الأساليب التقليدية في التدريس تحبط رغبة الطلاب في التعلم

حشد المعارف دون تنمية الإدراك يفقد الأنماط التعليمية جدواها.
الخميس 2021/04/15
طرق التعليم في حاجة إلى التجديد

تفرض التغييرات الحاصلة على مستوى العالم الاتصالي على المنظومات التربوية في البلدان العربية، أن تتجدد بما يجعلها مواكبة لهذه التحولات. ويرى خبراء التربية أن أساليب التدريس التقليدية أدت إلى حد كبير إلى تراجع رغبة الأطفال في التعلّم، ودعوا إلى ضرورة إعادة صياغتها بما يتلاءم وحياة الأجيال الجديدة، وألا تكون مبنية على حشد المعارف على حساب تنمية الإدراك.

يرجع خبراء التربية إخفاق الطلاب أكاديميا إلى استراتيجيات التدريس التقليدية والبيئة المدرسية المملة والمنفصلة عن الواقع. ويرون أن أجواء الخوف التي تشع داخل المدارس تعيق النمو الفكري للطالب. بينما تثير طرق التدريس الجيدة اهتمام الطلاب وتدفعهم إلى التعلم وتشوقهم للمعرفة، كما أنها تدفعهم إلى المشاركة مع المعلّم، وتراعي الفروق الفردية، وتساعد في تحقيق أهداف المنهج، وتتفق مع طبيعة النشاط العقلي للطلاب.

وأوضح الخبراء أن العلامات والدرجات التقييمية التي يسندها المعلمون تعزز مخاوف الأطفال من الفشل في الامتحانات، وبالتالي فهي مسؤولة عن انطفاء حبهم للدراسة، وأيضا على قمع فضولهم ورغبتهم في المجازفة من أجل الاستكشاف والتعلم.

وأكد رياض ماضي المتفقد البيداغوجي التونسي، على أن المتعلم في القرن الحادي والعشرين يختلف دون شك عن المتعلم في القرن العشرين، نظرا إلى ما يشهده العالم من تطور في كل المجالات، وخاصة في المجال الرقمي والتعامل مع التقنيات الحديثة.

رياض ماضي: اليوم صرنا في حاجة إلى تطوير أساليب التدريس
رياض ماضي: اليوم صرنا في حاجة إلى تطوير أساليب التدريس

وأشار ماضي إلى أن المعلومة صارت متوفرة لكل من يبحث عنها، ولم تعد الطرائق والوسائل المعتمدة قديما قادرة اليوم على شد المتعلم إلى الدرس وترغيبه في التعلم، كما أن هذا المتعلم لم يعد ذلك المتلقي البسيط المستهلك للمعرفة التي يقدمها المدرس.

وقال ماضي لـ”العرب”، “اليوم صرنا في حاجة إلى تطوير أساليب التدريس واعتماد طرائق جديدة تحفز المتعلم على الانخراط في بناء معارفه ليكون محور العملية التربوية، ويبقى المدرس وسيطا بيداغوجيا يساعده ويرافقه حتى يحقق هذا الهدف”.

وأشار ماضي إلى أن المقاربة بالكفايات التي تعتمدها المدارس التونسية تعد من وسائل التعليم غير التقليدية، لكن ظروف تطبيقها لم تكن جيدة ما أثر على نتائجها.

وأشار ماضي في تصريح لـ”العرب” إلى أن الكفايات الأساسية تعتمد على تقييمات وعلى دعم وعلاج وليس على علامات أو رتب، وهي مبنية أساسا على الكفايات التي يجب أن يمتلكها الطالب.

وأكد الخبراء أن الملل يعتبر عقبة رئيسية أخرى تكبح الدافع الفطري للتعلم، موضحين أن الطفل قبل بلوغه سن المدرسة يبدي استعدادا كبيرا لاكتشاف ذلك العالم الذي يخصه، ولكن بمجرد أن يصبح جزءا من تلك المنظومة التعليمية يشعر بالنفور منها، والسبب أن المدارس تفرض على الأطفال دواما مطولا، ومهامّ متكررة من شأنها أن تفقدهم على المدى الطويل القدرة على التحمّل. وشبهوا طريقة التعليم الحديث بـ”قطعة الكعكة” التي يجبر التلاميذ على التنافس عليها، وهي من وجهة نظرهم مكافآت لا يمكن أن تحفز الأطفال على التعلّم.

وأشاروا إلى أن الأشياء التي يتم تدريسها في المدارس غالبا ما تتعارض مع ما تعلمه الطفل من والديه أو من أفراد أسرته، وعلاوة على ذلك فهو يعامل بطريقة مختلفة عن معاملة والديه، ففي أسرته قد يتعلم مثلا أن الفضول شيء إيجابي ويستحق الثناء، ولكنه قد يواجه السخرية والاحتقار من طرف المعلمين وزملائه على حد السواء إذا طرح سؤالا لم يرق لهم.

