الأسباب الخمسة لغياب فضيلة التسامح في العالم العربي

الثلاثاء 2014/06/03

في مقال الثلاثاء الماضي تطرقت للجدل العربي باعتباره طريقا للتسامح وقلت إن الجدل، في حد ذاته، ليس آفة أو بدعة وأن في تراثنا العربي نصوصا لا حصر لها تفسر الجدل وتحتفي به. لكن هذا الجدل لابد أن يخضع لضوابط وأن يسعى إلى تحقيق المصلحة ويتجنب التربّص والنكاية. أي أننا لابد أن نصوب خطانا إلى نقاط الالتقاء التي تقربنا كفئات وطوائف وتيارات، وتبلور المشترك في ما بيننا بدلا مما هو حاصل الآن من ظواهر تعمل على تهديم هذا المشترك.

وهذا المشترك، ليس قليلا لا على المستوى الوطني لكل دولة، ولا على المستوى العربي بشكل عام، فأنا أزعم أننا لو بنينا، بالفهم والتسامح، هذا المشترك الوطني والقومي فإن حالنا كأمة ستكون أفضل بما لا يقارن بما نحن عليه الآن. ولذلك فإن المؤامرة الوحيدة التي أعتقد بوجودها هي التي لا تريد لنا أن نلتقي على هذا المشترك لأن في هذا الالتقاء تهديدا لمصالح المتآمرين وتعطيلا لمطامعهم. ولكي نصل إلى تصويب خطانا صوب نقاط الالتقاء، سأتطرق إلى الأسباب الخمسة التي أراها أسبابا رئيسة لغياب التسامح في ممارساتنا وأدبياتنا في العالم العربي.

أول هذه الأسباب الخمسة هو اليقين باحتكار الحقيقة: وهذه آفة معاصرة يمارسها بعض المنتسبين لأهل العلم، كما يمارسها العوام الذين تعلموها منهم. ويكفي للتدليل على نخر هذه الآفة في جسد فضيلة التسامح، أن أشير إلى ما يحدث الآن من تحريض مستمر عبر وسائل التواصل الاجتماعي على بعض المذاهب والتيارات. وقد وصل هذا التحريض، كما حدث من بعض السعوديين مؤخرا، ذروته حين طالب أشخاص محسوبون على بعض المؤسسات الدينية والأكاديمية بإيقاع أقصى العقوبات بالمختلفين معهم.

في كتابه “التسامح” يتحدث جمال عبدالجواد عن “أن المشكلة الكبرى في غياب هذه الفضيلة تتمثل في حالة التأكد من احتكار الحقيقة، فدون هذا التأكد لا يمكن أن يوجد تعصب. أو بعبارة أخرى، فإن المتعصب هو شخص بلغ تأكده من صحة وجهة نظره وامتلاكه للحقيقة المطلقة حدا جعله غير مستعد للدخول في أي نقاش حولها، بل إنه يكون مستعدا للقتل في سبيلها. عند هذا المستوى من التأكد المطلق تختفي الحدود بين الرأي والحقيقة، فيتعامل الفرد مع رأيه باعتباره الحقيقة نفسها، ومن ثم فإن دفاعه عن رأيه يصبح بالنسبة له تعصبا للحقيقة المطلقة، الأمر الذي يبرر له ارتكاب وفعل أي شيء في هذا السبيل”. وهذا ما نراه اليوم متمثلا في صورة الجماعات التكفيرية التي تقتل على الهوية الدينية أو المذهبية، وفي صورة الفرز الفكري أو الشخصي الذي يحول المختلفين إلى أعداء يجوز تهميشهم أو قتلهم.

ولذلك فإن التعصب، كسبب ثان لغياب التسامح، هو عدو هذه الفضيلة الإنسانية. وهو الذي ألقى بنا في عصور سالفة ويلقي بنا الآن إلى تهلكة العنف اللفظي والجسدي. كما أن التعصب يوفر بيئة مناسبة للانتفاع السياسي والتكسب الفردي وينفي الكونية الإنسانية. وقد يفاجئنا أن التعصب يكاد يكون فطرة، إذ ليس فينا أحد لا يتعصب لعقيدته أو فكرته. لكن ضابط التعصب هو الاعتراف بأن له حدين هما الاعتدال والتطرف كما ذكر جمال الدين الأفغاني في مبحث نشره بمجلة العروة الوثقى. واعتدال التعصب، حسب الأفغاني، هو الكمال والتفريط فيه هو النقص، والإفراط فيه مذمة تبعث على الجور والاعتداء، فالمفرط في تعصبه يدافع عن الملتحم به بحق وبغير حق، ويرى عصبته منفردة باستحقاق الكرامة، وينظر إلى الأجنبي كما ينظر إلى الهمل، لا يعترف له بحق، ولا يرعى له ذمة، فيخرج بذلك عن جادة العدل، فتنقلب منفعة التعصب إلى مضرة ويذهب بهاء الأمة بل يتقوض مجدها”.

السبب الثالث من أسباب غياب التسامح فهو كون المجتمع، أي مجتمع، لا يعلي من قيمة الحرية باعتبارها قيمة إنسانية تتيح آفاقا أوسع للتعبير الحر عما يختلج في نفس الإنسان من أفكار دون أن يتوقع حدوث أذى له من أي نوع. لذلك اقترن غياب التسامح بوجود فكر مسيطر على الناس بحيث يسوقهم قهرا إلى فكرته المسيطرة التي تعتبر باقي الأفكار المختلفة دخيلة على المجتمع. وهذا لا يؤدي فقط إلى غياب التسامح، بل إلى الإفراط في القمع إلى أن يصل هذا القمع إلى التصفية الجسدية كما هو حاصل الآن.

وغياب الحرية يولد الاستقواء، وهو السبب الرابع من أسباب غياب فضيلة التسامح في عالمنا العربي، حيث تنشأ الفوقية ويكبر الاستعلاء على أنقاض أفكار الآخرين، فحين تملك زمام السياسة أو رقبة المال أو العدة البشرية الأكثر أو الأغلب، يتضاءل عندك الشعور بحق الآخر في الاختيار الحر لمعتقده أو قناعاته ويتآكل ما بينكما من المشترك لحساب الإلغاء والتصنيف الذي ينتهي إلى قاعدة: من ليس معنا فهو ضدنا! وهي قاعدة لا نتيجة لها إلا الخضوع أو الموت في سبيل أفكارك واستقلاليتك.

وأخيرا فإن من أسباب غياب التسامح شيوع الجهل المضاد للمعرفة، فالتسامح كقيمة مقرون بمستوى التعلم والمعرفة التي تمكن الفرد من الاطلاع والقدرة على المقارنة بين الآراء المختلفة واتخاذ الموقف العقلاني تجاه هذه المسألة أو تلك.

تنبني أسس التسامح، على تداول الحقيقة وليس احتكارها، وعلى نبذ التعصب والإعلاء من قيمة الحرية والتواضع والارتقاء بأفراد المجتمع علميا ومعرفيا. ومتى تحققت هذه الشروط فإن المجتمع العربي سيكون أكثر جاهزية للتقدم وأكثر قدرة على المشاركة في صناعة حضارة اليوم.


كاتب سعودي

9