الأزهر والفاتيكان: الحوار سبيل مواجهة التطرف والعنف باسم الدين

تصاعد ظواهر الإرهاب والتطرف والإسلاموفوبيا والخطابات التعميمية التي تصم الإسلام بالإرهاب، هي كلها ظواهر نابعة من منطلق واحد مختصره ومفاده هو إيلاء الانتماءات الدينية والمذهبية أهمية أكبر من الانتماءات المواطنية المدنية، إلا أن هذه الظواهر تؤكد أيضا الحاجة الماسة إلى الحوار، بوصفه أول الأبواب المؤدية إلى إرساء تعايش هادئ للاختلافات، وتكريس الإيمان بأن التعدد الديني والمذهبي هو عامل ثراء وليس منطلقا للفتنة. لقاء ممثلي الأزهر والفاتيكان، يمثل أهمية مزدوجة، إذ يقدم مثالا على إمكانية بدء الحوار وتذليل الخلافات رغم كل التوترات الحاصلة من ناحية أولى، ويدشن مسارا طويلا من العمل الدؤوب الذي ينتظر المؤسسات الدينية، الأزهر والفاتيكان في صدارتها، والذي من شأنه إن تم تعزيزه بالروافد التعليمية والثقافية والفكرية اللازمة، أن يحرم التطرف من معداته ويقوض أسس الإسلاموفوبيا.
الخميس 2017/02/23
الحوار بديل عن التشنج

كثيرا ما التقى في الماضي، مسؤولو مؤسسة الأزهر الشريف، الممثلة للإسلام السُنّي، والفاتيكان الذي يعد المتحدث باسم المسيحية الكاثوليكية، التي تمثل غالبية المنتمين إلى الديانة المسيحية في العالم، لكن لقاءهما في تلك الأيام يحمل دلالة خاصة، نظرا لعاملين رئيسيين.

أولهما تفشي ثقافة نفي الآخر في الكثير من الأماكن في الغرب، ونجاح اليمين المتطرف في السيطرة على عقول الكثيرين هناك، والثاني، ما يلجأ إليه ساكن البيت الأبيض الجديد دونالد ترامب، حاليا من إجراءات ضد مواطنين مسلمين في بلده، ما أثار العديد من التساؤلات والمخاوف.

تصطدم الرغبة المشتركة بين مؤسستي الأزهر والفاتيكان، في مواجهة التعصب الديني، وإرساء قواعد للعيش المشترك بين الأديان، بتغيرات سياسية يشهدها العالم كله، وذلك منذ تولي الرئيس الأميركي دونالد ترامب مقاليد منصبه في 20 يناير الماضي، وهو الوقت ذاته الذي يشهد نموا متصاعدا لقوى اليمين المتطرف في عدد من البلدان الأوروبية، وذلك بالتوازي مع استمرار العمليات الإرهابية التي طالت عددا كبيرا من بلدان العالم.

ولا تتوقف المسؤولية الدينية والأخلاقية لدى المؤسستين الدينيتين الأكبر في العالم فقط على مجابهة الإرهاب، الذي ينشر خطاباته المتطرفة ضد أصحاب الديانات السماوية منذ سنوات عدة، بل تمتد لمواجهة الخطابات العنصرية التي استخدمتها دوائر قريبة من الرئيس الأميركي الجديد، سواء كان ذلك أثناء حملته الانتخابية، أو ما اتخذه، هو شخصيا، من إجراءات بحق رعايا سبع دول إسلامية، بمنعهم من الدخول إلى الولايات المتحدة عقب توليه منصبه، بحجة مجابهة الإرهاب.

وبالتالي فإن الاجتماع الأول للجنة الحوار المشتركة بين الأزهر والفاتيكان، والذي عقد بالقاهرة، أمس الأربعاء، منذ أن تم تجميد العلاقات بين الطرفين في مطلع العام 2011، حُمّل مسؤوليات عديدة، ربما تكون أكبر من مجرد عودة جديدة إلى الحوار بين الطرفين، بل تسعى إلى تحقيق نجاحات يمكن الارتكان عليها في المستقبل.