وأكدت نوف شفلوت الأخصائية النفسية السعودية أن من الأساليب المحطمة للأطفال والتي تجعل كرههم للدراسة يزداد وتنخفض الرغبه لديهم في الاستمتاع بها، أسلوب التلقين وتكرار المفردات المراد حفظها دون أي تجديد أوتنويع في طريقة حفظها، علماً وأن هناك فوارق فردية بين كل طالب وطالب.

وقالت شفلوت لـ”العرب” إن سماع ألفاظ مثل “أنت غبي وغير قادر على ذلك”، “أنت تسبب لي الإحراج أمام الإدارة”، “أنت ستبقى بلا شهادة” تؤثر سلبا على صحة الأطفال النفسية وبالتالي يتكون لديهم رصيد من الإخفاقات المتكررة.

ودعا خبراء التربية إلى ضرورة تغيّر المناهج حتى تكون مواكبة للتطورات الحاصلة على مستوى العالم.

الإدراك الحقيقي ومهارات التواصل هما الشيئان الفعليان اللذان يفترض بأي منظومة تعليمية التركيز عليهما وتنميتهما لبناء أجيال قادرة على حل المشكلات
الإدراك الحقيقي ومهارات التواصل هما الشيئان الفعليان اللذان يفترض بأي منظومة تعليمية التركيز عليهما وتنميتهما لبناء أجيال قادرة على حل المشكلات

ويرى الكاتب السعودي وحيد الغامدي أن التعليم ليس وحده الذي يجب عليه أن يواكب هذا التغيير العنيف في أدوات التفكير والتلقي عند الأجيال، بل الكثير من الأفكار والمسلّمات التي باتت اليوم في موقف حرج للغاية وهي تواجه الأسئلة المعقّدة في زمن كُسرت فيه كل الحصون الثقافية، وانفتحت فيه الثقافات على بعضها، فأصبحت أمام سيل من المعلومات والمعارف عاجزة عن التصدي والمواجهة.

وقال الغامدي لـ”العرب”، “أساليب التعليم اليوم هي واحدة من الأشياء التي يجب على المنظومات التعليمية إعادة صياغتها بما يتلاءم وحياة الأجيال

الجديدة، التي باتت تتشكّل وعيا وإدراكا خارج رحم تلك المنظومات الرسمية والدينية والأسرية والمجتمعية التقليدية”.

وأضاف “أعتقد أنه ليس أمام تلك المنظومات التربوية أي خيار سوى إعادة التفكير الجدّي في تلك الأنماط التعليمية التي تركّز على حشد المعارف على حساب تنمية الإدراك، في حين أن كل المشكلات التي تواجه الأجيال فعليا في كل مرحلة زمنية هي مشكلات إدراك وليست مشكلات معارف أو معلومات. خصوصا في زمن لم تعد فيه المعلومة مشكلة، لكن الإدراك الحقيقي ومهارات التواصل هي الحاجة الفعلية التي يفترض بأي منظومة تعليمية التركيز عليها وتنميتها، من أجل بناء أجيال قادرة على حل المشكلات وصناعة الحل والتواصل الفعال”.

وحيد الغامدي: على المنظومات التربوية إعادة صياغة أساليب التعليم
وحيد الغامدي: على المنظومات التربوية إعادة صياغة أساليب التعليم

وتفرض طبيعة المحتوى على المعلم اختيار طرق تدريسه، وهناك محتويات يغلب عليها الطابع النظري وأخرى يغلب عليها الطابع العلمي أو التجريبي، وتنبع المشكلة من أن محتويات المواد الدراسية التي تدرس في بعض المدارس الآن تميل إلى الطابع النظري الكثيف، والذي يركز على صب المعلومات في عقول المتعلمين.

وينمي تعدد طرق التدريس الحديثة التفكير العلمي لدى المتعلمين، والعمل الجماعي، والقدرة على الابتكار والإبداع، وتواجه الفروق الفردية بين الطلاب. كما أنها تواجه المشكلات الناجمة عن الزيادة الكبرى في أعداد المتعلمين.

ويرى الخبراء أن الاقتصار على الطرق التقليدية لا يتيح الفرصة أمام الطلاب للقيام بأي أنشطة تعليمية وبالتالي يصبحون سلبيين. كما تهمل الطرق التقليدية مهارات البحث والاطّلاع، وإبداء الرأي، والمناقشة عند الطلاب.

ويصنف الخبراء طرق التدريس إلى أنواع تقوم على أساس نشاط التلميذ بشكل كلي مثل طريقة حل المشكلات، وأخرى تقوم على أساس نشاط المعلم إلى حد كبير مثل طريقة الإلقاء، وهناك طرق تتطلب نشاطا كبيرا من المعلم والتلميذ ـوإن كان المعلم يستحوذ على النشاط الأكبر فيهاـ وهي طريقة الحوار والمناقشة، وهناك طرق التدريس الفردي كالتعليم المبرمج أو التعليم بالوسائل الحديثة، وهناك طرق التدريس الجمعي مثل الإلقاء والمناقشة وحل المشكلات والمشروعات والوحدات.

وتتميز طرق التدريس الحديثة باستقلال نشاط المتعلم ومنحه الفرصة للتفكير والعمل والحصول على المعلومات بنفسه.

21