الأسئلة الصعبة للسينما تترك أجوبتها في عهدة المشاهدين

في التسامح مع القتلة الكثير من مثالية مفرطة، تليق بالأعمال الفنية، وقلما تجد طريقها إلى الواقع أو تنطلق منه، حتى في الأفلام، لا يستبعد القصاص الرسمي أو الانتقام الأهلي من القاتل، ولا يكون خيار التخلي عن الثأر إلاّ تجنبا لثارات تالية.
الجمعة 2017/12/29
نظرة على عالم الكامورا

في فيلم “الأب الروحي” يجتمع مارلون براندو مع عدد من رؤساء المافيا بعد تحطم قلبه بقتل ابنه الأكبر “سوني”، ويعلن ما يشبه العهد “لتتوقف هذه الحرب الآن”، ويعدهم بألاّ يثأر من أي منهم لابنه القتيل، إلاّ إذا مس ابنه الصغير مايكل (آل باتشينو) سوء.

وفي مهرجان القاهرة السينمائي الدولي التاسع والثلاثين الذي جرت فعالياته في الفترة الممتدة بين 21 و30 نوفمبر الماضي، ذهبت الجوائز المهمة إلى فيلمين يرسخان مبدأ التسامح، وجانبت الجوائز أفلاما أكثر أهمية من الناحية الفنية.

ولا يمكن تفسير الأمر في ضوء ما يلقى من شائعات حول مصالحات مع أطراف أوغلت في الدم في الآونة الأخيرة، فلجنة التحكيم ذات طابع دولي، والأفلام الداعية إلى التسامح تنتمي إلى أكثر من قارة، وتستند إلى رؤى عامة تخصّ صناعها، أو مثاليات في التنشئة كما في حالة لاورا مورا مخرجة الفيلم الكولومبي “قتل عيسى” التي قالت عقب عرض الفيلم، إن أباها كان محاميا أورثها محبة الناس وخصوصا الفقراء، ولم يكن له نشاط سياسي، إلاّ أنه لم ينج مما ساد بلادها في تلك الفترة، وقتل عام 2002 على أيدي مأجورين، فغادرت إلى أستراليا، ثم راودها حلم عثورها على شاب يقول لها “أنا يسوع وقد قتلت أباك”.

سهولة القتل

بطلة "قتل عيسى" تواجه تحديا أصعب من العثور على القاتل، وهو تجاوز الحاجز الأخلاقي لقتله بعد اقترابها من تفاصيل حياته

حادثة قتل سابقة، أقدم من قتل والد لاورا مورا، رسخت لديّ فكرة عن سهولة القتل في كولومبيا، ففي مباراة بين كولومبيا وأميركا في مونديال 1994 أخطأ اللاعب الكولومبي أندرياس إسكوبار، وسجل هدفا في مرمى فريقه، فلاحقه مشجع في مدينة ميدلين، وانتقم منه في مطعم بإطلاق 12 رصاصة.

لو كان الهدف غضبا أقل من الانتقام لاكتفى القاتل برصاصة واحدة، ولكن القاتل كان يصرخ بهستيرية بعد كل رصاصة “غووول”، في دلالة على الهوس بالكرة، وعلى مجانية كل شيء.

الرصاص والقتل أيضا، وهو ما فعله الشاب “يسوع” حين قتل والد بطلة فيلم “قتل عيسى” بحياد، غير مدفوع بثأر ولا حقد شخصي، ولكنه كلّف بمهمة فأداها باعتبارها عملا مقابل المال.

المخرجة التي ولدت عام 1981 في مدينة ميدلين التي قتل فيها أيضا اللاعب إسكوبار، انطلقت من آثار رؤيتها إلى واقعة قتل أبيها، وشاركت السيناريست ألونسو توريس كتابة سيناريو الفيلم، واختارت لبطولته فتاة في الثانية والعشرين، ومنحنتها اسم باولا (قامت بالدور ناتاشا خاراميلو) التي تشهد مقتل أبيها أستاذ العلوم السياسية، وتلقي نظرة على وجه القاتل فلا يغادر ذاكرتها، ولا تجد من الشرطة اهتماما كافيا، فتذهب للسؤال عن مصير البلاغ، لمعرفة ما إذا كانوا قد قبضوا على القاتل.

تفاجأ البطلة بوجود أكوام من الملفات في مكتب مسؤول يخبرها بأن واقعة أبيها واحدة من قضايا كثيرة، وتثور لأنه ليس مجرد رقم في قائمة من الضحايا، فهو أب، له اسم وأسرة وثأر ينتظرونه، وتفقد أعصابها وتبعثر الأوراق، وتفقد الثقة بقدرة الشرطة وكفاءتها، وتقرّر البحث عن القاتل، إلى أن ترى شابا قريب الشبه بالصورة الراسخة في ذاكرتها، فتتقرب إليه في ملهى ويخرجان معا.

