الأسئلة المسكوت عنها تشعل "المحاكمة"

"كل ما ورثته عن أبي هو خير لي وكفاية"، جملة تبدو عادية، لكنها ليست كذلك، بل تفند باختصار مدى الجهل المترتب على الثبات والجمود عند إرث الأجداد، وهي جملة تظل حاضرة الذكر طوال أحداث العرض المسرحي "المحاكمة" الذي يعرض حاليا على خشبة المسرح القومي بالقاهرة.
الأربعاء 2017/04/26
صراع الفكر والبديهيات

"المحاكمة" عرض مسرحي مصري مأخوذ عن نص "ميراث الريح" للكاتبين المسرحيين الأميركيين جيروم لورانس وروبرت إدوين لي، ويمثل تمردا على التابوهات والأعراف المحفورة في أذهان الكثيرين، خصوصا في ما يتعلق بصحيح الأديان، وينتقد أن يكون حديث رجال الكهنوت مجرد "لوح محفوظ" لا بد من السير على دربه، وكل هذه المعاني تكشفها مشاهد المسرحية بأسلوب غير مباشر وبشكل تفاعل معه الجمهور.

على غرار ما تعرّض له عالم الجيولوجيا، تشارلز داروين، عندما قدم كتابه "أصل الأنواع" من هجوم وانتقاد بسبب نقده للكثير من المعتقدات الدينية، تنطلق أحداث المسرحية من خلال محاكمة شعبية لأحد المدرسين، قرأ على تلاميذه نصا خارجا عن المقرر المدرسي.

النص الذي قرأه المدرس مأخوذ من كتاب داروين، ويخالف ما ورد بالكتاب المقدس عن بدء الخليقة، الأمر الذي أغضب أهل المدينة وجعلهم يطالبون بمحاكمته بشكل عاجل، دون أن تأخذهم به شفقة ولا رحمة.

بالفعل يدخل المدرس إلى قفص المحاكمة ويتولّى شخص ملقب بـ"السيد الموقر" مهمة الدفاع عنه، ويجسد دوره الفنان سامي عبدالحليم، في حين يظهر شخص آخر، هو الفنان أشرف عبدالغفور، ويقوم بمهاجمة وانتقاد المدرس منحازا إلى صف أهل المدينة الذين يلقبونه بـ"المحامي الفاضل".

وتقوم فكرة العرض الأساسية بالأساس على الرغبة في دحض الأفكار والمعتقدات الراسخة، غير أن الأهم هو فكرة التضاد والتناقض التي تم اللعب عليها بشكل جيد، من خلال شخصيتي السيد الموقر والمحامي الفاضل، ومعهما أيضا رجل الدين الذي يشجع على ضرورة محاكمة المدرس.

تمت ترجمة التناقض الواضح عبر ملابس الشخصيتين، فالسيد الموقر يتشح بالملابس السوداء، ما يدل على تمرده وقوته واحترافيته في الدفاع عن موكله، أما المحامي الفاضل الذي يرتدي "بدلة بيضاء"، مثله مثل الشيخ الذي يظهر أيضا مرتديا جلبابا أبيض، فقد أريد منهما إظهار رغبتيهما في الاستحواذ على إعجاب الآخرين.

المخرج نجح في كشف القبح المترتب على سعي البعض من رجال الدين المزعومين إلى تحريم أشياء لا معنى لها

ما يؤكد ذلك المعنى أن المحامي الفاضل يظل يقوم طوال العرض بالتقاط الصور الدعائية لنفسه، ويحرص على أن ينال التصفيق الجماهيري هو والشيخ في إشارة خفية إلى الادعاءات الوهمية بالبطولة.

السيد الموقر، لديه الكثير من البراهين والأدلة التي يحاول بها إقناع القاضي ببراءة موكله، ورغم أن محاولاته في البداية تفشل في إقناع القضاة بموقف المتهم، فإنه في نهاية الأمر ينجح في تبرئته.