عنوان الاجتماع كان “دور الأزهر الشريف والفاتيكان في مجابهة ظاهرة التعصب والتطرف والعنف باسم الدين”، وهو ما تضمن في طياته، التركيز على جوهر الصراع المتنامي بالعالم في الوقت الحالي.

تجاوز الخلافات

تأكد هذا الوعي بالمسؤوليات المتعددة، من خلال كلمات الحضور، والتي ظهر فيها بشكل واضح، حرص الطرفين على تجاوز الخلافات الماضية، والنظر إلى المشكلات المستقبلية التي تهدد الأديان المختلفة، وهو الأمر الذي عبر عنه الجانبان من خلال ممثليهما في الاجتماع، إذ حاولا البحث عن مساحات أكبر للاتفاق بين الديانتين الإسلامية والمسيحية.

الأزهر والفاتيكان، أدركتا أهمية تناغم السياسة مع دعوات التعايش والتسامح بين الأديان، بعدما أضحى واضحا أن انتشار الفكر المتطرف في السياسة والثقافة، هيأ مناخا خصبا للإرهاب

الدكتور عباس شومان، وكيل الأزهر الشريف، أكد أن أقوال وأفعال الرسول محمد، صلى الله عليه وسلم، في كتب السير والحديث، توصي بغير المسلمين، والمسيحيين بشكل خاص، وشدد على أن التعددية واختلاف الناس فكرا وعقيدة ولغة وثقافة، هي طبيعة بشرية لا ينبغي أن تؤثر على العلاقة بينهم، وأنه من غاية الألم أن تُرتكب الجرائم باسم الدين، وللأسف استغلته البعض من الوسائل الإعلامية أسوأ استخدام وفق أهوائهم.

شومان شدد في كلمته على أن مواجهة التعصب أكبر من جهود أي مؤسسة دينية في العالم، ومن ثم فإن المسؤولية تقع أيضا على من يمتلكون اتخاذ القرار في العالم.

وقال في هذا الصدد “إذا أردنا سلاما وأمانا عاما للبشرية جمعاء، فإن على الذين يملكون القوة أن يوفروا الإرادة القوية في مواجهة التطرف والإرهاب، بالقوة والتعليم والاقتصاد، وتحمل المسؤولية تجاه ذلك، بأن يتوقفوا عن سياسة الكيل بمكيالين”.

فيما اعتبر الكاردينال توران، رئيس المجلس البابوي للحوار في الفاتيكان، أن الإسلام أقرب دين للمسيحية، لأنه ديانة توحيدية إبراهيمية، على الرغم من الخلافات الكبيرة في العقيدة، وهو ما أوضحته وثيقة المجمع الفاتيكاني الثاني، التي صدرت في الستينات من القرن الماضي.

وركز الكاردينال توران، على جوهر التعصب بين الديانتين، وأرجعه إلى الفهم المغلوط للأديان السماوية من قبل أصحابها، وأن هناك متعصبين ومتطرفين، قلوبهم مليئة بالحقد والكراهية تجاه هؤلاء الذين لا يشاركونهم رؤية الدين والمجتمع، لأنهم يعتقدون أنهم وحدهم على صواب، ومن ثم فإن على الآخرين اتباع آرائهم أو الخضوع لهم، وهو الأمر الذي يمثل نواة انتشار الإرهاب في العالم.

إستراتيجية جديدة

وبحسب مراقبين، فإن كلا المؤسستين، الأزهر والفاتيكان، أدركتا أهمية تناغم السياسة مع دعوات التعايش والتسامح بين الأديان، بعدما أضحى واضحا أن انتشار الفكر المتطرف في السياسة والثقافة، هيأ مناخا خصبا للإرهاب الذي يواجه العالم اليوم، وهو ما يعد تحولا جديدا في إستراتيجية الأزهر والفاتيكان في التعامل مع العنف والتطرف، إذ أن الأمر في الماضي غالبا ما كان يقتصر على جهود الطرفين الفكرية لخلق مساحات من التسامح بين الأديان.