وتقضي الفتاة مع يسوع (جيوفاني رودريجز) وقتا أطول ممّا تقضيه مع أمها وأخيها، ويكون التحدي الأصعب من العثور على القاتل هو تجاوز الحاجز الأخلاقي لقتله، بعد اقترابها من تفاصيل حياته.

تسعى الفتاة إلى تدبير ثمن مسدّس، بالتوازي مع لقاءات مستمرة مع الشاب يسوع، وتتعرّف إلى أسرته وأصدقائه، ويقترب كلاهما من الآخر أكثر فوق هضبة مشرفة على المدينة، كأنها فوق الحياة قليلا، هناك يتقاسمان السيجارة، ويدرّبها على إطلاق الرصاص، وهي لا تكفّ عن رغبتها في قتله، ولو بشفرة حادة من زجاجة مكسورة أثناء السباحة معا.

ما عاقبة القتل المحايد

ويتأكد لها أن شراء المسدّس سيكون إنهاء لهذه المحاولات، وفي سبيل شرائه تتعرّض لحادث سرقة بالإكراه في أحياء فقيرة، فلا تجد من تستغيث به لاستعادة مسروقاتها إلاّ يسوع؛ فهو أدرى بهذه الأحياء وساكنيها، إذ خرج منها وإن غادر بيت أسرته واستقل بمسكن فقير، ويعيش تحت تأثير المخدرات في أغلب الأحيان، ولكنه يمارس حياته باعتياد؛ الخروج والرقص واللهو مع أصدقائه، فهو ليس محبا للقتل، ولا ضحية لمجتمع قاس، لكي نلتمس له العذر في لجوئه إلى الجريمة، وإنما هو شاب لا يخلو ممّا يتسم به الإنسان الطبيعي من تلقائية وميول شريرة ورغبة في إنقاذ فتاة يميل إليها.

وكان قتله لأبيها تكليفا مقابل المال، ونفّذ الجريمة من دون شعور بكراهية القتيل أو التشفي فيه، وهي لا تعرف هذه التفاصيل إلاّ في المشاهد الأخيرة، حين يكون في مرمى القتل، ولكنها تكتفي بسبابه وركله وضربه بعنف لا يؤدي إلى القتل.

وفي كلامها بعد عرض الفيلم بدت المخرجة مثالية، ومتّسقة مع سلوكها، وقالت إن الفيلم دعوة إلى التعايش، رسالة حب لأبيها، وإنها تهدي الفيلم إلى روحه، فأهدت لجنة تحكيم اتحاد النقاد الدولية “فيبريسي” جائزتها إلى الفيلم الذي فاز أيضا بالجائزة الخاصة للجنة تحكيم المسابقة الرسمية “الهرم الفضي”، أما الجائزة الكبرى “الهرم الذهبي” فنالها الفيلم الإيطالي “المتطفلة”.

ذنب من

لم يكن فيلم “المتطفلة” للمخرج الإيطالي ليوناردو دي كوستانزو المولود عام 1958، هو الأفضل في المسابقة الرسمية لمهرجان القاهرة السينمائي الدولي التاسع والثلاثين، وربما شفعت له رسالته الإنسانية، في وقت تتعالى فيها الدعوات حول العالم إلى الاندماج والتعايش. وتدور أحداث الفيلم بمدينة نابولي في مركز لرعاية الأطفال من ضحايا عصابات الكامورا، تدير الملجأ الاختصاصية الاجتماعية جيوفانا (قامت بالدور رافايليا جيوردانو) التي تواجه تحديا أخلاقيا عندما تلجأ إليها ماريا (فالنتينا فانينو)، ومعها طفلان، وتخبرها بحاجتها إلى الإقامة بعد طردها من عملها.

يستهدف المركز تنمية خيال أبناء الحي فقير، بتعليمهم مهارات يدوية وفنون الرسم والعناية بالزهور، هدف سام بالطبع يتّفق عليه أهالي المدينة ومديرة المركز، رغبة في تنشئة الأطفال بمعزل عن مجتمع يسهل فيه ارتكاب جرائم، ثم تكتشف جيوفانا أن ماريا زوجة عضو في الكامورا، فينشأ الصراع النفسي بين الإبقاء على الأم وولديها، فلا ذنب لهم في جريمة ارتكبها الزوج/الأب، وبين رفض المجتمع لوجودهم، وعقابهم على ذنب لم يرتكبوه، بل إن الأمهات يهدّدن بمنع إرسال أبنائهم إلى المركز؛ لكي لا يختلطوا بابنيْ قاتل.

خيار صعب في مواجهة مجتمع غاضب لا تستطيع امرأة بمفردها، ولو في صلابة وأخلاقيات جيوفانا، أن تتصدى له، إنه سؤال تتعدّد إجاباته، وبعض هذه الإجابات تتركها الأفلام رهنا بضمائر المشاهدين.

16