الأزهر يخرج أكثر قوة من معركته مع الحكومة للسيطرة على الفتوى

بنك الفتاوى يحتكر لنفسه إصدار الحكم على قضايا مصيرية دون منح الفرصة للعلماء المنفتحين ليجتهدوا ويجددوا الفتوى وفق متطلبات العصر ومستجدات الواقع.
الاثنين 2020/10/12
فتاوى متضاربة

خرج الأزهر من معركة السيطرة على الفتاوى مع الحكومة المصرية أكثر قوة حيث بدأ في اتخاذ خطوات تعزز هيمنته على الشارع من خلال إطلاق بنك للفتاوى، وهي الخطوة التي تأتي بعد أسابيع قليلة من سحب البرلمان لقانون يجرده من السيطرة على الفتوى.

تخطو مؤسسة الأزهر في مصر بشكل متسارع نحو إحكام قبضتها على الفتاوى بشكل يضمن لها واحدا من أهم الملفات الحيوية التي ترتبط بصميم حياة الناس، وهي الفتاوى، حيث شرعت في إطلاق “بنك الفتاوى الإلكترونية”، بدعوى مواجهة التطرف والتشدد الديني، ومحاربة الآراء الشاذة وتفكيك الأفكار المنحرفة.

جاء التحرك بعد أسابيع قليلة من سحب مجلس النواب لقانون يجرد الأزهر من الفتوى، من خلال نقل تبعية دار الإفتاء إلى مجلس الوزراء بدلا من الأزهر، لكنه رفض خطوة الحكومة، ولوّح بإجراءات قضائية، واضطرت الحكومة إلى نزع فتيل الأزمة بتجميد القانون كليّا، وبالتالي استمرت الفتوى في حوزة الأزهر.

لم تطمئن المؤسسة الدينية بشكل كامل لخطوة الحكومة، فاتجهت إلى استباق أي تحركات مستقبلية مع انعقاد مجلس النواب الجديد مطلع العام المقبل، وقررت احتكار الفتوى من خلال بنك متخصص، يتولى إصدار الرأي الديني، ولا يلجأ الناس إلا إليه.

قال الأزهر، إن البنك يرمي إلى تجديد الفكر الإسلامي ونشر الوسطية ومواجهة فوضى الفتاوى، مع تصحيح المفاهيم من خلال آراء دينية منضبطة تسهم في مواجهة الأفكار الهدامة، والتيسير على جمهور طالبي الفتوى في الحصول عليها بشكل سريع، والرد على إجاباتهم بطريقة شافية دون الحاجة إلى جهد.

توحيد وتفتيت

الفتاوى

صار توحيد جهة الإفتاء في مصر ضرورة لمواجهة فوضى الفتاوى التي تصدر من جهات مختلفة، وتحمل آراء متباينة تثير الشتات الجماهيري، لكن معضلة بنك الفتاوى أنه يحتكر لنفسه إصدار الحكم على قضايا مصيرية دون منح الفرصة للعلماء المنفتحين ليجتهدوا ويجددوا الفتوى وفق متطلبات العصر ومستجدات الواقع.

يعني إنشاء الأزهر بنكا للفتاوى، أن كلام علمائه المصدر الوحيد للرأي الديني، وهو ما يقود ضمنيا إلى وقف التجديد في بعض المسائل دون تطوير الفتوى وتنقيحها وفق الحاجة؛ لأن أزمة المؤسسة الدينية مع الحكومة والنخب الفكرية والثقافية والإعلامية، تكمن في أن رؤيتها تخاطب الماضي وتتمسك بفقه قديم تجاوزه الزمن، ولم يعد يواكب العصر.

لم يقتنع الأزهر بعد بأن الفتوى يُفترض أن تكون متجددة، والآراء الدينية التي سادت في الماضي لا تصلح لهذا العصر، ولا يجب تثبيتها عند مرحلة بعينها لتكون دستورا ملزما يسير عليه الناس طوال حياتهم.