ومن جانبه قال الدكتور سيف قزامل، عميد كلية الشريعة والقانون بجامعة الأزهر سابقا، لـ”العرب”، إن المؤسسات الدينية بشكل عام، يقع على عاتقها تصحيح المفاهيم المغلوطة، التي تصدر من المنابر السياسية بشأن الأديان المختلفة، وهو ما تتزايد أهميته خلال الفترة الحالية، إذ أن الأمر ظهر تأثيره على الكثير من الثقافات الهشة الموجودة في العالم، وهو ما أدى إلى تزايد مساحات رفض الآخر، على مستوى القاعدة الشعبية لدى بلدان العالم.

سيف قزامل: مواجهة التطرف ينبغي أن تأخذ أبعادا جديدة، تركز على إقامة تحالفات مشتركة مع القيادات السياسية بالعالم

وأضاف أن مواجهة التطرف من قبل الجهات الدينية الفكرية الإسلامية والمسيحية في العالم ينبغي أن تأخذ أبعادا جديدة، تركز على إقامة تحالفات مشتركة مع القيادات السياسية بالعالم، لتحديد أسس واضحة للتسامح والعيش السلمي، وأن الاهتمام العالمي بمسألة الأديان خلال الوقت الحالي يزيد من فرص نجاحها.

وأوضح أن العالم كله يعاني، في الفترة الحالية، من تكسير الثوابت الدينية، سواء الإسلامية أو المسيحية، على أيدي مجموعة من المتطرفين، وبالتالي فإن مواجهة ذلك تستلزم رسم رؤية واضحة تحدد قيم التعايش بين الأديان السماوية، وتنعكس تبعا لذلك على قرارات سياسية يتم تطبيقها على أرض الواقع.

ويعاني المسلمون من الدعاية السيئة المتصلة بانتشار الإرهاب في دول غير إسلامية وعربية، لينتج عن ذلك الربط بين الإرهاب بالإسلام، وهو ما يفرض على قادة العالم التلاقي والحوار من أجل التفاهم والتوصل إلى كلمة سواء، تفيد الإنسانية عامة، والعمل من أجل تخليصها من العنف والتشدد والعنصرية، والتفرقة بين الشعوب بسبب الدين أو الجنس أو العرق.

دور القيادات الدينية

ما يجري في العالم من تطورات دفع العديد من مراكز الأديان والثقافات على مستوى العالم، إلى أن تركز على إيجاد سبل جديدة للعيش السلمي، وهو المبحث الذي ناقشه مؤخرا المنتدى الاستشاري لمركز الملك عبدالله بن عبدالعزيز العالمي للحوار بين أتباع الأديان والثقافات، والذي شدد على مساندة صناع القرار السياسي في العالم لتحقيق الأمن والسلام، بتفعيل دور القيادات الدينية للمساهمة في بناء السلام، ودعم البرامج والفعاليات المحلية والإقليمية والدولية، التي تساهم في تعزيز السلام العالمي.

وعلى مدار العام المنقضي حاول الأزهر والفاتيكان الوصول إلى بناء أسس واضحة للتعايش بين الأديان، وعقدا العديد من اللقاءات والحوارات على مستويات رسمية مختلفة بين الطرفين، كان أبرزها ما أقدم عليه شيخ الأزهر أحمد الطيب بزيارة الفاتيكان، كأول زيارة رسمية لشيخ الأزهر إلى المؤسسة الدينية الأكبر في أوروبا.

وخلال الزيارة اتفق الطرفان على عقد مؤتمر عالمي للسلام يجري التحضير له في الوقت الحالي، وقد ينعقد في أبريل من العام الجاري، واتفقا كذلك على استئناف الحوار بينهما، وهو ما ظهرت بوادره في اجتماع القاهرة الذي انعقد امس الأربعاء، والذي جاء بالتزامن مع ذكرى زيارة البابا يوحنا بولس الثاني إلى الأزهر في 24 فبراير من العام 2000.

زيارات متبادلة

يجدر التذكير بأن العلاقة بين الأزهر والفاتيكان قد تم تجميدها من قبل مؤسسة الأزهر في عام 2011، وذلك على خلفية مطالبة البابا بينديكت السادس عشر، بحماية المسيحيين في مصر؛ عقب تعرض إحدى الكنائس في مدينة الإسكندرية (شمال مصر) لهجوم بسيارة مفخخة، حيث اعتبر الأزهر، آنذاك، تصريحات بابا الفاتيكان “تدخلًا في الشؤون المصرية”.