ويبقى النجاح الأعظم متمثلا في كشف حقيقة زيف المحامي الفاضل وجهله، ليس بالحجج الإنشائية الكلامية، بل من خلال صحيح الدين نفسه الوارد في الكتاب المقدس، ما يكشف عن ضعف موقفه وحجته، وهنا تبدأ جموع الناس في التراجع عن الالتفاف حوله.

بين شخصيتي المحامي الفاضل والسيد الموقر، يقف رجل الدين الذي يظهر مرتديا جلبابا أبيض، ويغطي يديه بالأكمام البيضاء التي تخفي جميع أصابعه، مع تحريك آلي "ميكانيكي" لليدين في إشارة إلى سيره الأعمى على نهج الأسلاف دون القيام بأي دراسة أو فهم لما يقرأه أو يحفظه. ويستكمل المشهد بظهور مشهد مسجل على "مونيتور" في خلفية المسرح لرجل الدين وهو جالس على أريكته يعظ أتباعه، في دلالة موحية بأن ما يردده مجرد أحاديث محفوظة ومسجلة.

المفارقة أن ابنة رجل الدين ترتبط عاطفيا بزميلها المدرس المتهم، ويظهر طوال وقت العرض خوفها الشديد على حبيبها من بطش أبيها، والفتاة ترتدي غطاء الرأس (لعلها إشارة إلى الحجاب)، لكنها في نهاية العرض تقرر خلعه ليظهر شعرها عندما تقرر الرحيل عن بلدتها والابتعاد عن أفكار والدها التي جعلتها تفقد قدرتها على التفكير والنقاش، وكأن موقفها وحبيبها يمثلان ثورة قادمة للشباب على الأعراف المعتادة.

في خلفية المحاكمة يقدم العرض جموع الشعب ما بين شحاذين وبلطجية ومعاقين وفتاة ليل وضابط شرطة، وجميعهم في حالة اجتماعية مزرية باستثناء رجل الشرطة الذي بدا موفور الصحة والعافية، وظهرت عليه علامات القوة والنفوذ التي يستخدمها بعنف في التعامل مع الشعب، بينما فتاة الليل نراها وقد تحسنت أحوالها عندما بدأت تحترف البغاء في دلالة لا تخلو من معنى.

وجود جموع الشعب وإظهار أحوالهم الاجتماعية المزرية في خلفية المحاكمة، كانا الأكثر تعبيرا عن التأثير الحقيقي الذي يتركه على الناس هؤلاء المُدّعون الذين يزعمون أنهم يمتلكون الحقيقة الكاملة، (المحامي الفاضل ورجل الدين)، حيث لا يشغلهم تصحيح مسار المجتمع بقدر انشغالهم بالمنع والتحريم.

ورغم أن وجود هذه الجموع استهدف خدمة طبيعة الأحداث في هذا العرض، فإن ما تؤاخذ عليه هو كثرة الحركة والضوضاء على خشبة المسرح ما أفسد أحيانا متعة المشاهدة، خصوصا أن العرض يحتوي على مجادلات فلسفية محملة بالكلمات المؤثرة في سير المحاكمة لدى كل من المحامي الفاضل والسيد الموقر، ما يستدعي التركيز على ما يقولان.

وكانت اللوحة الختامية للعرض موفقة وكشفت بالضبط مدى معاناة الناس الذين راحوا يصرخون على خشبة المسرح بتلك العبارة الموحية “فَتّة.. لحمة.. فراخ بانية.. مش هناكل.. ولا إيه؟".

نجح مخرج العمل، طارق الدويري، في كشف القبح المترتب على سعي البعض من رجال الدين المزعومين إلى تحريم أشياء لا معنى لها والإيغال في إغراق الناس في قضايا عبثية، بينما جموع الشعب تتضور جوعا فتطلب اللحم والفتّة والدجاج.

رسالة العرض قدمها المخرج الدويري بوضوح في نهايته عندما قدم السيد الموقر صاعدا إلى أعلى السلم، بينما وقف رجل الدين في أسفله، وهي دعوة صريحة لضرورة انتصار العقل في النهاية والخروج من دائرة المحرمات والكف عن الخوف من اقتحام الموروث الذي قد يكون معرقلا للمجتمعات.

16