أكد أحمد كامل بحيري الباحث والمتخصص في شؤون الإسلام السياسي، لـ “العرب”، أن وجود جهة واحدة للفتوى توجه مطلوب، لكن المعضلة في وجود آراء متضاربة داخل الأزهر نفسه حول قضايا وموضوعات جدلية، بالتالي فهو يحتاج أولا أن ينقح فتاوى علمائه قبل وضعها في سلة واحدة أمام الجمهور.

يخشى معارضون لبنك الفتاوى أن تخدم الفكرة أهداف شيوخ التيار السلفي بشكل غير مباشر، لأنهم أحرص الناس على تجميد الفقه الديني عند مرحلة بعينها، بذريعة الحفاظ على التراث، وهؤلاء أكثر فصيل يُعارض إستراتيجية الحكومة نحو بناء فقه معاصر، ويدعمون الأزهر في موقفه المعارض للتجديد.

يقول أصحاب هذا الرأي إن الاجتهاد في الرأي الشرعي يظل السبيل الوحيد تقريبا للقضاء على الجمود الفكري الذي أصبح يضرب مفاصل المجتمع نتاج تمدد السلفيين بفتاوى جامدة لا تعرف التجديد، ودفع الناس إلى التعاطي مع فتوى واحدة مبنية على رأي تراثي في قضية معاصرة، أكبر عائق لتحضر الفكر المجتمعي.

وأضاف أحمد بحيري أن التطرف الديني تأسس على التمسك بالتراث الذي لم يعد يناسب العصر، وكانت جهود هؤلاء محمودة في زمانهم، ومن غير المنطقي أن نستمر في الأخذ منهم حتى اليوم، وعلى المؤسسة الدينية البدء في تفسير التفسير قبل دفع الناس لتقديس الماضي.

كان يمكن قبول احتكار الأزهر للفتوى، لو استبق هذه الخطوة بتنقيح مناهجه الدينية واستجاب لدعوات إقصاء العلماء المتشددين داخله، ونقح كتبه من التراث الذي يخاطب عصور الجاهلية الأولى.

لكن أن يحتكر وحده إصدار آراء دينية بناء على نهج قديم، ومن خلال عقليات طالما تسببت فتاواها في أزمات مجتمعية، فإن ذلك يثير الشكوك حول الفكرة.

هناك فتاوى من الأزهر بتحريم التعامل مع البنوك، مقابل آراء أخرى أكثر عقلانية تبيح ذلك. وأي فتوى منهما سيتم وضعها في بنك الفتاوى؟وثمة فتوى صادرة عن مجمع البحوث الإسلامية توصم الزواج العرفي بالزنا، في حين توجد فتاوى لعلماء أزهريين تعتبره حلالا، طالما توافرت فيه شروط الزواج بأن يكون هناك شهود وإشهار.ويصدر الأزهر أحيانا فتاوى مناقضة لرأي علماء دار الإفتاء، سواء الحاليون أو السابقون، وما زالت هناك قضايا دينية لم يتم حسمها بعد، وتكون الآراء حولها متضاربة لصعوبة الفصل فيها بسبب اختلاف ظروفها وأحداثها، وأيّ رأي قاطع لها لإدراجه ضمن فتاوى بنك الأزهر، يقطع الاجتهاد حولها.

لا يمانع البعض من العلماء جمع أكبر قدر من الفتاوى حول الموضوعات الأكثر استفسارا في سلة واحدة، لكن كيف يكون مصدر الفتوى أزهريا يتحدث إلى الناس بلغة الماضي، ويتجاوب مع تساؤلات تتعلق بالطب والسياسة والاقتصاد دون أن يكون متخصصا في هذه التخصصات، وهي إشكالية كبيرة مع متصدري الفتوى عموما.

الفتاوى

مشكلة بعض العلماء أنهم يفتون في قضايا شديدة العصرنة مثل الأمور السياسية وفق آراء فقهية قديمة، ويصرون على أن ما كان يطبق في الماضي لا يجوز تعديله وفق الحاضر، وبحسب هؤلاء من غير الممكن مثلا الإفتاء بجواز ولاية القبطي على مسلم.