ومنذ بدء عودة العلاقات تدريجيا في عام 2014، عقب زيارة الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي إلى الفاتيكان، لم يتوان الجانبان عن بذل الجهود لمواجهة التطرف ونشر ثقافة السلام والتعايش المشترك، إلا أن هذا الدور لم يترك أصداء سياسية على الجانب الآخر، باعتبارهما طرفين لا يمتلكان جيوشا ولا أسلحة، سوى الكلمة ومركزيهما المرموقين، روحيا، بين المسلمين والمسيحيين حول العالم.

رسمي عبدالملك: الحوار بين الأزهر والفاتيكان يفسح المجال أمام تغذية العالم بأفكار جديدة تحث على التسامح والتعايش بين الأديان

وشهد العام المنقضي زيارات مكثفة لشيخ الأزهر إلى العديد من العواصم العالمية، على رأسها فرنسا وألمانيا، وكذلك زيارته إلى نيجيريا إحدى البلدان الأفريقية التي تعاني حروبا باسم الدين، بالإضافة إلى مشاركته في منتدى الحوار بين الشرق والغرب، وذلك بعد أن نجح في تثبيت رسالة واضحة تتركز على نشر وسطية الإسلام في تلك البلدان.

وفي المقابل فإن البابا فرانسيس، بابا الفاتيكان، استبق الساسة وحث العالم والكنائس على فتح الأبواب أمام موجات اللاجئين الفارين من بلدانهم إلى القارة الأوروبية، وكذلك اتخذ مواقف أكثر عقلانية تجاه عمليات القتل والتشريد التي تعرضت لها الطوائف المسيحية المختلفة في عدد من البلدان العربية، التي تشهد حاليا حروبا وصراعات طائفية.

وتضطلع الكنيسة الكاثوليكية بدور كبير في مواجهة تيارات اليمين المتطرف في الدول الغربية، والتي تسعى إلى تصوير الدين الإسلامي والمسلمين باعتبارهم أعداء للغرب وللمسيحية.

ورغم أدوار المؤسستين فإن الواقع العملي يشير إلى زيادة النزعة نحو الأصولية الدينية، وهو ما أعطى المتطرفين من الجانبين تبريرات لسلوكهم المشين الرافض لوجود الآخر أو تقبله، فتفاقمت ظواهر التهجير القسري للأسر المسيحية من قبل تنظيم داعش الإرهابي، الذي سيطر على عدد من المدن العراقية والسورية، وتفشت ظاهرة “الإسلاموفوبيا” في الدول الغربية ضد المسلمين.

وبالتالي فإن الحوار المستأنف بين الأزهر والفاتيكان ركز أيضا على أهمية وجود وسائل اتصال سياسية بين دول العالم، تركز على المحبة والرحمة بين الأديان، وهو ما أكده الدكتور محمود حمدي زقزوق، وزير الأوقاف المصري الأسبق، خلال كلمته بالمؤتمر، مشددا على أن الجميع في قارب واحد، وعلينا أن ننقذ تلك السفينة التي تحملنا جميعا في هذا العالم.

ومن جانبه قال الدكتور رسمي عبدالملك، عضو لجنة بيت العائلة المصرية (وهي مؤسسة تضم المسلمين والأقباط) التابعة للأزهر، إن استعادة الحوار بين الطرفين من شأنه أن يفسح المجال أمام تغذية العالم بأفكار جديدة تحث على التسامح والتعايش بين الأديان، وأن تركيز الحوار على الجانب الروحي يعطي فرصة للتنازل عن بعض الأفكار لدى أي من الجانبين، وبالتالي نكون قد وضعنا أنفسنا على بداية الطريق لترسيخ السلام العالمي.

وأضاف في تصريحات لـ”العرب”، أن دخول السياسة طرفا في الحوارات الدينية، قد يؤدي إلى إفشال تلك الحوارات، تبعا لأن كل دولة ترى الطريقة التي تناسبها للتعامل مع شعوبها، ولكن ما ينبغي التركيز عليه يجب أن يرتبط بجوهر مبادئ العيش السلمي بين الأديان، وكذلك الوصول إلى خطاب إعلامي موحد بين الجانبين لتصحيح المفاهيم المغلوطة.

13