الأزمة في تونس.. في البدء كان الدستور

كل أطراف الخلاف الراهن، تستند في مواقفها على الدستور، وكل طرف يتكئ على فصل معيّن لبيان صواب الموقف وسلامة الإجراءات.
الجمعة 2018/11/09
كل طرف يتكئ على فصل من الدستور

الأزمة السياسية الراهنة في تونس، ليست مجرد تنازع في الصلاحيات بين رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة، بل هي أعمق من ذلك وتنبع من دستور العام 2014، الذي استغرق وقتا طويلا، مع أن التصويت على فصوله كان يتم على عجل، وشابته الروح الاستحواذية، أكثر من الحرص على مستقبل البلاد واستقرارها.

الرئيس التونسي الباجي قائد السبسي أعلن رفضه للإجراءات التي توخاها رئيس الحكومة يوسف الشاهد لدى إعلانه التعديل الوزاري، وقال “وظيفتي الأساسية الحرص على احترام الدستور، الفصل 92 من الدستور يفرض على رئيس الحكومة إعلام الرئيس بالقرارات المتخذة”. الحكومة ردت على ما ورد في ندوة الرئيس، لتأكيد “شرعية” التعديل وخيارات رئيس الحكومة. حركة النهضة أصدرت بيانا عاجلا، أعربت فيه عن تقديرها لجهود الرئيس التونسي في النأي بالبلاد عن الأزمات الداخلية والخارجية”، لكنها شددت على “أهمية القيام بتعديل وزاري جزئي، بما يحقق الاستقرار الحكومي والتركيز على معالجة التحديات التي تواجهها البلاد”.

الأزمة السياسية التي وصلت أوجها أمس الخميس، بتهاطل المواقف السياسية على خلفية قرار التعديل الوزاري، هي مجرد جبل الجليد الذي لا يعكس حقيقة الأزمة ومنتهاها.الأزمة الأخيرة في تونس، وسابقاتها وما قد يلحقها، ليست سوى تعبير عن الإخلالات التي اكتظّ بها دستور العام 2014.

 في الحالات السياسية السوية، يعكس الدستور اتجاها سياسيا عاما، ثم يتم صوغه بعد نقاشات ومداولات، ليتحول إلى نص تشريعي تتم الاستعانة في إنتاجه بخبراء القوانين والتشريع درءا لكل خلط أو ضبابية أو تأويل، ليصلح الدستور ناظما للحياة السياسية وفيصلا في الخلافات. في الحالة التونسية، كان دستور 2014، مليئا بالفصول الضبابية التي تقبل كل تأويل، وبالنصوص التي تحتمل أكثر من قراءة، فضلا عن كون الكثير من الوضعيات السياسية أمام العراء الدستوري أو إزاء فصول متضاربة.

المفارقة أن كل أطراف الخلاف الراهن، تستند في مواقفها على الدستور، وكل طرف يتكئ على فصل معيّن لبيان صواب الموقف وسلامة الإجراءات، وهذا ما يقدم حقيقة مضافة مفادها أن الدستور وفّر أرضية تشريعية مطاطة وقابلة لكل تأويل أو قراءة.

الخلل المترتب عن الدستور الذي ظهر قصوره تطبيقيا، يصبح أكثر خطورة في صورة عدم وجود مؤسسات نص عليها الدستور نفسه، وشدد على وجودها لحسم بعض الخلافات. الفصل 101 من الدستور يقول “ترفع النزاعات المتعلقة باختصاص كل من رئيس الجمهورية ورئيس الحكومة إلى المحكمة الدستورية التي تبت في النزاع في أجل أسبوع بناء على طلب يرفع إليها من أحرص الطرفين”. وفي الحالة الراهنة فإن غياب هذه المؤسسة يضاعف خطورة المأزق التي تردت فيه البلاد.

الروح “التوافقية” التي هيمنت على فترة صياغة دستور 2014، وأهملت التفكير في المطبّات التي يمكن أن تظهر خلال التطبيق، إضافة إلى عقلية الاستحواذ والغلبة التي رافقت الصياغة والتصويت على الفصول، عوامل تلقي بظلالها اليوم على المنتج التشريعي للجمهورية الثانية في تونس.

وإذا وضعنا في الاعتبار أنه دستور فاقد للحزام المؤسساتي، من خلال عدم اكتمال الهيئات الدستورية (المحكمة الدستورية وغيرها) فإن هذا النص تحوّل إلى منتج للازمات بدل أن يكون فيصلا في الخلافات. أبدى العديد من خبراء القانون ملاحظاتهم حول هنات الدستور منذ إعلانه، واليوم تتصاعد أصوات منادية بتنقيحه وإصلاح ما اعتراه من ضبابية والتباس.

الأزمة في تونس لا تقتصر على التعديل الوزاري، ولا تكمنُ في تنازع الصلاحيات بين السلطات، بل تنبع من دستور تباطأ نواب الشعب في صياغته، لكنهم لم يتريّثوا في جعله نصا يليق بالجمهورية الثانية، بل كانت روح الغلبة وآلات التصويت حاسمة في تمرير الفصول التي تعاني البلاد اليوم، قصورها، والقادم أعقد.

9