من هنا تبدو ملامح الأزمة بشكل أكثر وضوحا، فالأزهر قرر أن يتعامل الناس مع بنك الفتاوى باعتباره المرجعية الأولى في الاحتكام لرأي الدين حول كل القضايا، ولم يترك مساحة لدعاة التجديد ليدلوا برأيهم، ويتركوا الناس يختاروا ما يناسب حياتهم ويتلاءم مع قناعاتهم.

وإذا كان تحرك المؤسسة الدينية نابعا من مسؤوليتها عن الوصول إلى حل جذري لفوضى الفتاوى، فعدم تحديد آلية جمع الآراء الدينية في سلة واحدة يلجأ إليها الناس وقت الحاجة ما زال مثيرا للريبة، لأن المطلوب قبل هذه الخطوة وضع إستراتيجية محكمة تحول دون إدراج آراء دينية شاذة ومتطرفة في بنك الفتاوى، لمجرد أن الذين أصدروها علماء من داخل الأزهر، في حين أن بعضهم أكثر تشددا من السلفيين.

يرتبط التخوف بأن قادة المؤسسة الدينية الأم في مصر لا يعترفون بوجود متشددين بين علماء الأزهر، ويصنفونهم على أنهم الأجدر بحمل راية الدفاع عن الإسلام، والتصدي للفتوى، وآراؤهم يفترض أن تكون مقدسة ومحصنة من النقد ولا تجوز مراجعتها أو الطعن فيها. وهي نفس القدسية المستمدة من التراث الذي يدافع عنه الأزهر، بذريعة أنه انعكاس وحيد لصحيح الدين.

لفت الباحث أحمد بحيري إلى أن “هناك عقليات داخل الأزهر تعادي الاجتهاد والتفسير العصري للقرآن والأحاديث لتكون مواكبة للعصر، في حين أن عمر بن الخطاب أوقف نصا قرآنيا صريحا عن مصادر الزكاة واستخدام العقل في تفسير الآية، ولم يقدس التراث، والنبي محمد (ص) نفسه ترك نحو 80 في المئة من تفسير القرآن للاجتهاد الشخصي بما لا يخل بجوهر الدين”.

من غير المتوقع أن يعتمد الأزهر على علماء معروف عنهم الانفتاح الفكري للعمل تحت مظلة بنك الفتاوى، ويكفي أنه عندما أرسل قائمة إلى المجلس الأعلى للإعلام قبل عامين تقريبا بأسماء المسموح لهم بالفتوى، خلت من الشخصيات الرافضة للتراث الفقهي القديم، واعتادوا إظهار الامتعاض من الانكفاء على الماضي، ولم يحققوا أي تقدم في ملف تجديد الخطاب.

الفتاوى منهج حياة

لا تصغوا لغيرنا
لا تصغوا لغيرنا

تمثل الفتوى بالنسبة إلى الشارع المصري إحدى أهم الأدوات التي يبني الناس عليها مصير حياتهم، فترى أغلب الأسر تتخذ قراراتها المعيشية وتبني تعاملاتها مع الآخرين وفق الرأي الديني، وهي عادة متجذرة عند الكثير من الناس، ورثوها عن آبائهم وأجدادهم، وساهم في نموها ارتفاع معدلات الأمية.

لدى بعض قادة المؤسسة الدينية قناعة راسخة بأن كثرة احتياج الناس إلى فتوى في كل ما يخص حياتهم، هي ثروة يجب أن يسيطر عليها الأزهر، لدعمه في نفوذه المجتمعي، بحيث يكون الملجأ الوحيد أمام هذه الشريحة الضخمة ويصبح وحده المتحكم في تحركاتها وتوجهاتها حتى يرتقي إلى الوجهة المقدسة في الرأي الديني.

وقد لا يجد صعوبة في الوصول إلى هذه المكانة بعد احتكار الفتوى، في ظل تصاعد الهوس بالرأي الديني، لكن الخطورة أن تتبع هذه الخطوة تحركات أخرى تكرس لدى الناس فكرة تحريم أي فعل طالما لم يحصل على فتوى أزهرية، أو يتم إقناع العامة بحتمية تجاهل أي رأي مخالف للأزهر باعتباره الوجهة الوحيدة للفتاوى.

