وبؤر الصراع المتباعدة في عدن والضالع وأبين وتعز والتي تمثل بيئة معادية للحوثيين مع الأخذ في الاعتبار أن المخزن الاستراتيجي من الذخائر والمعدات العسكرية في طريقه للنفاد مع تزايد الخسائر وقطع خطوط الإمدادات واستهداف مخازن الأسلحة والذخائر من قبل طائرات التحالف. كما تشير الوقائع إلى فتح جبهات جديدة ساخنة وخصوصا في محافظات إقليم سبأ الذي يضم (مأرب والبيضاء والجوف) ويتصل بحدود مباشرة مع السعودية.

وينسجم هذا السيناريو مع ما هو معروف عن القيادة السعودية من سياسة النفس الطويل في الصراعات في ظل وجود إمكانيات مالية هائلة قادرة على تغذية الجبهات المعادية للحوثيين. ويحمل في طياته أبعادا سياسية واقتصادية تراهن على انتفاض اليمنيين ضد الجماعة الحوثية وحلفائها نتيجة تزايد معاناتهم جراء الحرب التي لا تحظى بشعبية خصوصا تلك التي تدور في المحافظات الجنوبية. وهذا يقود بطبيعة الحال إلى انحسار الحوثيين في نهاية المطاف إلى مناطقهم التاريخية في صعدة.

ويحمل هذا السيناريو حلاّ سريعا يعتمد على تقليل المدة والخسائر في صفوف اليمنيين من خلال التدخل البري من قوات التحالف عن طريق ثلاثة محاور محتملة هي محافظة مأرب التي ترتبط بالسعودية وتسيطر عليها القبائل والجيش المناوئ للحوثيين وصالح ويمكن أن يتم التدخل فيها من قبل قوات سعودية نظرا لتشابه التضاريس الصحراوية والمناخية التي يتدرب فيها الجيش السعودي.

فيما يمكن التدخل في عدن من خلال إنزال بري للقوات المصرية، كما يمكن الدخول بشكل مباشر إلى معقل الحوثيين في صعدة والمحاذي للحدود السعودية وهو الأمر الذي يفسر حرص السعودية على وجود قوات باكستانية في التحالف نظرا لتشابه التضاريس الجبلية الوعرة مع تلك المشابهة لها في باكستان.

صالح يحرص على تطعيم المشهد بالكثير من المقرّبين له والذين لازالوا يحاولون إيجاد ثغرة سياسية مشرفة قد ينفذ منها

يمنان على طاولة الصراع

أما السيناريو الثاني في مآلات الصراع في اليمن فيعتمد على الاكتفاء بتحرير جنوب اليمن من ميليشيات الحوثيين وصالح التي ستعود لإحكام سيطرتها على شمال اليمن ليبدأ صراع طويل بين شمال اليمن وجنوبه بدعم من أطراف إقليمية وهو السيناريو الذي تفضله وتعمل من أجله الكثير من قيادات الحراك الجنوبي في الداخل والخارج انطلاقا من رؤيتهم باستحالة التعايش أو استمرار الوحدة بشكلها التقليدي وهو الأمر الذي تعارضه السعودية والرئيس هادي على اعتبار أن التهديد لأمن دول الجوار سيظل قائما مع تعزيز النفوذ الإيراني في شمال اليمن.

والسيناريو الثالث وهو الأقل كلفة في اليمن، لكنه الأقل احتمالا في نفس الوقت، يعتمد على الحل السياسي الذي لن يكون مقبولا إلا بتقلص الدور والنفوذ الحوثي إلى ما قبل الحادي والعشرين من سبتمبر 2014 حيث يتحول الحوثيون إلى حزب سياسي لا يستطيع بمفرده السيطرة، ووفقا لمنطق القوة والغلبة، على الإرادة السياسية اليمنية وعلى أن يتم ذلك وفقا لمخرجات مؤتمر الحوار الوطني التي تلزم الحوثيين بتسليم أسلحتهم للدولة إضافة إلى القبول بتقسيم اليمن إلى ستة أقاليم فيدرالية وهي الصيغة التي قد تقلص من نفوذ أيّ جماعة أو حزب وتخلص الجنوبيين من حالة الشعور المتعاظم بالهيمنة الشمالية فيما يتمكن الحوثيون بالشراكة مع أطراف أخرى مثل حزب الإصلاح في قيادة المحافظات الشمالية.

كاتب من اليمن

4