الأساطير في ثوب جديد

السبت 2014/09/06

المعروف أن الأساطير قصص رمزية تروي حقائق داخل مجتمعات لها تقاليد عريقة، وتُعنى في العادة بالأحداث الغريبة والكائنات الخارقة لمألوف الكائنات. والمعروف أيضا أن الأسطورة تتميز بأمرين : أولهما أنها تُعامل في المجتمع الذي تنبعث فيه على أنها قصة واقعية، ولا تبدو عكس ذلك إلا عندما يُنظر إليها خارج مجتمعها.

وثانيهما أنها تكتسب الشمولية لأنها تعود بمجتمعها إلى الحقيقة البدائية التي لا تتصف بالأسبقية في الزمن فحسب، وإنما تختلف من حيث نوعها في الزمان والمكان والصيغة. ذلك أن الأساطير أنواع: منها الكونية التي تصور خلق الكون، ومنها أساطير الصيد والزراعة، ومنها أساطير الأشخاص غير العاديين، ومنها أساطير الأزمات التي تطرأ في حياة الأفراد.

وفيها ما يبدو لنا اليوم بسيطا حدّ السذاجة، وفيها ما يكون عميقا يحوي نظرة فلسفية وجودية، قابلا لما يسمّيه الدارسون تعدّد القراءات. ولذلك كانت من أهمّ مصادر الإلهام للأدب والفن والمسرح، في نصوص حاولت تمجيد حالات يراها الإنسان مهمّة، سواء حينما تتناول أحداثا كونية، أو عندما ترصد اللحظات الحرجة التي تنتاب الفرد.

والكتاب والشعراء يختلفون في تعاملهم مع الأسطورة، فمنهم من يتحاشاها مؤثرا الالتحام بالواقع يصور تفاصيله ويرصد تجلياته، ومنهم من يستحضرها في نصوصه على سبيل الإشارة إلى انتماء أو موقف، ومنهم من يوظفها لاستنهاض الهمم ووصل الحاضر بالماضي، أو التعبير عن مكابدات شبيهة بما عاناه برومثيوس وسيزيف وأنتيغون ويرما. وقليلون هم الذين يصنعون أسطورتهم الخاصة، يبتكرون نصا يأخذ من الأسطورة بنيتها وعجيبها وغريبها ليجلو قيما إنسانية خالدة، صالحة لكل زمان ومكان.

ولو أنعمنا النظر لألفينا صورا من أساطير العصر القديم مبثوثة في ما ينتجه الغرب من أدب وصور متحركة ومسلسلات تلفزيونية وأفلام، خصوصا ما تعلق منها بالإنسان الخارق لمألوف الكائنات، مثل باتمان وسبيدرمان وسوبرمان ووندروُومن، فهي لا تبعد كثيرا عن أبطال الأساطير القديمة، من حيث بأسُها وجلَدها وقدراتها الفائقة على قهر الأعداء وتخطي الصعاب.

فكابتن أمريكا هو صورة من العجوز تور الذي تغنت به “الإدة” الأيسلندية في القرن الثالث عشر وروى تاسيت مغامراته في عصور ما قبل التاريخ. وسوبرمان يذكّر في قوته الخارقة وشجاعته وسيطرته على عناصر الطبيعة وتحمله المشقة بالبطل البابلي غلغامش.

وباتمان يحيل في استعماله أسلحة فريدة ضد أعدائه على راما بطل المهابهراتا الهندية أو ملحمة رامايانا. وقد استطاع العقل الخلاق أن يبتكر من القديم أساطير جديدة، وأبطالا تسكن صورهم المخيال الجمعي.


كاتب تونسي مقيم بباريس

17