ما زال غياب الوعي عند بعض الفئات أحد أهم أسلحة الهيئات الدينية، لأنه يكرس الهوس بالفتوى، ويجعل مدمنيها حائط الصد المنيع ضد محاولات النيل من أيّ واحدة منها، بحيث تظهر أمام صانع القرار أنها ماضية في توعية وتنوير المجتمع، بالتعاطي مع استفساراته وتوفير إجابات لها، وإن كانت الأسئلة تحمل قدرا من الرجعية.

رأى عطية شاهين أستاذ الفقه بجامعة الأزهر، في تصريح لـ”العرب”، أن التعاطي المجتمعي مع بنك الفتاوى الإلكترونية سيكون صعبا على أغلب السكان، لاتساع دائرة الأمية، والجهل بالتكنولوجيا، كما أن طالب الفتوى بحاجة إلى عالم دين يناقشه ويتحدث إليه، لا أن يكون رأيه مكتوبا بكلام لا يفهمه.

الفتاوى

يخشى متابعون أن يكون التحرك نحو محاربة التطرف والأفكار المنحرفة من خلال بنك خاص بالفتاوى محاولة للالتفاف على التراخي في ملف تجديد الخطاب الديني، لأن الإعلان المبدئي عن جدوى الفكرة تطرق إلى أن الهدف تجديد الفكر الإسلامي ونشر الوسطية، دون الإيحاء بأن ذلك إحدى مراحل تجديد الخطاب كليا.

يشير هؤلاء إلى أن المؤسسة الدينية إذا كانت تريد التجديد من خلال الفتاوى عليها الكف عن إقحام رأيها في كل شيء يرتبط بحياة الناس، لأن انغلاق الأفق الفكري للكثيرين ارتبط بأن تتحكم الفتوى في حياتهم دون تعايش طبيعي، وعليها الكف عن رهن ظروف هؤلاء للماضي، حيث التراث القديم ما زال مهيمنا على الرأي الديني.

ويتحرك الأزهر بخطوات محسومة، وأنشأ قبل عامين أكاديمية متخصصة في شؤون الدعوة والإفتاء، في حين أن دار الإفتاء ووزارة الأوقاف لدى كل منهما أكاديمية معنية بذات الشأن تقريبا، وإنشاء بنك للفتاوى يحتكر الرأي الديني هو أحد مشاهد الصراع بين المؤسسات الثلاث للسيطرة على الملف.

أصبحت الأجواء هادئة الآن بين الأضلع الثلاثة، غير أن زيادة نشاط الأوقاف والإفتاء في ما يرتبط بالشأن الدعوي وإصدار الفتاوى بشكل ملحوظ دفع الأزهر لاتخاذ خطوة من شأنها فرملتهما ليحل مكانهما ويتولى المهمة منفردا، لأن الظرف السياسي المضطرب لا يسمح للحكومة بالصدام معه أو تقليم أظافره، وقد لا تتكرر الفرصة.

الواضح أن تركيبة المجتمع المصري لن تسمح للأزهر بفرض هيمنته كليّا على الفتوى، في ظل اعتماد قرابة 60 في المئة من الناس على رأي الأئمة وشيوخ السلفية المنتشرين في الزوايا والمساجد، ومن ثم لا سيولة الفتاوى تتوقف ولا تنظيمها سوف ينجح، طالما أن الغرض من خطوة المؤسسة الدينية احتكار المجال الدعوي، بعيدا عن ضبط ملف الفتوى بواقعية، دون التركيز على المصالح الشخصية.

تمثل الفتوى بالنسبة إلى الشارع المصري إحدى أهم الأدوات التي يبني الناس عليها مصير حياتهم
تمثل الفتوى بالنسبة إلى الشارع المصري إحدى أهم الأدوات التي يبني الناس عليها مصير حياتهم

 

13